سلمان شبيب: نستبعد شنّ عملية عسكرية تركية قريبا.. وأمريكا عزّزت وجودها في الشمال  بدعم “قسد”

سلمان شبيب: حديث عن تفاهمات تركية أمريكية لتذويب المجموعات المصنفة إرهابية وتوحيد القوى المعارضة بالشمال

يرى سلمان شبيب، رئيس حزب سوريا أوّلا، في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، أنّ شنّ تركيا عملية عسكرية برية في الفترة المقبلة أمر مستبعد لاعتبار الظرفية الحالية واستعدادها للانتخابات المقبلة، لافتا إلى أنّ هناك تواطؤا دوليا أعطى الضوء الأخضر ضمنيا لأنقرة لشن العمليات السابقة، مؤكدا أن الدعم الأمريكي لا يزال مستمرّا وخير دليل على ذلك ترتيب وضع قوات”مغاوير الثورة” الموجودة في منطقة التنف تحت رعايتها ومزيد تقديم الدعم لقسد.

س-تحذيرات جدّية من إمكانية شن القوات التركية عملية عسكرية برية تستهدف شمال وشرق سورية.. ما خطورة الإقدام على هذه الخطوة في الوقت الراهن على المنطقة ككل؟

ج-مهما كانت المعطيات المتوفرة نافية إلا أنه لايمكن استبعاد قيام تركيا بشن غزوة احتلالية جديدة للأرض السورية وهو ماتهدد وتلوح به، ونستبعد حصول ذلك في المدى القريب لأسباب متعددة منها أن تركيا على أبواب انتخابات مصيرية وبالتالي أي خطوة مثل عملية عسكرية كبيرة والتداعيات التي يمكن أن تنتج عنها تحتاج إلى حسابات دقيقة جداً، ثم إن تركيا تتبع منذ سنوات بخصوص الملف  السوري، سياسة ابتزاز الأطراف واللعب على مجموعة حبال دولية وإقليمية معاً ونجحت في تحقيق مكاسب واضحة بهذه السياسة، ثم إنها كي تقوم بعملية اجتياح جديدة تحتاج إلى موافقة أو على الأقل إلى تفهم صامت من قبل أطراف دولية وإقليمية فاعلة بالملف السوري وتتمركز على تماس مباشر مع تركيا على الأرض السورية وتربطها معها شبكة واسعة من العلاقات والتفاهمات والمصالح،  وخاصة أمريكا وروسيا وإلى حدّ ما إيران، إلا أن هذه الدول أعربت عن معارضة واضحة وحذرت من تداعيات كارثية قد تنتج عن عملية الغزو هذه وحاولت إيجاد صيغ مختلفة لحلول ترضي تركيا وتمنع العملية، فروسيا حاولت فرض صفقة سياسية تجمع تركيا وسوريا وقسد، وإيران عملت على نفس الخط ولكن يبقى الموقف الأمريكي هو الحاسم وهو المعارض الأقوى  لأسباب كثيرة منها موضوع “داعش” والأهمية المتصاعدة لقسد في الحسابات الأمريكية مع ازدياد فعالية دورها في سورية بشكل واضح منذ عدة شهور ما قد يكون تهيئة مسرح عمليات جديد للضغط على روسيا واستنزافها كجهد إضافي لدعم المعركة ضدها في  أوكرانيا، وقد تجلى  الموقف الأمريكي الرافض بشدة للعملية العسكرية التركية بصيغ سياسية والأهم عبر رسائل عسكرية واضحة  كزيادة التنسيق بين قوات التحالف وقسد وتزويدها بشحنات كبيرة من الأسلحة النوعية وخاصة المضادة للدروع وربما الطيران عن طريق العراق  في إشارة واضحة لتركيا ستفهمها بالتأكيد. 

س  -لماذا تواجَه دعوة الإدارة الذاتية إلى حكم لامركزي بهذا الكم من الرفض والهجوم سواء من النظام أو المعارضة؟

ج-في الحقيقة كثير من القوى السياسية والمجتمعية السورية ومنها حزبنا، حزب سوريا أولا،  تشارك الإدارة الذاتية ومسد رؤيتها  بأن الحكم المركزي في سورية قد فشل وأن اللاّمركزية الموسعة هي الأصلح لمجتمع تعددي كالمجتمع السوري وهي الصيغة الأنجح لإطلاق الإمكانيات الهائلة وخاصة  البشرية والاقتصادية  التي تتمتع بها سورية وهي الكفيلة بامتصاص كل التوترات المجتمعية ومعالجة عدد من المشاكل الكبيرة والخطيرة كالمشكلة الطائفية والمشكلة الكردية وغيرها .

-وقد كان هناك موقف روسي لافت عندما طرحت على لسان نائب وزير الخارجية الروسي منذ عدة سنوات فكرة نظام الحكم الفيدرالي لسورية ثم طوي الموضوع ربما بانتظار توفر الظروف المناسبة، وتجربة الإدارة الذاتية المطبقة في مناطق شمال وشمال شرقي سورية تجربة مهمة يجب أن تدرس بعيدا عن التشنج والمواقف المسبقة الرافضة، ولكن من المهم جدا ألاّ يستفرد طرف سوري واحد بفرض صيغة تُقرّر مصير الشعب كله وأن يكون هناك توافق وطني على طبيعة التقسيمات الإدارية من ضمن الحل السياسي الشامل للقضية السورية.. وإذا كان مفهوماً أن يتمسك نظام حكم استبدادي بالحكم شديد المركزية لأنه يناسب طبيعته ورؤيته فمن غير المفهوم هذه العدائية من قبل أحزاب وقوى معارضة لتجربة الإدارة الذاتية وهي التي تدعي أنها تعمل  على إقامة نظام يقوم على التعددية والديمقراطية ودولة المواطنة. 

-نحن نرى أن من مسؤولية مسد وبقية الأطراف المشتركة بالإدارة الذاتية العمل المستمر لتبديد أي هواجس عند بقية الأطراف والتأكيد دائماً بالقول والممارسة على وحدة سوريا وسيادتها .

س-هل هناك تواطؤ دولي وإقليمي مع الهجمات التركية ضد الشمال السوري ؟

ج-بالتأكيد تركيا لم تكن تستطيع بدون تواطؤ إقليمي ودولي القيام بعدد من الغزوات الاحتلالية للأرض السورية  مثل التي أسمتها “درع الفرات” و”غصن الزيتون” و”نبع السلام” والتي احتلت خلالها ألاف الكيلومترات المربعة  تضم عشرات المدن ومئات البلدات والقرى يسكنها مئات ألوف المواطنين السوريين ثم تقوم بعملية تهجير واسعة لهم تتبعها بمحاولة تتريك شاملة لكل مفاصل الحياة والإدارة مع طمس هوية وثقافة هذه المناطق وضرب روح الوطنية السورية، ورأينا  التفاهمات التي أبرمتها مع روسيا وأمريكا والتي سمحت بالقيام بهذا الاحتلال دون أي صدام أو حتى مشاكل جدية مع هذه الدول التي لديها قوات  على الأرض وتتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية للحفاظ عليها ولكن تركيا تلعب بشكل ناجح حتى الآن على تناقضات المصالح الدولية وتستغل الظروف المناسبة للتهرب من التزاماتها خاصة الموجودة بالتفاهمات مع روسيا ، وقد قدمت الحرب الروسية على أوكرانيا فرصة ذهبية لأردوغان لتحقيق أطماعه المعلنة بالأرض السورية .

س- بِمَ تفسرون الإصرار التركي على إنشاء منطقة آمنة في سورية، وهل ترون أن هذا المشروع مرتبط بالانتخابات المقبلة التي تستخدم فيها المعارضة التركية ملف اللاجئين لمحاربة أردوغان؟

ج-نحن نرى أن المواقف والتحركات التركية منذ بداية الأحداث في سورية  مرتبطة إلى حد بعيد بالأطماع التركية ومخطط العثمانية الجديدة  وليس له علاقة بالأمن القومي التركي ولا بالحرص على الشعب السوري ومصالحه ، وما تسميه تركيا منطقة آمنة وتؤكد دائماً هدفها بإقامته هو مرحلة في مشروع كبير يضع عينه على حلب وما بعد حلب، وتنفيذ ميثاق ملي والتخلص من معاهدة لوزان ومافرضته على الأرض، فتركيا حتى اليوم لم تتصالح مع نفسها ولا مع واقعها الذي فرضته ما سميت بتركة الرجل المريض كمجرد دولة إقليمية محدودة الإمكانيات والدور ولاتزال تعيش في أحلام وأوهام قادة تركيا -وخاصة أردوغان- صورة الامبراطورية التي تشكل سورية ممرا إجباريا لنهوضها من جديد .

-الهدف التركي المرحلي المعلن تحت اسم المنطقة الآمنة أصبح واضحاً وهو السيطرة على شريط يمتد على طول الحدود لمسافة تقارب 915 كم وبعمق يتجاوز ال35 كم وقد يمتد إلى 50 كم، وإذا نجحت تركيا بهذه الخطة فستكرس وجودها الدائم فيها ولن تنسحب منها وستجعلها  قاعدة للتوسع أكثر وقضم المزيد من الأرض السورية .

س-هل يمكن اعتبار القرارت الأممية ومنها القرار2254، أنها باتت غير صالحة بعد هذه التغيرات الجيو -سياسية في المنطقة والتقارب التركي السعودي، التركي الامارتي، التركي المصري وخلق تحالفات جديدة؟ 

ج-لايمكن إغفال التطورات المتلاحقة على المشهد السوري والمشهدين الإقليمي والدولي المؤثرين به بعد صدور القرار 2254  في العام 2015، وخاصة موجة المصالحات الإقليمية  وحرب أوكرانيا والصدام الدولي الكبير الذي نتج عنها وغياب أية إمكانية حالياً لقيام تفاهمات دولية تشكل ضرورة قصوى لرعاية وتنفيذ قرارات مجلس الأمن وخاصة القرار 2254، وحتى اللجنة الدستورية التي كانت تشكل مجرد إعلان عن عدم موت الخيار السياسي لحل الأزمة السورية تم إيقاف  عملها بقرار روسي واضح برغم أنها المنتج الوحيد لما سمي مؤتمر الحوار السوري في سوتشي الذي عقد بجهود روسية لكن القرار 2254 لا يزال على الأقل نظرياً يشكل مرجعية وخارطة طريق تؤكد جميع الأطراف على التمسك بها وتحرص في جميع البيانات التي تصدر عن أي اجتماع أو لقاء يتناول القضية السورية على أنه الأساس  لأي حل للأزمة السورية .

-لكننا لا نستبعد أن تكون هناك -عندما تنضج ظروف الحل السياسي ويتم توفير التفاهمات الدولية اللازمة- تعديلات على القرار تتناسب مع التطورات التي حدثت بعد صدوره.

س-ما قراءتكم للتقارب التركي مع النظام،  وهل يمكن أن يخلق حلحلة للمأزق السوري؟

 ج-ملف العلاقات السورية -التركية مُثقل بالمشاكل والتعقيدات والشكوك المتبادلة، وبرغم الجهود الروسية والعلاقة المتميزة التي تربطها بالطرفين وحاجة الأطراف الثلاثة(روسيا وتركيا وسورية) إلى متنفس  نتيجة الظروف الضاغطة التي تمر بها لتحقيق اختراق جدي بهذا الملف ويريحها إلى حد ما، لكننا نستبعد تحقيق نتائج سريعة برغم تعدد اللقاءات.. ربما يكون هناك نجاح شكلي، مثل عقد لقاء لوزراء الخارجية أو لقاء آخر لوزراء الدفاع لكن سقف مطالب كل طرف من الآخر يبدو أنه عالٍ ومن هنا رأينا هذه الفرملة بعد الاندفاعة  الكبيرة وموجة التفاؤل التي رافقتها، ويبقى عامل رئيسي هو الموقف الأمريكي المعترض الذي بدأ يرتفع مترافقاً مع دفء واضح بدأ يعود  إلى العلاقة الأمريكية التركية، وإذا اتخذت أمريكا موقفاً حازماً فلا يمكن تصور أن تعاند تركيا وتستمر بهذا المسار، هذا بالإضافة إلى الموقف السوري الذي أعلن من أعلى مستوى في القيادة السورية وهو ربط أي تطبيع للعلاقة بشرطين لا أتصور أن تركيا حالياً بوارد تنفيذ أيٍّ منهما ،وهما الانسحاب من الأراضي السورية التي تحتلها ووقف دعم ورعاية المجموعات الإرهابية، وبالتالي سيشهد مسار تطبيع العلاقات بين سوريا وتركيا  الكثير من الشد والجذب والمناورات والشروط والشروط  المضادة، ولا أتصور تحقيق نتائج دراماتيكية سريعة .

س-حديث عن تحرّكات أمريكية في الشمال السوري لتقويض التقارب مع أنقرة،  ماحقيقته؟

ج-أمريكا، برغم الكلام المتكرر أنها لا تملك استراتيجية واضحة حول الملف السوري ولا توليه أهمية كبيرة وتضعه دائماّ كورقة تخدم ملفات كبيرة كعلاقتها مع إيران وتركيا وروسيا وملف محاربة الإرهاب ووجودها في العراق، إلا أنها  تبقى هي اللاّعب الأقوى الذي يمسك بمفاتيح رئيسية وأوراق هامة جداً تحرص على عدم حرق آي منها.. صحيح أنه خلال عهد ترامب وبداية عهد بايدن ظهر تراجع واضح في الاهتمام الأمريكي بالشأن السوري لكن الصورة تغيرت مع بداية الحرب الأوكرانية، ومنذ عدة شهور ظهرت فاعلية الحضور الأمريكي بشكل متعاظم ابتداءً من ترتيب وضع قوات مغاوير الثورة في منطقة التنف تحت الرعاية الأمريكية وضخ مزيد من الدعم لقوات قسد إلى جانب تواتر زيارات المسؤولين الأمريكان مع تصريحات تؤكد استمرار الوجود الأمريكي  وصولا إلى المعلومات الأخيرة عن خطة أمريكية تركية مشتركة تم التوافق عليها لتوحيد القوى المعارضة التي ترعاها أمريكا مثل قسد ومغاوير الثورة مع القوى والمجموعات التي تدعمها تركيا وتذويب المجموعات المصنفة إرهابية كـ”جبهة النصرة” ضمن هذا التشكيل الجديد، وهذه الخطة هي ترجمة لمبادرة معهد هدسون الأمريكي ذات النقاط الست .