روسيا تؤسس مرحلة الاستعمار الثالث للدول المستضعفة

إنها واحدة من أكبر أزمات الدبلوماسية، تلك التي تجري ما بين سواحل سورية وصحاريها الداخلية، ومع ذلك يبدو أن التعامل السياسي مع تطوراتها منخفض التوتر، عادياً تقريباً كأنما اللامبالاة الظاهرة يُراد لها قطع الطريق على كل ردود الفعل السلبية أو المفترضة. ما يجري في سورية لن يكتفي بتقرير مستقبل المنطقة ككل، بل ربما تناول مشروعَ الأَمْبرطة المأخوذ بها أوباما وبوتين. فهذه القوة الهائلة، علقت رقبتها بشبكية أعقد علاقات صراعية يشاهدها العصر كما هي جارية بعنف ذاتي مستقل بدون أن تعبأ بالتدخلات الفوقية من هذا الطرف أو ذاك. ذلك أن بعض القضايا الدولية الكبرى قد تتملك من قواها الذاتية الخاصة بصورة لن تكون معها قابلة لانصياع المتدخلين في شأنها، حتى من قبل القادة أنفسهم.
ربما كانت معضلة محافظات الساحل السوري سائرة هي نفسها على نفس الطريق، أي أنها قد تتمكن تدريجياً من أن تعمل عملها حتى بدون تصميم أو رقابة عليها من قبل الأنظمة نفسها التي أثارتها ونفذتها موفرة لها بعض شروط النمو الذاتي. فلا غُلوّ إذن في التعليل إن كانت الأزمة الساحلية هي على هذا الطريق الوعر نحو بلوغ تحديات ستكون ربما أفعل من أصحابها الأوائل.
الإمبراطوريتان تُمسكان معاً بمفاتيح تقسيم سورية اعتباراً من تطورات المسألة الساحلية، لكنهما ترتدعان في ذات الموقف عن اطلاق خطة الإجهاز على الدولة، بل هما لهما ادّعاء مشترك في أنهما حارسان مدافعان عن استمرارية بنية الدولة، فالديكتاتوريان يملكان القدرة على التقسيم، لكنهما يعفّان عن هذه الجريمة النكراء إلى حين ما. إنه نوع من مرض الازدواجية النفسية، إذ أن القطبين قادران تماماً على فعل الشر، لكنهما عاجزان عنه أو عن إنتاج كامل له، على الأقل. فما زال سؤال وراثة الحكم هي الشاغل لعقول قادة الغرب، هذا ما قدم لأنصار الأسد ثمة دعما إضافيا إذ تعجز عبقرية الغرب حتى الآن عن انتاج الخليفة المنتظر ليملأ كرسي الرئاسة بعد فراغها. وهو أمر لا يكاد يُصدّق؛ إذ كيف يطلق للوحش حرية القتل إلى ما لانهاية ما دام ليس هناك من يقتله. والعقل الغربي هل يتقبل مثل هذا التناقض العجيب بدون أن يبذل جهداً آخر مختلفاً هو قادر عليه من أجل قلب الصورة القائمة كلياً على وقائعها الأولى، هذا إن شاء، لكنه لا يريد أن يتورط في الخط الآخر الذي يمكن أن تنشأ منه مؤسسة عقائدية جديدة ربما سوف تقف على طرف مضاد من مسلمات / توافه العقل الغربي الهرم.
غير أن الذي حدث أخيراً مع الغارات الروسية على كل الوسط السوري الحر هو أن بوتين لكي ينجو من مأزق الإشكالية الأسدية قرر فجأة أن يقفز منها إلى القرار الأخطر في مثل هذه الأوقات، وهو إعلان حربه الخاصة. هذا هو بوتين رجل القرارات المصيرية، يفتتح حقاً ميدان حرب لحسابه الخاص. لا يبدو أنه أصاخ السمع أو أبدى الطاعة لآراء الآخرين الذين طالما انشغلوا ليلاً ونهاراً بالاجتماعات واللقاءات، خلالها كان يبدو أن بوتين إنما يعمل مع الجماعة الدبلوماسية لعالم اليوم، وأنه تحول إلى عنصر نظامي مشارك معها في فهم وتحليل المشكلات الدولية الطارئة، لكن الرجل هو من طينة أخرى حقاً، فهو يتظاهر بقابليته الاجتماعية لكنه في الوقت عينه حريص كل الحرص على تنفيذ ما ينتويه.
وما يؤمن به بوتين لن يعرفه أحد قبل أن يتحول إلى أفعال منجزة على الأرض، هذه الحرب الروسية الجديدة تشكل عقدة المآزق الخطيرة المتفجرة حالياً، فإذا كان اعلانها متوقفاً على ارادة قائدها، لكن سيرها أو إنهاءها لن تكون نتاجاً فردياً، لذلك لن يكون سهلاً على أصحاب الحرب أن يجيبوا بعد عدة معارك، عن سؤال حول الجدوى الحقيقية للحدث المخيف. فهل يمكن لـ بوتين أن يبرر حقاً مشروعه الجذري برد مشكلة سورية كلياً إلى الحل العسكري الذي تبرأ منه الجميع ومنهم الروس أنفسهم الذين كانوامن الأوائل في دعوتهم الثوار وسواهم إلى الاقلاع عن القتل والعودة إلى التزام قواعد الحوار. فما الذي جعل الأمور تنقلب رأساً على عقب بإعلان حرب فعلية وصريحة على الجمهور السوري، من خلال ضرب مختلف منظماته العقلانية أو الفوضوية. هل كان السبب حقاً هو الدفاع عن رئاسة الأسد. هل أصبح وجود الأسد أو زواله معادلة توازن مع إشعال الحرب الأهلية بل العالمية. هل حقاً يمكن استخدام الحرب الجديدة كحافظ أمين لاستمراريةالرئاسة، حتى وإن تمخضت عن مشروع استعماري متميز بالطريقة الروسية واخلاقيتها الممهورة بالعنف المطلق.. والبداية هي في حكم الاستئصال لما يوصف بالعدو. فالبداية هي في حذف شامل لعناصر المعارضة أساسياً، وبصرف النظر عن اختلافاتها العقائدية وسلوكياتها المتباينة؛ لكن لن يتحقق القمع الجديد بكبت الأصوات المعارضة فحسب، بل بسحق ألسنتها ورؤوسها معها. فالروسي يريد إقامة مستعمرة كاملة، لن يتوفر لها حظ الانقيام الزائف إلا بعد إزالة الموجود الأصيل. إنها إرادة الاستحواذ الكلي على سورية من سواحلها ومن صحاراها في وقت واحد.
هل يبدو ان التاريخ يريد إعادة عصر الاستعمار إلى دورة وجود جديدة بدءاً من تفجير أحوال الإضطراب اليومي والكلي في حياة «الشرق الأوسط». هذه الاضطرابات لن تنتهي إلا مع ما حدث من تغييرات أساسية كبرى في مجمل حياة المنطقة، وتكون قائمة على محاور تلفتها الحروب الصغيرة اليومية. هذه الحروب تولد، وتموت وتظل باطلة في معناها وتوقيتها، لكنها لن تنقضي بدون أن تقلب كل شيْ في طريقها. فما يقال عن الآمال في العودة إلى الحياة الطبيعية، لن يكون إلا ضرباً من التنجيم الطفولي. أحداث الحاضر الرهيب لن تترك شيئاً على حاله الطبيعية.
فنحن العرب مقبلون شئنا أو أبينا على معاودة العيش في ظل الاستعمار الجديد الآتي. لن يكون شبيهاً للاستعمار القديم إلا في بعض ظواهره الخارجية، لكنه سيأتي باختلافات لا يمكن التنبؤ بها منذ الآن. سيكون جوهرها قائماً على وحدانية القمع، هذا لا شك فيه. فالروس يحيون في بلادهم من دون ديمقراطية حقيقية. فهم كأحرار شكلياً متآلفون مع الانضباط بصورة شبه تلقائية إلى درجة نسيان الحرية من حياتهم كأفراد وكجماعات معاً. وحين سيشرف بعضهم على عمليات استعمار سورية لن يكونوا واعين لأبسط شروط هذه التجربة الجديدة إلا كونها استمراراً لمقموعية شعبهم ذاته كما هو في وطنه فالروس مقموعون أصلاً في ديارهم، وربما سيمارسونه سورياً كتحصيل حاصل.
والأعجب في هذه القصة الفريدة أن الروس ينتزعون إرادتهم الخاصة في الاستحواذ على سورية من تحت أنف أمريكا وأوروبا معاً، ومن دون أن يتوقعوا من هؤلاء أية بادرة احتجاج فعال على الأقل. روسيا تستعمر ما كان ملكاً شرعياً أو سواه لأمريكا. روسيا ترث أمريكا وهي ما تزال حية فاعلة. هل يقال إذن أنه هو الضعف الحقيقي الذي يهد الجيل الأمريكي يفتته ويحوله إلى هضاب من رمل وحصى..
حتى يتم عنصر العجب صار من الممكن القول إن المرحلة الجديدة للاستعمار قد تجعله يتحقق بطريق التكافل والتضامن مع خصومه، بتعبير آخر إنه الاستعمار بتضامن أبطاله وخصومه معاً في الارتباطات الواحدة، ولو كانت احتلالاً لبلاد الناس، وتطويقاً لئيماً لشعوبها، ومع ذلك لا يمكن لأمريكا أن تظل صماء بكماء أمام مشاهد احتلال سورية من قبل عدوها التقليدي الروسي الأبيض.ولا شك سترفض التحرك الروسي ولو لفظياً. وقد أعلنت عن عدم موافقتها على نوعية الهدف الذي يضربه الطيران الروسي فكان أكثره موجهاً إلى كتائب المعارضة ولم يكن له علاقة بداعش إلا رمزياً. أي أن الروس يضربون بالأحرى أعداء حركة داعش. إنهم حلفاؤها الموضوعيون فكل هذه التظاهرات الدبلوماسية لمقاتلة داعش هي خداع للبلد المكشوف. فالروس يكذبون علناً. إنهم وكل زملائهم من مجاميع إيران وحزب الله وحشود العراق، هم في الواقع نوع من التعبئة العسكرية والسياسية التي هدفها المعلن يخفي حقيقة مخططها الواقعي. إنها تعبئة غير مسبوقة في تاريخ المظالم الكبرى؛ تريد تأسيس قلعة قوة هائلة مركزية في المنطقة لفرض سيطرة أحادية على شعوبها من البحر إلى عمق الصحراء الآسيوية. روسيا تؤسس وتقود أكبر حركة قمعية للاستحواذ على عشرات الاقاليم من بلاد العرب والإسلام. فإيران لم تعد تصبر حتى تحقق ثورات شعبوية قد تنشئ حكومات (ملالية) رديفة لمركزية طهران. لكن بوتين يجازف بارتكاب اعلى درجات الاخطار، يفاجئ الجميع بما عجزت عنه الدول والاحزاب حتى اليوم في البلاد (الحرة).
بوتين ينفذ صيغة الضربة القاضية. ينهي مرحلة كبرى من التكاذب الدبلوماسي بين الأقطاب الدوليين حول سورية وقضايا (الربيع العربي). بوتين يتسلم قيادة المرحلة لينهي سابقتها كلياً يخلف حتى إيران وراءه في الصف الثاني. إنه غير عابئ مطلقاً بأية إرادة لأية بنية شعبية، لا يريد تغييرات إرادياً، بل انصياعاً آلياً لأوامره وحدها. وهو له الأمر اليومي كأنه بادئ من التي أطلقت الغارة الجوية الأولى. فكل أفعاله القادمة سيكون لها طابع فعلها الافتتاحي الأول.
ما ينتظره السوريون والعرب والعالم منذ الليلة الماضية، ليلة الغارة، لن يتجاوز حدود الغضب المكتوم الذي ستعانيه جماهير لا حدود لها بدون أن يسمعها أحد بأكثر من بعض التظاهرات الإعلامية العابرة، بينما بوتين ماض في فعله المؤسس لكيانه الإنساني أولاً وليس العقائدي فحسب. فالرجل فاشي الفكر والفعل وهو ربما كان على وعي من فاشيته التي يبدو أنه فخور بها، وبإنجازاتها بالرغم من فشل وعقم معظمها.
ما يجمعه بالأسد وأعوانه الذين زالت بعض رؤوسهم الكبيرة، ليس حباً أو وداً شخصياً يتداوله معهم مجاناً. إنه مؤمن بأن حكم الشعوب يتطلب بروز نوع من طغاة القادة على النمط الستاليني. فما يربطه مثلاً بالأسد هو الوحشية النادرة التي ميزت هذا الإنسان، وجعلته ليس مجرد قاتل لأعدائه أو لشعبه، بل حتى لأقرب أعوانه، وقرابته الدموية. وهو حتى الآن لم ينفذ من القهر ما يحميه من المرتدين عليه؛ إنه الواعد بتحقيق أرقام قياسية أخرى من الضحايا البريئة في المشاركة القادمة التي سيكون لها طابع الآخذين بالثأر. فالأسد يمكنه أن يقضي على الملايين لو أُعطي الفرصة. لن يبقى شعار تدمير البلاد غائباً عن التنفيذ. بل سوف يخلق حظوظه الكبرى يوماً ما. وهو رهان بوتين على الأسد. إنه السبب الأعمق للحفاظ على هذا الطاغية، حتى يمكنه أن يقلب كل شيء، ويبيد شعوباً كاملة من أجل إبدالها بشراذم بشرية ونفايات حضارية. فالفاشية هي الضيفة المختارة، الموعودة إلى المشاركة في كل وليمة سلطانية حاكمة، خاصة عبر تقلبات السلطة الروسية من عهود القياصرة الإقطاعيين إلى قياصرة السلطة الاشتراكية العرجاء خلال الاتحاد السوفييتي. وهاهي الضيفة المفضلة الآتية من جديد كما لو كانت هي الثمرة الذهبية..
والحقيقة أن المأساة السورية تصطبغ كلياً بالمؤثرات الروسية منذ اندحار سلام المظاهرات أمام عنف السلطة وتحوله إلى عنف آخر مقاوم من دون غلبة واضحة في أية معركة تفرض عليه. فلن يكون أمراً غريباً إن انتهت هذه المؤثرات إلى تعليل وتسويغ إقامة كيانية استعمارية جديدة كخاتمة للمأساة، وإنه بمصدر أكبر للمآسي كلها.
إنه الاستعمار تحت تسميته الجديدة المباشرة مستعيداً كل رموزه القاهرة مضافاً إليها هذه المرة ما لم تشهده تجارب الاستعمار التقليدي السابقة، وهي كونه استعماراً متحدياً العالم كله إن أراد مقاومة. فالزمن القادم سيكون ولا شك حافلاً بذرى من القمع المطلق ضد شعوب الأرض جميعاً. والأمة العربية التي تعرضت لمختلف كوارث المراحل الاستعمارية ستكون هي الرائدة في المقاومة الجديدة. فذلك ليس مصيراً من اختيارها. لكنه من أهم مشاريع التاريخ المعبأة بإرادة الحرية والاستقلال وبفطرتها وغريزتها.. ومن ثم لن يكون عليها إلا أن تعيد إنتاجاها بشكلها النظامي والعلمي.
ذلك أنها هي حرية الغد ستصاحب عنف الاستعمار الجديد… ستقوى به وإن كان هو الأشد هولاً وضرراً.

٭ مفكر عربي مقيم في باريس

مطاع صفدي

القدس العربي