سوريا ـ قتل عمدي لمدنيين بأيدي داعش

(نيويورك) ـ  متشددين مسلحين، يغلب الظن أنهم من أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية المعروف أيضاً باسم داعش، تعمدوا استهداف أشخاص كانوا يعرفون أنهم مدنيون في هجوم بتاريخ 25 يونيو/حزيران 2015 على بلدة كوباني بشمال سوريا وما حولها. وقالت السلطات الكردية السورية ومنظمات حقوقية محلية إن 233-262 مدنياً قتلوا وجرح ما لا يقل عن 273.

 

وقد وصف 15 مدنياً، وبينهم 8 من الجرحى، لـ هيومن رايتس ووتش القتل العمدي للمدنيين بأيدي معتدين أشار السكان والسلطات المحلية إليهم على أنهم من داعش. وقال الشهود إن المعتدين قاموا، بغرض خداع المدنيين واكتساب ثقتهم، بارتداء أزياء تشبه أزياء الجماعات التي كانت تحارب داعش في كوباني، أو عين العرب باللغة العربية. وقد قتل المعتدون المدنيين بأسلحة تتضمن البنادق الهجومية والمدافع الرشاشة، والأسلحة البيضاء والقنابل اليدوية في بعض الحالات، بحسب الشهود والسلطات المحلية.

وقالت ليتا تايلر، وهي باحثة أولى في مجال الإرهاب ومكافحة الإرهاب: “وصف الناجون مقتلة بأيدي داعش كان هدفها الرئيسي ترويع السكان المحليين. وتشير جميع الروايات إلى أن الاعتداء كان هجوماً مدبراً على السكان المدنيين للمنطقة”.وقد بدأ الاعتداء في نحو الرابعة من صباح 25 يونيو/حزيران، حينما فجر المقاتلون ثلاث سيارات مفخخة يقودها انتحاريون في محيط كوباني، ثم طافوا بالمدينة في عربات بيضاء أو على الأقدام، مطلقين النار على المدنيين أثناء فرارهم في الشوارع أو محاولة النجاة في سياراتهم. وقام بعض المعتدين بتعقب المدنيين داخل المنازل لقتل أعداد كبيرة من أفراد العائلات، بحسب الشهود والنشطاء المحليين وأقارب المتوفين.

وكان المعتدون قد تخفوا في أزياء تشبه الزي الخاص بوحدات حماية الشعب، وهي القوات المسيطرة على كوباني، وكذلك زي الجيش السوري الحر، وهو جماعة معارضة مسلحة قامت في الشهور الأخيرة بمحاربة داعش إلى جوار وحدات حماية الشعب.

وقام قناصة أيضاً بإطلاق النيران على المدنيين من الأسطح، وإصابة المدنيين الذين حاولوا انتشال الموتى والجرحى، وأخذ عشرات من المدنيين كرهائن، كما قال الشهود، وما يزيد على 10 من أقارب الموتى، و6 نشطاء محليين لـ هيومن رايتس ووتش. وقد قتل معظم المدنيين بين الرابعة صباحاً ومنتصف صباح 25 يونيو/حزيران، بحسب قولهم. ويغلب الأكراد على سكان كوباني، وقد قال الشهود إن معظم القتلى من الأكراد إن لم يكونوا كلهم.

وقد نشب القتال بين القوات الكردية وقوات داعش المزعومة بعد ذلك بقليل واستمر حتى استعادت القوات الكردية السيطرة على المدينة في 27 يونيو/حزيران.

وقالت سلطات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري ـ الحزب السياسي الرئيسي في المنطقة ـ إضافة إلى وحدات حماية الشعب إن 233 مدنياً لقوا حتفهم في الهجوم، وبينهم 23 من قرية برخ بوتان على الحافة الجنوبية لمنطقة كوباني. وقال ناجيان من برخ بوتان لـ هيومن رايتس ووتش إن المتشددين المسلحين قتلوا الكثيرين في قريتهما بالأسلحة البيضاء، كما تعرفا على 8 أطفال وسط القتلى.

ونشر المركز السوري لتوثيق الانتهاكات، وهو منظمة للرصد، أسماء 262 قتيلاً قال إنهم كانوا من المدنيين، وبينهم 12 طفلاً و67 سيدة. كما نشرت منظمة كردية سورية، هي منظمة روج آفا لحقوق الإنسان، قائمة جزئية بأسماء 118 مدنياً، بينهم 14 طفلاً و18 من كبار السن، يتضمنون رجلاً في الحادية والسبعين تم ذكر الذبح كسبب لوفاته.

وبينما لم يتسن لـ هيومن رايتس ووتش التحقق المستقل من إجمالي حصيلة الوفيات المدنية، إلا أن الشهود والأقارب زودوها بأسماء 60 من القتلى، وقالوا إنهم جميعاً من المدنيين. كما قدم من أجريت معهم المقابلات أقوالاً ذات مصداقية تفيد بأن المتشددين المسلحين اعتدوا على هؤلاء المدنيين، حتى حين لم يكن هناك مقاتلون أكراد أو غيرهم من الأهداف العسكرية على مقربة. وتوحي أقوالهم بقوة بأن الهدف الأول للمعتدين كان قتل المدنيين ونشر الرعب وسط السكان المحليين.

ورغم أن مقاتلي داعش حاصروا مكاتب وزارة الدفاع في حكومة كوباني وهاجموا نقاط تفتيش، إلا أنهم لم يستهدفوا غير ذلك من المنشآت العسكرية في المدينة، كما قال ريدور خليل، الناطق باسم القوات الكردية، لـ هيومن رايتس ووتش. وورد في بيان لقوات حماية الشعب بتاريخ 28 يونيو/حزيران أن 21 من مقاتليها في المدينة والأرياف المحيطة بها قتلوا، إضافة إلى 14 من أفراد قوة الشرطة الكردية. وقال البيان إن جميع المعتدين قتلوا عدا سبعة فروا إلى تركيا، بدون تقديم إحصاء للخسائر.

كما تحفظت السلطات الكردية على واحد من متشددي داعش، مصري الجنسية، حسبما قال خليل لـ هيومن رايتس ووتش. وقال شهود إن معظم المعتدين كانوا من عرب سوريا، لكن بعضهم كانوا يتحدثون بلكنات أجنبية، وإنهم اعتقدوا أن بعض الآخرين كانوا من الأكراد، استناداً إلى طلاقة حديثهم بالكردية. وقالت شاهدة واحدة إن المقاتل الذي احتجزها مع آخرين من أقاربها قال إنه مغربي.

وقالت فاطمة، 33 سنة، التي كانت تقود سيارتها إلى أحد مستشفيات كوباني مع زوجها في ساعة مبكرة من صباح يوم الهجوم، لتسلم جثمان والدها الذي توفي جراء مرضه في الليلة السابقة: “كانوا يطلقون النار علينا عمداً ـ ونحن لسنا مقاتلين، بل كنا نحاول الوصول إلى المستشفى”. وقالت فاطمة، التي كانت تتحدث من مستشفى بمدينة شانلي أورفة بجنوب تركيا، إن مقاتلي داعش قتلوا زوجها مصطفى، 34 سنة، مع أحد أصدقائه، وأطلقوا النار على ساقها مرتين وعلى ذراعها مرة واحدة:

رأينا سيارتين محملتين برجال ونساء في زي وحدات حماية الشعب. وظنناهم من مقاتلي الوحدات، فلم نعتقد أن هناك مشكلة. لكنهم صوبوا أسلحتهم إلينا وبدأوا في إطلاق النار. قتلوا زوجي وصديقه. أصيب زوجي في الرأس واكتست السيارة بدمائه.

ثم وصلت قوات حماية الشعب واندلع القتال. كان المقاتلون يصيحون بعبارات السباب للوحدات ويصفونهم “بالكفار”. كنت أسمع الرصاص والانفجارات من كل مكان حولي، وأنا محاصرة في السيارة، أنزف، من الخامسة والنصف صباحاً حتى منتصف النهار، وحتى أنقذني أفراد وحدات حماية الشعب.

كانت فاطمة حبلى في شهرها التاسع، وقالت لـ هيومن رايتس ووتش إن الأطباء ولّدوا طفلها في موعد لاحق من نفس اليوم أثناء معالجتها من الطلقات النارية. وقال مراقبون حقوقيون محليون إن الجراحة أجريت في تركيا. وقد امتنعت هيومن رايتس ووتش عن استخدام الاسم الكامل للشهود لحمايتهم من احتمالات التنكيل.

وقال شهود عديدون لـ هيومن رايتس ووتش إنهم افترضوا، عند سماع أوائل الطلقات قبل الفجر، أن القوات الكردية تحتفل بزفاف أو بانتصار على داعش في منطقة أخرى.

وقال حمودي، 28 سنة، الذي جرح في الاعتداء: “حين سمعت الطلقات ذهبت إلى الباب ورأيت 4 رجال حليقي الذقون بزي وحدات حماية الشعب، فقلت لأبي: ‘هؤلاء ليسوا من داعش‘، لكنهم صاحوا في تلك اللحظة ‘الله أكبر‘ وأطلقوا النار على ساقي وأعلى فخذي”. وقال حمودي إنه انسحب داخل منزله وبعد ربط ضمادة بدائية حول فخذه قام بمساعدة أقاربه في إحداث 3 حفر بجدران 3 منازل مجاورة للفرار منها.

ويحظر على جميع الأطراف المتحاربة، بما فيها الجماعات غير الحكومية، شن الهجمات التي تتعمد استهداف المدنيين، أو لا تميز بين المدنيين والمحاربين، أو تتسبب للمدنيين في خسائر غير متناسبة مع المكسب العسكري المتوقع. ويعد التخطيط للهجمات غير المشروعة بنية إجرامية، أو الأمر بها أو تنفيذها، من جرائم الحرب.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن على اللجنة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في الجمهورية العربية السورية التحقيق والمسارعة إلى تقديم التقارير عن اعتداء كوباني. وعلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية بحيث يمكن إخضاع حوادث من قبيل مذبحة 25 يونيو/حزيران في كوباني، وما يرتكبه سائر الأطراف من انتهاكات في النزاع السوري، للتحقيق الكامل وتقديم المسؤولين إلى العدالة.

وكان مجلس الأمن الأممي قد تبنى في أغسطس/آب 2014 القرار رقم 2170 الذي يفرض جزاءات على داعش ويدعو البلدان إلى اتخاذ إجراءات لمكافحة التجنيد في صفوفها وتمويلها.

وقالت ليتا تايلر: “يأتي الهجوم العمدي على المدنيين في كوباني كتذكرة عاجلة بضرورة قيام جميع البلدان بتقوية التدابير الرامية لإضعاف الجماعات المسلحة المتشددة مثل داعش. ولا يقل أهمية، في جميع ما يتخذ من إجراءات، أن تكون مشروعة بحيث لا تديم دوائر العنف”.

شهود يصفون اعتداء كوباني
سبق لـ داعش الاعتداء على كوباني والاستيلاء على أجزاء منها في أكتوبر/تشرين الأول 2014. وقد تمكنت القوات الكردية ومقاتلو المعارضة السورية، بمعونة غارات جوية تقودها الولايات المتحدة، من طرد داعش في يناير/كانون الثاني. وتعرض أغلب المدينة للدمار أثناء الحصار، ولم ينجح العاملون حتى الآن في إزالة كل ما وضعته داعش من فخاخ، والذخائر غير المنفجرة التي تخلفت عن داعش ووحدات حماية الشعب وغارات التحالف. وقال سكان لـ هيومن رايتس ووتش إن 24 ألفاً فقط من سكان المدينة البالغ عددهم 130 ألفاً كانوا قد عادوا في أواخر يونيو/حزيران. وفي مايو/أيار 2014 قامت داعش باختطاف 153 صبياً كردياً من كوباني، فاحتجزتهم وأساءت إلى نحو 100 منهم طوال 4 أشهر.

وقد أجرت هيومن رايتس ووتش المقابلات مع معظم الشهود والأقارب في شانلي أورفة وبلدة سوروج التركية، المواجهة لكوباني عبر الحدود السورية-التركية، وكذلك بالهاتف في كوباني.

العائلات المقتولة
حكى شهود ونشطاء لـ هيومن رايتس ووتش عن 3 حالات لمتشددين مسلحين يرتدون زي وحدات حماية الشعب أو الجيش السوري الحر، وينتقلون من منزل إلى منزل في كوباني مع إلقاء القنابل اليدوية داخل المنازل أو إطلاق النار على مجموعات من أفراد العائلات.

فقال 3 أقارب، كان اثنان منهما من الشهود، إن مجموعة من مسلحي داعش قتلت 11 من الأقارب المقربين وجرحت اثنين آخرين، وكلاهما من الأطفال، داخل وأمام 3 منازل عائلية متجاورة قرب البنك الزراعي في جنوب وسط كوباني. وقد شهد شاهدان عمليات إطلاق النار داخل اثنين من المنازل، وكان الثالث، محمد، 42 سنة، في منزل قريب:

سمعت طلقات في الخارج في نحو الرابعة والنصف صباحاً، فخرج شقيقي الأصغر لرؤية ما يحدث، وأطلق عليه الرصاص مجموعة من المسلحين. وخرجت زوجته لاستطلاع الأمر فشاهدت زوجها يرقد على الأرض. وفيما كانت تحاول رفعه أطلقوا عليها النار بدورها. وكان في يدها ابنها الذي يبلغ من العمر شهرين، لكنها ناولت الطفل لشقيقتي. ثم خرج شقيقي الآخر فأطلقوا النار على ساقه لكنه انسحب إلى داخل المنزل. وخرجت أمي لأخذ شقيقي وزوجته، لكنهم قتلوها هي أيضاً.

تعقب المعتدون الشقيق الجريح إلى داخل منزله وقتلوه، كما قال محمد. ثم أطلقوا النار على شقيقة محمد، التي كانت مقعية خلف الباب وهي تحمل الرضيع الذي يبلغ عمره شهران بين ذراعيها. وقد نجا الرضيع. وكانت اثنتان من شقيقات محمد البالغات تختبئان بغرفة أخرى. وقالت بريفان، إحدى الشقيقتين، 25 سنة: “كنت أسمع الطلقات وأسمع بكاء الرضيع، لكنني لم أستطع الخروج. واتصلت بوزير الدفاع [التابع للحكومة المحلية الكردية] الذي كان مكتبه قريباً، فقال: ’لا يمكننا مساعدتك فنحن بدورنا محاصرون‘”.

وجاء أحد الأعمام للمساعدة “لكنهم قتلوه بدوره” كما قال محمد. “وخرجت زوجة العم الآخر لرؤية ما يحدث. فقتلوها في الشارع. ثم حضر ابن عمي بسيارته لإنقاذهم، فقتلوه في سيارته. وحضر ابن عمي الثاني فقتلوه بدوره. وكانت زوجة ابن عمي داخل [المنزل الثالث]، فقتلوها بالرصاص”.

أطلق المسلحون النيران أيضاً فجرحوا اثنتين من بنات أشقائه في منزل العم الثاني، وعمر إحديهما 16 سنة والأخرى 10-12 سنة، قبل الفرار، بحسب أقوال محمد وغيره من الأقارب. وقالوا إن العم، 70 سنة، قال لهم فيما بعد إن المسلحين تناقشوا في ما إذا كانوا سيقتلونه، لكنهم أبقوا عليه بسبب كبر سنه، ثم قتلوا ثلاثة آخرين من الأقارب الذين في الخامسة والخمسين أو أكبر.

وكانت تلك المرة الثالثة في 3 سنوات التي تفقد فيها العائلة أفراداً منها في كوباني في اعتداءات منسوبة إلى داعش. ففي 2013 تسببت سيارة مفخخة أمام مكتب الهلال الأحمر بالمدينة في قتل ما لا يقل عن 8 أشخاص، بينهم والد محمد الذي كان في السابعة والستين. وفي 2014 انضمت شيرين شقيقة محمد، 19 سنة، إلى وحدة حماية المرأة، وهي المعادل النسائي لوحدات حماية الشعب، فقتلت في كمين نصبته داعش.

وأثناء زيارة إلى أحد مستشفيات شانلي أورفة، شاهدت هيومن رايتس ووتش شابة يقول أصدقاؤها ومنظمات حقوقية محلية إنها شاهدت المتشددين المسلحين يطلقون النار على والديها وعلى أقارب آخرين أمام عينيها. ثم أطلق المسلحون النار على وجهها. وكانت هناك ضمادة على عين السيدة، كما كانت في حالة كرب انفعالي حاد.

استهداف النساء والأطفال وكبار السن
رغم إبقاء المتشددين المسلحين في بعض الحالات على حياة أصغر المدنيين وأكبرهم سنا، إلا أن شهوداً ومدافعين عن حقوق الإنسان قالوا إن مسلحيهم قاموا مع ذلك بقتل ما لا يقل عن 14 من المدنيين دون الثامنة عشرة. وقد أدرجت منظمة روج آفا لحقوق الإنسان طفلاً يبلغ من العمر 3 سنوات ضمن الموتى. وكان 67 على الأقل من المدنيين القتلى من السيدات، بحسب مركز توثيق الانتهاكات. وكان 18 من الموتى على الأقل في الخامسة والخمسين أو أكبر، بحسب منظمة روج آفا.

وقالت زارغا، 41 سنة، من قرية برخ بوتان، لـ هيومن رايتس ووتش إن أحد قناصة داعش استهدفها هي وابنة شقيقها بعد فرارهما إلى الشارع عقب الاستيقاظ قبل الفجر على سلسلة من الأصوات سريعة التتابع: نباح الكلاب، وصياح فتاة وبكائها، ثم طلقات الرصاص:

كنت أكلم ابنة شقيقي عن الفتاة. ولم نكن نعرف ماذا حدث. وفجأة لاحظنا شعاعاً من الليزر. ونظرنا نحو الضوء فرأينا اثنين من القناصة يصوبان بنادقهما إلينا. فبدأنا نجري. وسقطت ابنة أخي فاختبأت خلف جدار، وواصلت أنا الجري. كنت أجري في مسار متعرج لتجنب المسلحين. ثم شعرت بألم في عنقي.

مضت الرصاصة بين لوحي كتفي مخترقة الجانب الأيمن من عنقي. أطلقوا عليّ الرصاص 5 مرات، لكن واحدة فقط أصابتني. فسقطت، وقلت لنفسي: “سأموت قبل أن يتاح لهم الوقت لأسري”. ثم فقدت الوعي.

وعندما استعادت زارغا الوعي، بحسب قولها، كانت ابنة شقيقها قد وجدتها ووصلا إلى سيارة بها أقارب لهما على بعد 250 متراً. وقالت زارغا: “كنت أجر نفسي إلى السيارة وأستغيث”. وفي مواجهة الرصاص أخذها أقاربها إلى مستشفى محلي وإلى تركيا لاحقاً. وقالت: “لم نعرف قط ماذا حدث للفتاة التي كانت تصرخ”.

تظاهر المعتدين بأنهم قوة صديقة
قال شهود إن المتشددين المسلحين كانوا يرتدون أزياء تشبه أزياء وحدات حماية الشعب والجيش السوري الحر. وقالوا إن أفراد داعش كانوا في بعض الحالات ينادون بالكردية: “أدخلونا فنحن من وحدات حماية الشعب” في محاولة لدخول المنازل.

وقام متشدد بزي وحدات حماية الشعب بإطلاق النيران المميتة على شيخو عطو، 65 سنة، عندما هرع من منزله لتحية المسلحين، كما قال أحد أقاربه لـ هيومن رايتس ووتش.

صاح عطو: “عسى ألا تكون داعش هنا!” بحسب قريبه، شيخ نبي. فصاح المسلح: “ارجع!” بالعربية، وتعقب عطو داخل منزله وأطلق النار على ساقه وعلى زوجته في جنبها، فقتل الاثنين، ثم أطلق النار فجرح ابنتهما، بحسب شيخ نبي.

إطلاق النار على المسعفين
قال شهود إن مقاتلي داعش أطلقوا النار أيضاً على مدنيين كانوا يحاولون إسعاف أقاربهم الجرحى أو مقاتلي وحدات حماية الشعب. وقال 3 شهود إن المسلحين أطلقوا النار على مدنيين من مبنى من 4 طوابق كان يؤوي مدرسة سابقة قرب جبل مشته نور، ويجري تجديده لتحويله إلى مستشفى. وقال مراسلون صحفيون إن المتشددين المسلحين تحصنوا في المبنى وإنه تعرض لدمار كبير في القتال مع القوات الكردية.

وقال أحد السكان الجرحى، وقد طلب حجب اسمه: “شقيقي لديه سيارة، وقد ذهب لمساعدة بعض المصابين الذين استغاثوا. وفي الطريق أطلق مقاتلو داعش عليه النيران فقتلوه. اتصلت بأخي مرتين ولم يرد. فأدركت أن هناك مشكلة. وذهبت للبحث عنه لكن عند اقترابي من سيارته أطلقوا النار على جنبي. ورقدت في الشارع من السابعة صباحاً حتى الثانية عصراً، متظاهراً بالموت”.

وقال خليل، 40 سنة، إنه أصيب في عنقه أثناء قيادة سيارته إلى المستشفى بمقاتل كردي جريح كان قد عثر عليه وهو ينزف أمام باب منزله الأمامي:

شاهدت مجموعات من مقاتلي داعش بزي وحدات حماية الشعب يختبئون في الأركان. وكنا على بعد 20 متراً فقط من الأمان حين أطلقوا النار على عنقي. رأيت الدم يتناثر على الزجاج الأمامي أمامي. وواصلت القيادة بيد واحدة على عجلة القيادة والأخرى على مؤخرة عنقي.

وقال حمودي، الجريح البالغ من العمر 28 عاماً، وأحد أعمامه، إن أحد أقاربهما أصيب بالرصاص وجرح بأيدي المتشددين المسلحين فيما كان ينقذ شقيقه، المراهق، الذي أطلق المسلحون النار عليه أيضاً. وقال حمودي إن إطلاق الرصاص وقع قرب البنك الزراعي بالمدينة، أحد أكثر مسارح الهجوم دموية.

وقال حمودي: “ذهب ابن عمي البالغ من العمر 15 عاماً، حين سمع الطلقات في الصباح الباكر، إلى مدخل الباب، فأطلق مقاتلو داعش النار عليه أمام البنك وقتلوه. وحينما هرع ابن عمي الآخر لسحب جثمان شقيقه، أطلق مقاتلو داعش النار عليه فجرحوه في ذراعه”.

وقال إبراهيم، وهو خباز عمره 58 عاماً، إن أحد القناصة كان يطلق النار من مبنى المدرسة السابقة فأصاب معصمه وصدره في الصباح الباكر، فيما كان يسرع إلى مخبزه بعد تلقي مكالمة تفيد بجرح أحد العمال:

حين وصلت إلى المخبز سمعت طلقات غزيرة. وعندما خرجت من سيارتي أطلق قناص النار على يدي اليسرى. ورأيت مقاتلي داعش فوق سطح المبنى [المدرسة السابقة]. كانت يدي تتدلى من معصمي. فأمسكت بيدي المتدلية وهرعت إلى داخل المخبز. كنا نحو 30 شخصاً بالداخل. وقام أحد العمال بإحداث حفر في المخبز، ففررنا إلى مستشفى الأمل [القريب]، زحفاً بإزاء الجدار.

وقال شيخ نبي إن المعتدين، الذين أطلقوا النار على قريبه شيخو عطو وزوجة عطو في منزلهما، أطلقوا النار بعد ذلك على هاتف خلوي فأطاروه من يد ديليشان، ابنة عطو، 23 سنة، بينما كانت تتصل به مستنجدة. ثم أطلق المسلحون النار على الابنة في الجذع، فأصابوا طحالها وإحدى رئتيها وإحدى كليتيها، بحسب قوله. وقال شيخ، وهو زوج شقيقة ديليشان، إنه تلقى مكالمة السيدة المذعورة في نحو الساعة 4:45 صباحاً.

وقال: “كانت تبكي وتقول: ’أطلقوا النار على أبي، أطلقوا النار على أمي‘، ثم انقطع الخط”. ورغم نزيفها الغزير، أخذت ديليشان هاتف والدها الخلوي وجرّت نفسها إلى الحدود السورية-التركية على بعد نحو 150 متراً من منزلها في القطاع الشمالي الشرقي من كوباني، وكان شيخ معها على الخط كما قال. وعلى بعد أمتار من الحدود صارت ديليشان أضعف من أن تواصل أو تتكلم، لكن أحد المارة من كوباني أخذ الهاتف ووجد شيخ على الخط وساعد الرجلان في تنبيه سلطات الحدود التركية لنقلها إلى داخل تركيا، كما قال شيخ.

قتل المدنيين أثناء فرارهم
قام المتشددون بملاحقة المدنيين أثناء فرارهم على الأقدام وفي السيارات، مطلقين النار عليهم من بنادق هجومية ومدافع رشاشة، بل وباستخدام القنابل اليدوية صاروخية الدفع (الآر بي جي) كما قال شهود لـ هيومن رايتس ووتش. وقال لزغين، 24 سنة، إنه كان وسط نحو 60 مدنياً ممن فروا إلى الشارع في نحو الساعة 5:15 صباحاً، حينما استيقظ على انفجار عنيف عند بوابة المرشد [مرشد بينار] قرب منزله في شمال شرق كوباني، الانفجار الذي علم لاحقاً أنه نجم عن سيارة مفخخة. وحينما أدرك أن مجموعة المسلحين المواجهين له ليسوا من وحدات حماية الشعب، حذر الحشود للهرب:

رفعت صوتي: “اهربوا أيها الناس! سيقتلوننا!” كان صديقي حمودي يجري خلفي، وكان عمره 13 عاماً. وكان يصرخ: “لقد أحرقوني!”. وحين نظرت خلفي إليه رأيت حفرة كبيرة في بطنه.

وعند وصول لزغين إلى الشارع المواجه لمنزله، وكان طوله 30 متراً، شاهد 9 جثث على الأرض. وقال: “كانت تتضمن ابن عمي، وزوج أختي، وجيراني”.

وأمام مسجد الحاج رشاد، المجاور لمنزل لزغين، قال إنه هو واثنين من أقاربه شاهدوا رجلاً ميتاً على الأرض ووجهه لأسفل، وتعرف في شخصه على أنه أرمني. وقال: “رفعناه من الطريق” ثم أشار إلى بقعة داكنة تغطي الفخذ اليمني لسرواله وقال: “هذه دماؤه”.

وتحدث لزغين مع هيومن رايتس ووتش بعد يومين من الهجوم، أمام مستشفى في شانلي أورفة حيث كانت شقيقته آية، 8 سنوات، تتلقى الرعاية المركزة جراء شظايا أصابت رأسها. وقال إن شقيقه جانغين، 14 سنة، أصيب في ساقه وكان يتعافى في مستشفى على بعد 60 كيلومتراً إلى الغرب، في سوروج.

احتجاز المدنيين
قام شهود ومنظمات حقوقية محلية بتزويدنا ببيانات تفصيلية عن احتجاز المعتدين لمدنيين في ما لا يقل عن 4 مباني في كوباني ومحيطها.

فوصف شاهدان احتجازهما بأيدي المتشددين المسلحين في منازل في مكتلة على الحافة الجنوبية الشرقية لكوباني، فيما كانت القوات الكردية تبدأ هجومها المضاد في 25 يونيو/حزيران. وقال رجل جريح، تحدث مع هيومن رايتس ووتش من على فراش مرضه بالمستشفى، إنه كان واحداً من 55 محتجزاً ـ ومعظمهم من السيدات ـ تم احتجازهم في منازل بمكتلة لمدة ساعتين حتى هاجمت القوات الكردية الحراس المتشددين المسلحين بالخارج، مما أوجد لهم فرصة للفرار.

وقالت سيدة أخرى من سكان كوباني، هي رحاب، 23 سنة، إن اثنين من المسلحين احتجزاها مع والدها وثلاثة من أبناء وبنات أشقائها، واثنين من أصدقائها، في منزل بمكتلة لمدة نحو نصف ساعة. وقد احتجزهم المسلحون بعد إطلاق النار على السيارة التي كانت تفر فيها مع أقاربها، وقتل زوجة شقيقها وصديقة للعائلة، وقتل شقيقها في سيارة منفصلة، بحسب أقوالها. وقالت رحاب إن أحد آسريها تدرع بالأقارب حينما أجبر المجموعة المدنية كلها على السير معه للعبور أمام مقاتل كردي إلى داخل منزل في مكتلة، كان أحد أمراء داعش قد تحصن فيه. وقالت إن المقاتل الكردي كان يصوب سلاحه إلى المجموعة.

وقالت رحاب: “كنا مجمدين من الرعب. لم نكن نعرف ماذا سيحدث. لقد توفي اثنان من أقاربنا، والطلقات في كل مكان، والذعر تمكن منا”. وقالت إن القوات الكردية أنقذت المحتجزين، مضيفة أنها تعتقد أن المقاتلين قتلوا آسريهم من داعش.

وقالت منظمة روج آفا لحقوق الإنسان إن المتشددين المسلحين احتجزوا 30-40 شخصاً داخل مبنى المدرسة السابقة قرب جبل مشته نور.

وقال ناشط متمركز في كوباني، هو ولات، لـ هيومن رايتس ووتش إن مقاتلي داعش احتجزوا 80 شخصاً، وبينهم عدة أطفال، في متجر بشارع إكسبريس في وسط المدينة. وقال إن أحد الرهائن أخبره بأن أفراد داعش قفزوا فوق سور منزله لأسره هو وزوجته وأطفالهما الأربعة، وأخذوهم إلى المركز، حيث كان ستة مسلحين يقومون بحراسة المجموعة. وقد فر 5 من المسلحين عندما بدأت الاشتباكات قرب الموقع، تاركين حارساً واحداً من داعش على الباب. وفر هذا بدوره لاحقاً بعد أن أوصد الرهائن الباب دونه. وقال الناشط إن بعض المحتجزين أخبروه بأن وحدات حماية الشعب قامت بتحرير المحتجزين بعد 12 ساعة.

وتحظر قوانين الحرب على الأطراف المتحاربة استخدام المدنيين لإكساب القوات أو المناطق العسكرية حصانة من الهجوم.

HRW