المرصد السوري لحقوق الانسان

سوريا الضائعة بين الدب الروسي والذئب الأمريكي!

4649408800578

إنها روسيا بوتين التي ربما ستكون هي النسخة الثالثة لـ(روسيا المقدسة) التي طالما استوحى معانيها الغيبية أدباءُ القرن التاسع عشر، حتى في ظل القيصرية، بدءاً من كاتبها الكبير تولستوي، الإقطاعي الثائر باسم العدالة (الأرثوذوكسية)، وصولاً إلى ديستويفسكي الروائي، الثائر هو كذلك، ولكن باسم العدالة الإنسانية، وكانت هي واحدة من أهم الطلائع الممهدة للثورة الاشتراكية، وبناء الاتحاد السوفييتي الذي اقتسم قمة النفوذ العالمي مع الغرب طيلة النصف الثاني من القرن العشرين.ما نريد قوله أن تحولات روسيا الحديثة، سواء لمرحلتها القيصرية، ومن ثم السوفييتية، وما بعدها راهنياً، باسم بوتين أو نظامه الفردي الليبرالي، كانت مشبعة في ماهيتها الثقافية والاجتماعية، بالروح القوموية ورديفها شبه العضوي، وهو الانتماء الشعبوي العميق لقداسة التدين الأرثوذوكسي’بنسخته اليونانية القديمة، والمتجذر بالنزعة السلافية الشمولية.

هذا التكوين الأركيولوجي ثلاثي الأبعاد، العرقي السلافي والديني مضافاً إليهما هذا النزوعُ إلى الشمولية في كل من الشأنين العام والخاص من أمور الفرد والدولة والعالم. جعل ‘روسيا المقدسة’ تصير إلى ما يشبه آلة سحرية في تفريخ الإيديولوجيات، من عصر سياسي اجتماعي إلى آخر. هذه الجذور الأنثربولوجية سوف تكون مسؤولة عن بناء أنظمة التمركز حول الذات، في مقابل تمركزيات الذات الغربية خاصة. حتى الاتحاد السوفييتي الذي ضم عشرات الأمم والحضارات ما بين قارتي أوروبا وآسيا، فإن اشتراكيته الماركسية عجزت عن إحلال علاقات ديمقراطية ما بين أُممه. فمن خلال بنائه الدولاني الفضفاض هذا مارست موسكو أفضليتها العقائدية والقيادية على بقية أعضائه. وها هو بوتين لا يكتفي بإبداء حنينه إلى المجد السوفييتي الضائع فحسب، بل يحقق عملياً ودولياً بوادر أولى في استعادة بعض أدواره القديمة: إنه يستثير مكامن أركيولوجيا غيبية ذات مسحة خلاصية ليست غريبة أبداً عن تكوين الشخصية العميقة للأقوامية السلافية. ويمكن أن تغدو البديل العقائدي عن إيديولوجيا الاتحاد السوفييتي الماركسوية؛ ما يعني أن عهد بوتين قد عثر على المضمون العقائدي ليملأ به طموحه اللامحدود إلى الشمولية التي افتقدتها روسيا بعد تخليها عن مشروعها الاشتراكي الدولي.

لعل المطمح المركزي المحرك لاستراتيجية بوتين، كما ترمز إلى بعض دلالاتها أحداث أوكرانيا ومن قبلها سوريا، هو الوصول إلى حال تحرر أوروبا الشرقية جملة وتفصيلاً، من خطر ابتلاعها غربياً. كأنما يهدف ـ هذا الطموح ـ إلى انعتاق دول أوروبا الشرقية من أدوار الشركاء الأضعف ضمن الاتحاد الأوروبي ذي البنية والقيادة الغربية الخالصة، ونقلها إلى ما يشبه كيان (الكتلة الشرقية) السابقة كما كانت في حقبة الحرب الباردة. ذلك أن أمريكا زعيمة الغرب في مختلف أطواره، لم تكن متجاوبة مع الاتحاد الأوروبي. في محاولته لاستيعاب ما كان يدعى بمشروع (أوراسيا) الداعي إلى تذليل كل العقبات الجيوسياسية الفاصلة بين القارتين الأوروبية والآسيوية. بدءاً من الانفتاح الحقيقي على كيانات أوروبا الشرقية مع دولتها الكبرى روسيا، وليس قسراً عنها. وعزلاً لها. لكن السياسة الأمريكية لم تكفّ سراً وعلناً عن تحريض دول أوروبا الشرقية المتبقية في المدار الروسي، لتركه والالتحاق بالاتحاد الأوروبي، كما تسلك عيْـنَ الأهداف مع الدويلات الإسلامية الآسيوية التي لا تزال ملتحقة بالاتحاد الروسي. هذه المعارك الجيوسياسية بامتياز، المحتدمة في أطياف القارتين أوروبا وآسيا. لن تظل مفاعيلها محدودة إقليمياً. إنه النظام العالمي لتوزع الدول الكبرى هو الذي يتلقى التداعيات الأبعد مدى.

لن يظل رافعاً لشعارات تعددية الأقطاب من دون أن تكون لها ثمة صلات واضِحة مع أحداث الواقع، المناقضة لمعانيه وحقائقه، فالتعددية في الاستقطاب الدولي سائرة نحو الاختزال في القطبية الثنائية عالمياً من جديد، وإن بقيت لها بعض الأمثلة في الاقتصاد.

ومهما يقال عن انسحابات أمريكية من بعض ساحات الصراع الإقليمي، إلا أنها هي الأمبريالية الكونية التي لن تسمح لأمريكا زعيمتها، بالغياب التام عن مسارحها الأساسية. فقد تتغير قليلاً أو كثيراً أسماءُ ألعاب الكبار أو عناوينها، لكن علاقات القوى فيما بينها هي صاحبة الأمر النهائي كما كانت دائماً. وفي عالمنا العربي وضواحيه الإسلامية كانت، ولا تزال تتابع معظمُ التمارين الأولى على ولادة الثمار الأخطر من مواسم علاقات القوى الدولية هذه؛ وذلك منذ عقود مديدة، وإلى حاضر ومستقبل غير متعينين مقدماً بالنسبة إلى ضحاياها تحديداً.

هذه الثنائية القطبية الجديدة ولدت من رحم خراب سوريا، وترعرعت سريعاً قوتها الأولى عبر المنازلة الأوراسية الراهنة، بين الدب الروسي والذئب الأمريكي في بطاح (أوكرانيا) ومُدنها الثلجية الغاضبة: لكن كان من نكد ديمومة الكارثة السورية أنها فتحت الأبواب الموصدة والمستعصية بين العدوين الأكبرين. فاستعاد الغرب عدوه القديم. وهاهما يدخلان معاً مرحلة ما بعد الشراكة المصطنعة التي استغلتها أمريكا لكي تقوم بالتصفية الكاملة لآثار القطب السوفييتي المنهار، تحسباً لمشروع عودته غير المستحيلة؛ وبوتين هو المتكفّل بابتكار نسخته المنتظرة، وإن اختلفت شكلاً ومضموناً عن الأصل، وتشابهت معه في الهدف الواحد عينه، وهو بالأقل الاحتياز على حصة النصف الآخر من النفوذ العالمي ومصالحه الاستراتيجية المحورية كحد أدنى.

عالمنا العربي هو الذي يوفر لهؤلاء الكبار الميادينَ المفتوحة لمختلف حروب المبارزات الحدية أو العابثة فيما بين أقطابهم، بشرط أن تدفع شعوبه تكاليفها من حيوات أجيالها ومن مصالح أوطانها. ولقد يُخيّل لبوتين أنه نجح حتى اليوم في إقامة مستعمرته الأولى في قلب المشرق العربي، بالاستيلاء شبه الكامل على القرار العسكري،فالسياسي بعده، بل الاستراتيجي لسوريا كدولة ونظام حاكم. ومنهج إداري وتنموي لمجتمعها.

فالثورة التي أطلقها جيل الحرية الناهضة، وتم اختطافها إلى الأهداف السلفية وبرامجها القروسطية، باتت موشكة في منعطفها الثالث راهنياً على التعرض لعمليات استقلاب لمنظماتها وأهدافها بدلاً من انتظار الاعتراف بهزيمتها من قبل معظم حلفائها، وحتى من بعض زعمائها، في الوقت الذي ستجري فيه عمليات إعادة إنتاج النظام، بما يؤهلهما معاً، هو والثورة السابقة ـ أو بعضها ـ في اصطناع ما يُسمى بسلطة وطنية مسوَّغة سياسياً وأخلاقياً بمهمات الانقاذ العام للبلاد من عصر الخراب الحالي.

كل هذا الوهم السياسوي هو من باكورة الإنتاج العقائدي لمستعمرة (سلافية)، طافرة من وطنها الأم الشمالي، نحو عمق المشرق، عازمة على طرح مشروع: سوريا ما بعد الخراب. كمقر قيادة عليا لحصة النصف الآخر من النفوذ العالمي استباقياً التي يحلم بوتين وزمرته الأوليغارشية بتأمينها من الكيس العربي والأمريكي، وقبل الانطلاق الكبير لمنازلات القطبية الثنائية عالمياً. وربما جعلها بوتين منذ الآن نوعاً من رأسمال استراتيجي لمشروعاته السلافية الأساسية في أوربا، وبدءاً من أوكرانيا، ووصولاً إلى دول البلطيق، ثم النزول نحو الوسط الشرقي الأوروبي.

إنه الجناح العربي الناهض بالسيناريو البوتيني موازياً أو سابقاً بصورة ما لجناح نشاطه الشمالي الأوروبي. فما كانت تناضله ثورةٌ سوريةٌ سلميةٌ لم يكن مجرد نظام طواغيت محلية فقط. لقد تفجّرت أمامها مغارةُ أفاعٍ، لم تحسب لها حساباً حتى في أضغاث أحلامها. ومع ذلك فإنها تلاحق لذاتها أدواراً فذة، وتحسبها ناجعة، ولعلها لن تكون هامشية في لوحة الصراع الجديدة ما بين الدب الروسي والذئب الأمريكي. فمثلما دشّنت هذه الثنائيةُ القطبية نفسَها عبر تجديد (الصراع على سوريا)، فإن الثورة دشنت من جديد عصر النهضة العربية، بدءاً من الصراع ـ من أجل ـ سوريا، وليس عليها، أو للاستيلاء على شعلة النهضة العربية الشاملة، الكامنة دائماً في وجدان كل شعب ممسك بجمرة الحرية حتى وهو غارق تحت ديجور المظالم، أقساها وأخبثها في تاريخ المجازر الكبرى لهمجيات الحيوان الإنساني.

الغريب في القطبين الروسي والأمريكي أنهما مصرّان على استمرار الحرب في سوريا، حتى تدمير آخر مدينة وقرية فيها. وكل منهما يعتقد أنه مسيطر سلفاً على مستقبل هذا البلد التعيس ما بعد تدميره. ليس هذا فقط، بل ما يجمع العدوين الجديدين القديمين، هو اعتقاد جازم أن نفوذ كل منهما على نطاق العالم، متعلق عضوياً بتحويل سوريا إلى مستعمرة سلافية روسية أو شبه تكايا سلطانية تابعة لأمريكا جملةً وتفصيلاً. لكن الثورة التي كادت تفقد كل عناوينها الشرعية لا تزال هي وحيدة وواحدة قرارها الوجودي، وإن لم تتح لها الظروف أن تفجر أعمق إمكانياتها. فليس لها إلا مؤونة عقيدتها الأولى، وهي أنها ثورة للحرية وبأدوات الحرية فحسب.

لكن هل مثل هذا الهدف سيظل شعاراً، أم أنه هو نفسه منشئ معانيه إن شاء الإنسان العربي السوري أن يستيقظ يوماً من تحت ركام التحريفات التي أفقدته بوصلة الأمان والخلاص.

 

مطاع صفدي

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول