سورية: أرض الحروب المقدسة؟

يقال إن الإمبراطور هرقليوس (حكم بين ٦٠٨ و٦٤١) نظر إلى جهة سورية وهو يغادرها بعد هزائم البيزنطيين المتكررة على يد الفاتحين العرب المسلمين، وأطلق عبارة «وداعاً يا سورية الجميلة، وداعاً لا لقاء بعده». ومع أن هذه العبارة مختلقة لأسباب عقائدية على الغالب، من قبل المؤرخين المسلمين المبكرين، وعلى رغم أن هرقليوس، أو هرقل في المصادر العربية، لم يكن في سورية أصلاً خلال تلك الحروب، فإن الجملة ومدلولاتها بقيت تتردد في التاريخ العربي حتى اليوم كدلالة على اعتراف الإمبراطور البيزنطي بخسارته سورية التي ستصبح قلب الحضارة الإسلامية البازغة.

فهرقل كان ممثلاً للإمبراطورية المسيحية الشرقية، وهزيمة جيوشه كانت أكثر من هزيمة عسكرية. فالصراع كان صراعاً حضارياً، وهو لم يفقد معناه إلا بعد أن دخل الأتراك العثمانيون القسطنطينية عام ١٤٥٣ وقضوا نهائياً على الدولة البيزنطية، ونقلوا حدود الصراع إلى قلب أوروبا. ولكن بقي للطابع العقائدي الذي مثلته عبارة هرقل صدى في نقش العثمانيين لحديث نبوي ضعيف ولكنه غني بمدلولاته: «لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش» على مدخل كاتدرائية آيا صوفيا التي حولها محمد الفاتح إلى المسجد الجامع الجديد في العاصمة التي أصبح اسمها اسطنبول، والتي ما زال بعض غلاة الأرثوذكس اليونان والروس يصرون على تسميتها القسطنطينية حتى اليوم.

بين هذين التاريخين وقبلهما وبعدهما، سيرة طويلة من «الحروب المقدسة» على أرض سورية، حروب غيرت أحياناً مجرى التاريخ وإن كانت، في نهاية الأمر، حروباً مفجعة، دفعت سورية ذاتها أثماناً باهظة فيها. فالحرب الإسلامية – البيزنطية في القرن السابع جاءت في أعقاب الحرب البيزنطية – الفارسية في بدايات القرن السابع والتي احتل خلالها خسرو الثاني سورية وأخذ من القدس الصليب الأصلي إلى عاصمته قطيسفون، فأعلن هرقل الحرب المقدسة على الفرس وجمع الجيوش واستعاد الصليب وحمله بنفسه إلى القدس إيفاءً بنذره عام ٦٢٩، مباشرةً قبيل الفتح الإسلامي الذي انداح شمال جزيرة العرب خلال خلافة أبي بكر الصديق عام ٦٣٣-٦٣٤ ليأخذ سورية من البيزنطيين بعد سلسلة معارك. وفي هذه المعارك، وإن لم يستخدم الفاتحون العرب عبارة «مقدسة»، إلا أنهم كانوا قطعاً مدفوعين بعاطفة دينية جياشة وهدف واضح بنشر الدين الجديد.

ثم جاء الصليبيون في نهاية القرن الحادي عشر واحتلوا سواحل بلاد الشام. حملتهم جاءت بمباركة من البابا لاستعادة بيت المقدس. حروبهم التي استمرت قرنين كانت «حروباً مقدسة» بامتياز، استخدمت الكنيسة فيها شتى الوسائل لحض المؤمنين الأوروبيين على الهجرة إلى المشرق وقتال «الكفار» المسلمين. ولم تنتظم مقاومة المسلمين إلا مع الملك العادل نور الدين محمود ابن زنكي (١١١٨-١١٧٤)، الذي وحد البلاد واستعاد مفهوم الجهاد ورعى استخدام النوع الأدبي المعروف بالفضائل للتركيز على قدسية بلاد الشام عموماً في تجييش العواطف لفك أسر بيت المقدس. وقد تبعه الأيوبيون والمماليك الأول في ذلك، بحيث إن أمراءهم بمعظمهم دعموا ثقافة دينية تحض على الجهاد، وأبلوا بلاءً حسناً في الدفاع عن أرض الإسلام والحفاظ على كينونته ضد الصليبيين والمغول.

لكن الحملات الصليبية، التي انتهت فعلياً في القرن الرابع عشر، خلفت شروخاً عميقة في العلاقة بين الشرق المسلم والغرب المسيحي ما زالت تغذي مشاعر عدائية ذات أبعاد مذهبية حتى اليوم. بل إن الاستعمار الأوروبي في القرن العشرين، الذي جاء بآلة الحداثة الضخمة، أفصح عن رواسب صليبية واضحة عندما نظّم الجنرال البريطاني اللنبي دخول جيشه إلى القدس غداة هزيمته للعثمانيين عام ١٩١٨ على منوال الدخول الصليبي عام ١٠٩٩، أو عندما ذهب الجنرال غورو عقب دخوله دمشق عام ١٩٢٠ إلى قبر صلاح الدين الأيوبي وخاطبه: «ها قد عدنا يا صلاح الدين».

القدسية أيضاً كانت شعاراً رفعه الصهيونيون في القرن العشرين في سعيهم لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. استعادوا تاريخاً باد منذ أكثر من ألفي عام، ولفقوا الكثير منه لدعم ادعائهم بقدسية علاقة اليهود بيهوه الذي منحهم فلسطين إلى الأبد وفق نصوص التوراة. وصدقهم العالم المسيحي الغربي المؤمن بالتوراة كنص مقدس والمسكون بهاجس الندم على محرقة الحرب العالمية الثانية. ومع أن العرب والفلسطينيين لم يستخدموا الدين ابتداءً في مقاومتهم لاغتصاب الأرض والوطن، كما يمكن أن نلاحظ من تطور منظمة التحرير الفلسطينية حتى الحرب الأهلية اللبنانية، إلا أنهم عادوا إلى ذلك وباضطراد تحت ضغط تعنت إسرائيل السياسي وتشددها الديني من جهة، وصعود مد الإسلام السياسي في نهاية القرن العشرين من جهة أخرى.

اليوم أصبحت «القدسية» شعاراً يرفعه جهاراً أو يستخدمه ستاراً كل طائفي حربجي في سورية الممزقة بالحروب العبثية. نظام الحكم القمعي الذي تسربل بالعلمانية خلال فترة المد القومي، انكفأ على مذهبية بغيضة تدعي الدفاع عن مزارات مقدسة في حربه ضد جزء كبير من شعبه. ومقاتلوه الإسلاميون وداعموهم الاقليميون والدوليون يستخدمون المفاهيم نفسها، بل يؤلفون عليها خطابات إقصائية متزمتة لا تقتصر في إجرامها على من تناصبهم العداء فقط بل تصيب كل أبناء الوطن، خصوصاً أولئك الذين تدعي التكلم باسمهم.

ثم يأتينا الرئيس فلاديمير بوتين بـ «حرب مقدسة» عاتية وبطاشة بمباركة الكنيسة الروسية الأرثوذكسية تصب في خانتين معاً: خانة ذكرى الصراع بين روسيا القيصرية وجيرانها المسلمين في وسط آسيا وفي الدولة العثمانية، والذي لم تمحه على ما يبدو سبعون سنة من الشيوعية، وخانة التماهي مع الجو العام في المنطقة التي تريد روسيا أن تستعيد فيها بعضاً من نفوذ فقدته عندما عادت إلى قوميتها وشوفينيتها إثر انهيار الاتحاد السوفياتي.

لكنّ الحرب والقدسية مفهومان متعارضان مهما ادعى المدعون، وإضفاء القدسية على أية حرب ما هو في نهاية الأمر سوى أداة تضليل ودعاية تخفي وراءها دائماً مآرب أخرى. فإذا كان قدر بلادنا أن تكون مسرحاً لصراعات مريرة ودموية خلال تاريخها الطويل، فلنرفع عنها صفة القدسية والتمسح بالدين والانتخاب الإلهي والانتساب للفئة الناجية والصراع العقائدي المتطاول بين الديانات التوحيدية، ولنصفها بما هي عليه من القذارة والوحشية والتدمير والمنفعية الباردة أو العبثية المدمرة والإهدار لإنسانية ضحاياها وجلاديها في الآن نفسه.

 

* كاتب سوري وأستاذ الآغا خان للعمارة الإسلامية، معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا .M.I.T

ناصر الرباط

الحياة