رفض غربي لتعويم الأسد

تظاهر العشرات، أمس الأحد، في بلدة العزبة بريف دير الزور الشمالي، الخاضع لسيطرة “قوات سورية الديمقراطية” (قسد)، احتجاجاً على كلام وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو حول ضرورة المصالحة بين المعارضة ونظام بشار الأسد.

وجاء التحرك استكمالاً للاحتجاجات الشعبية الواسعة التي شهدتها مناطق الشمال السوري، يومي الخميس والجمعة الماضيين رفضاً للتصريحات.

في غضون ذلك، برزت في الأيام الماضية مواقف غير مباشرة عن بعض الدول والأطراف الأوروبية والأميركية التي تعكس تمسك الغرب بموقفه الرافض لأي انفتاح على نظام الأسد، طالما لم يحصل تقدم في العملية السياسية.

وتزامنت هذه المواقف مع تقديم وزارة الخارجية الفرنسية للنيابة العامة وثائق تتعلق بمجزرة حي التضامن، جنوبي العاصمة السورية دمشق، للتحقيق فيها.

ووصفت الخارجية الفرنسية في بيان، الجمعة الماضي، الوثائق بأنها مهمة وتوثق جرائم النظام السوري، وتتضمن عدداً كبيراً من الصور والفيديوهات تعود لعام 2013، وتشير لارتكاب قوات موالية للنظام السوري جرائم وحشية في حي التضامن.

وشددت على أن “النضال ضد الإفلات من العقاب يعد شرطاً أساسياً لتحقيق سلام دائم”، ودعت لمواصلة العمل من أجل محاسبة المجرمين في سورية أمام العدالة.

شهدت بلدة العزبة تظاهرة احتجاجية ضد تصريحات جاووش أوغلو

رفض غربي للتعامل مع النظام

وفي تصريح يصب في الاتجاه نفسه الرافض للتعامل مع نظام الأسد، دعت مندوبة حزب “الخضر” الألماني في البرلمان الأوروبي، كاترين لانغنزيبن، المفوضية الأوروبية، وجميع الجهات الفاعلة ذات الصلة إلى عدم نسيان الوضع الكارثي للشعب السوري.

وأشارت في بيان، الجمعة الماضي، إلى أن سورية ما زالت بلدا غير آمن، وأن العائدين سيكون مصيرهم الاعتقال أو إجبارهم على الخدمة الإلزامية، مؤكدة أنه لا وجود لمستقبل ديمقراطي مع بقاء نظام الأسد. وأضافت: “إذا كنا نريد التطبيع مع نظام الأسد، فيجب أن نكون واضحين بشأن مع من نتعامل. الأسد ليس ديمقراطياً، إنه ديكتاتور”.

وكان القائم بأعمال بعثة الاتحاد الأوروبي إلى سورية دان ستوينيسكو، زار قبل أيام بعض المدن الخاضعة لسيطرة نظام الأسد لأول مرة منذ انطلاق الثورة السورية في مارس/ آذار 2011، وهو ما انتقده الائتلاف الوطني السوري المعارض.

وأشار الاتحاد الأوروبي إلى أن الزيارة جاءت بالاشتراك مع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، الذي قال إن هذه “الزيارة تترافق مع ازدياد الاحتياجات الإنسانية في سورية بشكل سريع”.

من جهته، كشف المتحدث الإقليمي باسم وزارة الخارجية الأميركية سامويل وربيرغ، الجمعة الماضي، أن تواصل الإدارة الأميركية مع النظام السوري جاء من أجل إعادة الصحافي أوستن تايس المختطف لديه، لا من أجل التطبيع مع النظام.

وأضاف في حديثٍ مع “تلفزيون سوريا”، أنه “ليس لدى الإدارة الأميركية أولوية أهم من إعادة تايس، ويتطلب ذلك أحياناً محادثات مباشرة مع أنظمة لا نتواصل معها عادة”، مشدداً على أن “التواصل لا يعني أبداً بأنه تطبيع مع نظام الأسد أو إشارة إلى إعادة العلاقات معه”.

وكانت وسائل إعلام أميركية كشفت عن اتصال مباشر أجرته إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن مع نظام الأسد في محاولة لتأمين الإفراج عن تايس، من دون تحقيق تقدم حتى الآن، لأن النظام السوري ينكر أن يكون الصحافي الأميركي محتجزاً لديه.

تصلّب غربي ضد الأسد

ورأى المحلل السياسي غازي دحمان أن الموقف الدولي، تحديداً الغربي، ما زال على حاله بشأن الانفتاح على نظام الأسد، وهو يربط أي تطور في هذا الإطار بحصول تقدم على المسار السياسي، وفق القرارات الدولية ذات الصلة.

وأضاف دحمان في حديث مع “العربي الجديد” أن هذا الموقف الأوروبي والأميركي المتصلب تجاه نظام الأسد، هو ما أسهم في فرملة اندفاع بعض الدول العربية تجاه النظام في أوقات سابقة، وربما يكون أحد أسباب “التراجع النسبي” للموقف التركي الذي أطلقه وزير الخارجية التركي، الذي أراد منه كما يبدو جس النبض بشأن إمكانية الانفتاح على نظام الأسد.

كاترين لانغنزيبن: لا وجود لمستقبل ديمقراطي مع بقاء نظام الأسد

وأشار دحمان في هذا السياق إلى البيان التوضيحي الصادر عن الخارجية التركية والذي جدد التزام أنقرة بالقرارات الدولية المتعلقة بسورية، وكذلك تصريح وزير الداخلية التركي سليمان صويلو بأن بلاده لن تترك السوريين الذين يئنون من ظلم النظام السوري.

وختم بالقول إن الظروف لا تزال غير مواتية لحدوث انفتاح دولي على نظام الأسد الذي يواصل التعامل بعنجهية حتى مع محاولات بعض الدول الانفتاح عليه، ويتمسك بسقف عال من المطالب، وكأنه في موقف قوي، على الرغم من أنه يقف على حافة الانهيار الاقتصادي ويعيش عزلة سياسية قاتلة.

وفي ما يتعلق بالتحرك الفرنسي في قضية مجزرة التضامن، رأى الناشط الحقوقي المحامي أنور البني، أن هذه الخطوة ذات مدلول سياسي أكثر من مدلولها الحقوقي والقضائي.

وأضاف البني في حديث مع “العربي الجديد” أنها تشير إلى التزام فرنسا بمحاسبة المجرمين والنظام كمبدأ أساسي في سياستها حيال سورية، علماً أنه لا يوجد في فرنسا مجرمون مطلوبون أو مشتبه بهم في مجزة التضامن، كما أن القانون الفرنسي ليس لديه ولاية عالمية لملاحقة المجرمين خارج فرنسا.

وأوضح أن التحرك الفرنسي جاء بعد تصريحات وزير الخارجية التركي بشأن فتح حوار مع نظام الأسد، ذلك أن الفيديو وكل الوثائق التي أحالتها الخارجية الفرنسية للنيابة العامة موجودة لديها منذ أشهر، ولا جديد فيها، والجديد فقط هو تأكيد التزام فرنسا، وأوروبا عموماً، بموضوع محاسبة النظام والمجرمين وعدم السماح بإعادة تأهيلهم على الساحة الدولية.

كما ذهب الحقوقي السوري سام دلة إلى الاتجاه نفسه. وقال في حديث مع “العربي الجديد” إنه في المبدأ “لن يكون هناك أثر قانوني ملموس للخطوة الفرنسية، بل مجرد آثار سياسية وإعلامية، ذلك أن المسار القضائي طويل وسيصطدم في النهاية بعدم الاختصاص”.

وأضاف دلة أنه اجتمع في الأيام الأخيرة مع “صديق مسؤول مهم مختص بالشأن السوري في وزارة الخارجية الفرنسية، ولم يحدثني لا من قريب ولا من بعيد حول الموضوع”، مستنتجاً أنه “لا ملف قوياً على الصعيد القضائي”.

وكانت صحيفة “ذا غارديان” البريطانية نشرت في إبريل/ نيسان الماضي مقطعاً مصوراً، ذكرت فيه أن مجنداً في مليشيا موالية للنظام سربه، يظهر قتل قوات مخابرات النظام العسكرية، 41 شخصاً على الأقل وإحراق جثثهم في حي التضامن في 16 إبريل 2013.

 

المصدر: العربي الجديد

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.