روسيا وإيران في سورية: تنافس تحت سقف التفاهم

وصف وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان التعاون المشترك بين طهران وموسكو في سورية، بأنه “تجربة ناجحة تماماً تشكلت في إطار إرادة الحكومة السورية وسيادتها”. جاء ذلك في ختام آخر جولة في طهران من المباحثات الإيرانية الروسية، بين اللجان المتخصصة بالوضع السوري من الطرفين، على مستوى الدفاع والأمن والسياسة، في 21 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. وقاد الوفد الروسي الممثل الخاص للرئيس الروسي إلى سورية ألكسندر لافرنتييف، أحد أبرز مهندسي التعاون الروسي الإيراني في سورية، والذي بدأ قبل عدة أشهر من التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية في سبتمبر/أيلول 2015.

وقبل أن ينتقل لافرنتييف إلى طهران عرّج إلى دمشق في العشرين من شهر نوفمبر/الماضي، ليلتقي رئيس النظام السوري بشار الأسد، ولم يكن ذلك مجرد مرور مجاملة، بل لبحث عدة نقاط تختص بتطوير تعاون موسكو وطهران مع دمشق.

جاء الاجتماع الإيراني ــ الروسي بالتزامن مع تهافت بعض العرب للتطبيع مع النظام السوري

الجولة الجديدة بين حليفي النظام السوري انعقدت في ظل تطورين مهمين. الأول هو، زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينت إلى موسكو في الثاني والعشرين من شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وحصول اتفاق بين الطرفين على تجديد التفاهمات السابقة، التي كان قد توصل إليها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والتي وصفها بينت بأنها “جيدة ومستقرة”. وكالعادة أثارت الأوساط الإعلامية مسألة إخراج إيران من سورية، إذ ذكرت صحيفة “هآرتس”، في تعليقها على الجولة الجديدة، أن الطرفين “ناقشا تموضع إيران في سورية وجهود إسرائيل لإبعادها عن الحدود قدر الإمكان”.

والتطور الثاني المهم هو تهافت بعض العرب للتطبيع مع النظام السوري، تحت شعار استعادته من الحضن الإيراني، والمساعي التي تقوم بها الجزائر من أجل عودة النظام إلى الجامعة العربية، الذي جمدت عضويته منذ العام 2011، بسبب الإفراط في استخدام العنف ضد المتظاهرين السلميين. وتبقى المحطة الأبرز زيارة وزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد إلى دمشق، واجتماعه مع الأسد في 9 نوفمبر الحالي. وفي مركز هذه الزيارة مسألة إعادة الإعمار، التي سيكون مصدر تمويلها الأساسي من دول الخليج العربي والاتحاد الأوروبي، وربما الصين. وحتى الآن لا يبدو أن سورية ستتمكن من استقطابها من دون تعهدات حقيقية، تتضمن تقليص نفوذ إيران.

وظهرت مؤشرات قبل جولة المباحثات الروسية الإيرانية وبعدها، إلا أنها تختلف عن الجولات السابقة. فمن دمشق، وقبل توجهه إلى طهران، أعلن لافرنتييف عن أهم عناوين المرحلة المقبلة، قائلاً إن “محاولة إنشاء أشباه الدول داخل سورية غير مقبول”، و”من الضروري عدم تكرار الاعتداءات الإسرائيلية على سورية”. وأشار إلى أن موسكو “بذلت وتبذل جهوداً لإنهاء هذه الغارات، والتوصل إلى تفاهمات تقوم على احترام السيادة السورية”. وشدد على رفض بلاده مبدأ الرد العسكري على الغارات الإسرائيلية، موضحاً أنه “لا أحد في سورية بحاجة إلى حرب جديدة”، داعياً إلى “التواصل مع إسرائيل” في هذا الشأن.

وعلى إثر هذه التصريحات، سربت موسكو أنها تعمل على إقناع الإيرانيين بإخلاء عدد من المواقع في سورية، بذريعة أنها تتعرض لغارات إسرائيلية متواصلة، ولسحب الحجة الإسرائيلية في استمرار هذه الغارات، ومنها مطار “تيفور”، الذي يشكل قاعدة إيرانية لتجميع الطائرات الإيرانية المسيرة. ويبدو أن هذا الطلب إسرائيلي قبل أن يكون روسياً. وفي الوقت الذي تسربت فيه معلومات عن استجابة طهران لضغوط موسكو بإخلاء المطار، كشف وزير الأمن الإسرائيلي بني غانتس أن “إيران حاولت نقل مواد متفجرة من سورية للضفة الغربية بواسطة طائرة مسيرة، والهدف التسبب بعمليات إرهابية، وتم رصدها قريباً من بيسان” قرب الناصرة، مشيراً إلى أن ذلك حصل في فبراير/شباط 2018، وكانت الطائرة قادمة من مطار “تيفور”.

ولمزيد من توضيح نتائج الجولة بين الطرفين، أعلنت وزارة الخارجية الروسية أن الوفد الروسي الذي زار طهران، بحث سبل تثبيت استقرار الوضع “على الأرض” في سورية مع استمرار القتال ضد الإرهابيين، مشيرة إلى أن الطرفين أجريا “تبادلاً مكثفاً لوجهات النظر”. كما تطرقت المحادثات إلى تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 2585 بشأن المساعدة الإنسانية في سورية، والقرار رقم 2254 حول تسوية الأزمة فيها. ويرى مراقبون أن البيان جاء مقتضباً، بالنظر إلى جولة المفاوضات التي استمرت يومين، وتناولت على نحو خاص إعادة تموضع القوات الإيرانية في بعض المواقع الحساسة. وفي ما يتعلق بهذه المسألة هناك إجماع في أوساط الخبراء في العلاقات الإيرانية الروسية على أن قدرة موسكو على كبح الدور الإيراني في سورية محدودة، ومثال ذلك مساعيها لإبعاد الجماعات الموالية لإيران عن الحدود في الجولان المحتل والجنوب، لكنها مستمرة وبقوة في درعا والقنيطرة. ورغم الضغوط الإسرائيلية والأميركية على روسيا من أجل ذلك، فإن موسكو غير قادرة على السيطرة على الموقف العسكري الإيراني في سورية، أو وقف الإمدادات إلى “حزب الله” والجماعات الأخرى الموالية لطهران في المنطقة.

والمسألة الثانية التي تناولتها الجولة تتعلق بمد سيطرة النظام السوري إلى مناطق جديدة في شمال غربي البلاد نحو ريفي حلب وإدلب، وفي الشمال الشرقي باتجاه محافظات الرقة ودير الزور والحسكة. وبخصوص شمال غربي سورية، فإن الأمر محال إلى جولة جديدة من مباحثات أستانة، أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أنها ستعقد في شهر ديسمبر/كانون الأول الحالي. ويراهن الروس والإيرانيون على نجاح الضغوط على تركيا هذه المرة، من أجل تطبيق البنود الباقية من اتفاق سوتشي، وعلى نحو خاص فتح طريق “أم 4” الدولي، باتجاه استعادة الحركة التجارية على هذا الطريق الحيوي، والتي باتت أولوية لدى النظام وحلفائه منذ أكثر من عام. ومن المنتظر بحث هذه القضية خلال زيارة وشيكة إلى أنقرة لوفد عسكري تقني من وزارة الدفاع الروسية، بناء على مخرجات لقاء الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

سربت موسكو أنها تعمل على إقناع الإيرانيين بإخلاء مواقع بذريعة أنها تتعرض لغارات إسرائيلية

وهناك تسريبات من الأوساط الموالية للنظام، تتحدث عن استعدادات تقوم بها قوات الأسد للقيام بعمل عسكري واسع النطاق لـ”طرد” فصائل المعارضة السورية من مناطق تسيطر عليها جنوب “أم 4”. ويقولون إن النظام استكمل استعداده لشن عملية عسكرية محتملة في ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الغربي، بدعم جوي روسي، تمهيداً لافتتاحه أمام حركة المرور والترانزيت بـ”تفاهمات روسية أميركية”، وضعت خطوطها العريضة خلال اللقاء بين مبعوثي الرئيسين الروسي والأميركي في جنيف، على هامش الجولة السادسة من اللجنة الدستورية في 20 أكتوبر الماضي. وضم اللقاء وقتها مسؤول الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأميركي بريت ماكغورك، ونائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فرشينين، ومسؤول الملف السوري في روسيا ألكسندر لافرنتييف. ومن بين المواضيع التي تناولها اللقاء نتائج تنفيذ قرار إعادة فتح معبر باب الهوى، وإمكانية الانسحاب الأميركي من منطقة شرق الفرات والوجود الإيراني في سورية.

أما بخصوص الوضع في شمال شرقي سورية، فقد زار وفد كردي موسكو في 24 نوفمبر برئاسة الرئيسة المشتركة لـ”مجلس سورية الديمقراطية” (مسد) إلهام أحمد، حيث التقى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. وذكرت وكالة “تاس” الروسية أن زيارة الوفد تهدف لبحث التهديدات التركية بشن عملية عسكرية على مناطق خاضعة لسيطرة “قوات سورية الديمقراطية” (قسد)، ولطلب مساعدة روسية لمنع أي تصعيد عسكري في منطقة عين العرب (كوباني) شمال شرقي حلب، على الحدود مع تركيا. ومن جانبها، قالت صحيفة “الوطن”، التابعة للنظام السوري، إن أحمد ناقشت في موسكو المقترح الروسي بدخول ثلاثة آلاف من جنود وضباط قوات النظام إلى عين العرب “لحمايتها من خطر الغزو التركي الذي لا يزال قائماً وداهماً”، مشيرة إلى أن هذا المقترح سبق أن قدمته موسكو، ورفضته إلهام أحمد في تصريح لها قبل أيام، وأن الرفض غايته “منع تكرار سيناريو درعا في مدينة كوباني”.

هذه الجولة كانت مناسبة لعودة الحديث عن ابتعاد روسيا عن إيران، ونقاط الافتراق في المشروعين. وقد أظهرت موسكو، أكثر من مرة، استعدادها لذلك، مقابل تفاهمات دولية تحقّق لها مكاسب في الملف السوري. إلا أنه على مدار الحرب تمكن التعاون الروسي الإيراني من أن يتجاوز عقبات كبيرة، وعززت المصالح العسكرية والسياسية من العلاقات الثنائية، وأظهرت مزيداً من التماسك بشأن حدود ومعايير التعاون. وهذا لا يعني أن كل شيء يسير على ما يرام، بل هناك شبكة معقدة من العلاقات المتداخلة والمتشابكة على قدر التعقيد في الخريطة السورية، وتأثيرات دولية وإقليمية، ومقاربات مختلفة وتنافس على المشاريع وإعادة الإعمار، بالإضافة إلى تباين رؤى حول مستقبل سورية، ووجهات نظر مختلفة حول الإصلاح السياسي والاستثمار الاقتصادي. ومع ذلك، فإنه من غير المرجح أن تؤدي هذه الخلافات إلى انهيار العلاقة، بل إن موسكو وطهران تعلمتا من تجربتهما تخفيف الخلافات التكتيكية ومن المرجح أنهما في كل جولة يرسمان حدود المصالح الخاصة بكل منهما داخل سورية.

المصدر: العربي الجديد

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد