روسيا تتقدم وأمريكا تتراجع؟

تكشف التقارير الواردة من واشنطن اقتراب موافقة إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما على الاقتراح الروسيّ بـ«شراكة عسكرية» بين الجيشين الأمريكي والروسي في سوريا يتضمن ضرب مواقع «جبهة النصرة»، وهو أمر كانت الإدارة الأمريكية قد رفضته سابقا، لأن المقصود منه توسيع أجندة النزاع السوريّ خارج نطاق محاربة «الدولة الإسلامية» وتقوية لمركز الرئيس السوري بشار الأسد الذي ما زال الروس مصرّين على تمكينه وإبقائه على رأس السلطة بالقوّة.
توازى هذا الاتجاه الأمريكي الجديد المنحرف نحو البوصلة الروسيّة مع التسارع الكبير في خطى التوافق بين موسكو وأنقرة الذي بدأ مع الاعتذار المعلن للرئيس التركي رجب طيب إردوغان من نظيره الروسي فلاديمير بوتين وانتقل من ثم إلى إعلانات عن إجراءات سريعة لعودة السياحة والتبادل التجاري بين البلدين وصولاً إلى حديث وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أمس خلال لقائه بنظيره التركي عن بدء اتصالات بين وزارتي الدفاع الروسية والتركيّة، أيضاً فيما يخصّ سوريا.
وقد سبق هذان الحدثان المهمّان تطوّر كبير آخر اعتبرته روسيا انتصاراً لها وهو تصويت أغلبية البريطانيين على انفصالهم عن الاتحاد الأوروبي، الذي كان رئيس حملة الخروج «بريكسيت» فيه، بوريس جونسون، أحد أنصار التقارب مع روسيا، إضافة إلى كونه معاديا للاتحاد الأوروبي، وحليفا أيضاً لمرشح الرئاسة الأمريكي دونالد ترامب الذي صرّح بدوره تصريحات لافتة عن ضرورة التقارب مع روسيا «لمواجهة التشدد الإسلامي» (على حدّ قوله)، وهو ما قوّى بدوره دعوات الاستفتاء المماثلة في أوروبا والتي تقودها أحزاب اليمين العنصري والفاشية والمعادية للمهاجرين عموماً وللمسلمين خصوصا.
يبدو التأثير الروسيّ على نتيجة الاستفتاء البريطاني ضئيلاً ولكنّ الأجندة الروسيّة، التي ترتكز على عداء متصاعد للاتحاد الأوروبي، وكذلك على اشتراك عامّ مع عداء نسبة غالبة من المصوّتين البريطانيين للمهاجرين، وهما كانا موضوعين أثيرين في الدعاية الأيديولوجية الروسيّة وقد تم توظيفهما بطريقة «البروباغاندا» التضليلية في نقد استقبال أوروبا للمهاجرين وتوجيه سهام العنصرية ضدهم (كما حصل في شأن الفتاة الروسيّة ـ الألمانية التي ادّعت أن مهاجرين اغتصبوها في الوقت الذي كانت تقضي فيه ليلتها مع صديق لها).
أمّا التقارب الروسيّ التركيّ الجديد فيجمع في أسبابه الخذلان الأمريكي لأنقرة في مواجهتها مع موسكو وفي رفض خططها لتمكين المعارضة السورية القريبة منها، وكذلك في حظر البيت الأبيض لخطة المنطقة الآمنة السورية، والخذلان الأوروبي لها في موضوع انضمامها للاتحاد الأوروبي، مضافاً إلى الخسائر الاقتصادية الهائلة التي تكبّدتها من تلك المواجهة، فالمعلوم أن التجارة بين أنقرة وموسكو تجاوزت 50 مليار دولار في عام 2015، وكان عدد السياح الروس يصل سنويا إلى خمسة ملايين، إضافة إلى استهلاك تركيا للغاز الروسي ومشاريع المحطات النووية.
معالم الاتفاق العسكري الجديد بين روسيا وأمريكا تدلّ بما لا يدع مجالاً للشك على أن واشنطن قد تخلّت عن مطلب رحيل الأسد الذي كانت قد رفعته بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، والأسوأ من ذلك أن هذا الاتفاق سيسمح، من خلال شرعنة القصف الروسيّ في سوريا، إلى جعل فرض وجودها كقوّة احتلال ويسمح لها بفرض رؤيتها السياسية للصراع السياسي والعسكري على السوريين.
صحيح أن العرب لم يكونوا ينتظرون معجزات من إدارة أوباما ولكنّ أكثرهم تشاؤماً لم يتوقّع أن تتراجع أمريكا عن دعم حلفائها التقليديين، لصالح تقوية المشروع الروسي ـ الإيراني، واعتماد الحلّ العسكري ـ الأمنيّ الذي لا يفعل غير أن يؤجج أفق الأزمات البنيوية في المنطقة وينعكس بالتالي على أوروبا وأمريكا والعالم بمزيد من الكوارث.