سورية الثورة لن تكون مصيدة لتحالف الاستبداديين واعدائهم

1370414726_2

اضطرابات الساحات العربية والمشرقية منها خصوصا، قد تدفع ببعض أنظمتها الحاكمة، المتهيبة من حتميات المصير إلى تشكيلات التجمعات الرسمية والشعبية معا كجبهات متساندة ضد الاخطار المتصورة.
اول هذه التشكيلات ما نسمعه عن مبادرة لتنظيم الاستبداد بين القائمين من دول واتباع شعبيين في احلاف عسكرية سياسية معا؛ قد تغطي فراغا أيديولوجيا مخيما على المنطقة. هذا الفراغ موجود حقاً ومتفاقم في مظاهره اليومية السلبية منها تحدياً، لكن هل هو الاستبداد عينه، المأزوم والموشك على الهزيمة المطلقة، هو عينه الذي عليه أن يشكو من الفراغ الايديولوجي، وان يسعى بالتالي الى اعادة تنظيم قواه، أو ما تبقى منها، واشادة جبهة تلك المقاومة المنسية ضد أعداء العرب التقليديين من استعمار وصهيونية عالمية ورجعية اقليمية ومحلية.
على الأرض يستمر حلفٌ قائم ومتكون عملياً؛ حتى بات له شبه تاريخ معاصر يغطي سنوات عديدة. انه حلف النظام السوري الأسدي مع المؤسسة الدينية الحاكمة لإيران، وقد تبعهما آلياً حزب الله اللبناني، والعراق المحكوم بجناح المالكي المتزعم للنفوذ الايراني في كيان دولته ومجتمعه معا. هذا الحلف الذي يكاد يغطي مشرق العرب ممتدا الى ما وراء حدوده الآسيوية نحو بلاد فارس التاريخية، لا يقدم نفسه حتى الآن كهيئة رسمية متمتعة بكيان تنظيمي، وان كان يمارس نشاطا فعالا كأمر واقع. بل يمكن القول ان الحلف لم يكن له وجود لولا ان انطلاقته الحاسمة تشكلت عمليا في التقاء أطرافه كقوى قتالية في جبهة واحدة مدافعة عن النظام السوري.
انه حلف حربي يدعي انه يعيد تأسيس المقاومة ضد الامبريالية. لكنه في واقع الحال يشهر حربا ضروسا على شعب الثورة في الشام. والحلف هذا غير مكتف بقواه الاقليمية، فان له قنوات التعاون الجدية مع كل من روسيا والصين.
وتتصدر دولة الرئيس الروسي بوتين جبهة الحماية الدبلوماسية في الاروقة الدولية لما تبقى من معالم المشروعية الدولية لنظام دمشق المترنح. هذا غير التغذية الروسية المستديمة بأطنان السلاح المتميز بفوارقه التدميرية الفائقة.
كان يمكن لهذا الحلف ان يدعي انه الحامل على اكتافه لاعباء ما كان يدعى محور الممانعة والمقاومة، وكان يمكن للرأي العام الوطني في المنطقة التعامل مع رموز هذا المحور ويراقب مسالكه السياسية، بما يشبه موقف التقبل النسبي والاجمالي لتصرفات رموزه ازاء قضايا الساحة. لكن اهم ما يقلق هذا الحس الوطني العام هو السؤال المصيري الكبير الذي طرحه أحد نشطاء الزعامات السياسية في لبنان، وذلك عشية انتصار المقاومة الجنوبية على عدوان إسرائيل تموز 2006، وجاء نص التساؤل على الشكل الآتي: كيف سيكون استثمار هذا النصر؟ بالطبع لم يكن التساؤل يخص المقاومة وشعبها فحسب، بل قد يذهب المخيال العربي العام، الفرح بالانجاز العسكري الفريد في تاريخ الحروب العربية الاسرائيلية، الى حد التصور بامكان ان يتحقق الاختلاف المنشود في مستقبل الصراع مع الصهيونية انطلاقا من حدث ذلك النصر الفريد.
لكن الآتي بعد الحدث العظيم لم يكن تكريسا لعصر المقاومة المنظمة والمتجددة شموليا. لم يعش عرب المقاومة عهدا مختلفا حقا عما الفوه ما قبل النصر التموزي، عدا انفصامُ مريع بين ما ترفعه صحف تلك الانظمة العربية من شعارات المقاومة وبين واقعه السياسي والاجتماعي اليومي.
نعم فلقد وضع النصر التموزي قيد الاستثمار لكنه هو الاستثمار الأسوأ الذي فسرته الأنظمة كما لو كان كسبا سياسيا يصب فقط في صالح أصحابه الحاكمين أو القياديين. بلغ هذا الاستثمار اوج الخرافة عندما تم تعقيمه عن اي منتوج تغييري في صيغة الحكم والعلاقة مع الغالبية المجتميعة، بل تحول النصر المقاوم الى مجرد بضاعة اعلام فوقي يجري توظيفه كتغطية وطنية أو قومية، أو اسلاموية لمركب الاستبداد/الفساد إياه عينه الذي وقعت تحت نيره خاصة دولة المقاومة الأولى التي هي سورية.
كانت انتفاضة فتيان درعا وما تبعها مباشرة عند قيام معظم أرياف الشام ومدنها الطرفية، كانت طلائع تلك الثورة الشبابية البريئة مشغولة بابتداع ثورة شعبية سلمية محددة الهدف بابتعاث ذاكرة العلاقة القمعية المنسية القائمة بين النظام وشعبه، وكانت المطالبة بالاصلاح الجذري على أساس استعادة أولوية الهم الوجودي ما قبل السياسي لمبدأ الحق الفردي والجماعي بالحرية.
كل المؤونة الفكرية لانطلاقة الثورة الشابية في أشهرها الأولى تركزت حول دافعين هما أقرب الى الانفعال العاطفي منه الى اية عقائد تنظيرية جاهزة أو متداولة في الفضاء المجتمعي العمومي؛ هما رفض الظلم ومعه رفض الخوف. ولم يكن الانفعال الأول رفض الظلم لينتج، ليكسر شيئا من جمود الواقع الجماهيري وصمته المحزون؛ لو لم يصاحبه تمزيق كابوس الخوف المسيطر على النفوس، منذ ان جعلها ارهاب الدولة المنظم مسلوبة الارادة، طائعة مطواعة لجلاديها الحاكمين. انه كابوس الخوف المزمن الذي كادت تتوارث تقاليده البائسة ثلاثة أجيال متتابعة من الجدود الى الآباء وصولا الى الاحفاد الراهنين، هؤلاء الذين استيقظوا فجأة على فداحة كمية الظلم الهائلة المتراكمة في النفوس، الى درجة أن أصبح هذا الخوف طاغوتا مستبدا بضحاياه بما هو أشد من استبداد الظالمين الكبار أنفسهم.
من هنا جاءت لحظة المفاجأة الكبرى باندلاع الثورة، بتحطيمها لسدود طاغوت الرعب واحدا تلو الآخر، خلال أقل من بضعة أيام اشتعلت أرياف سورية كلها من أقصاها الى أقصاها. تحولت ثورة/ نزوة فتيان في قرية الى مشروع الثورة الجماهيرية الكبرى والأولى في نوعها في نهضة بلاد الشام، ليس في تكويناتها الشعبية المتعددة، ولا في أهوال القمع والفظاعة التي تعرضت لها، لكن فرادتها انها أعادت وضع ثقافة النهضة العربية بكل مكوناتها المعرفية والتاريخية، وضعتها تحت طائلة رهان واحد هو أن مستقبل المشرق لن يكون هو عينه ما بعد ثورة الحرية في الشام كما كان قبلها. فقد شغل العالم السياسي عربيا ودوليا بأحداث هذه الثورة كما لم ينشغل بواقعة شعبية أخرى مماثلة لها. كأنها أطلقت نفيرا عاما موجها نحو أعتى أنظمة الاستبداد السياسي والبنيوي والعقائدي كيما تأخذ حذرها من انتشار وباء الحرية، بافتتاح رؤوس جسور أو جبهات تتسابق و تتنافس فيما بينها على من يمتلك الادوات الحاسمة سواء في التغلغل ما بين صفوفها أو اللعب ما وراء خطوطها، او بالتمكن المباشر من بعض قواها. وأخيرا وليس آخرا يقفز أرباب الصنف الاخير من مستبدي العصر الايديولوجي وبقاياه، الى مقدمة الشوط المصيري في مقاتلة/مكافحة الثورة جهارا وعلنا. مثلما لم يجد نظام الاستبداد المركزي في دمشق من سبيل للتعامل مع الثورة سوى في زج جيوشه العقائدية من عسكريين وأمنيين ومرتزقة من كل فصائل الشرور وحتى الجرائم المبتذلة، كذلك فإن الاستبداديين الخارجيين لا يتورعون عن ضخ جيوش لهم مكشوفة أو مستورة تحت عناوين جهادية او ما يشبهها.
اما الغرب فكان له ان يضحك في سره بل في علنه، سعيدا بما انتهى اليه دهاؤه الدبلوماسي او بالاحرى نفاقه اللااخلاقي. لم يسمح أركان الغرب للنظام الاسدي ان يبلغ حالة الضربة القاضية سواء كان الامر بيده أو كان بيد أعدائه ضد دولته. أسقطوا الفريقين المتقاتلين معا في طاحونة قتال عبثي لا نهاية له، وفي الوقت عينه جعلوا من ساحات سورية مجموعة مصائد جاذبة لكتائب الجهاديين وشراذمهم، يتقاطرون على البلد الجريح من شتى أنحاء العالم. ولم يسمحوا فقط لحزب الله، ومن قبله للحرس الثوري الايراني بمشاركة نظام دمشق في كل شيء بالمال والسلاح والخبرات وأخيرا بجيوش حقيقية لهؤلاء. لم يفعل الغرب (أمريكا وأوروبا) كل هذا دعما لبقاء النظام وقد أوشك على التهاوي أيام حصار دمشق الأخير، بل كان له هدفه الأعظم من كل هذا، وما ينسجم جوهريا مع استراتيجية محاربة الارهاب الاسلاموي، فالغرب يتأمل بانفلات أفظع أشكال التقاتل والتفاني المتبادل بين قبائل هؤلاء الملتحين تحت شعارات مزايداتهم اللفظوية على بعضهم.
الثورة السورية وحدها قادرة على مكافحة (المؤامرة) الاخطر على ذاتها وعلى بلدها. فان هدف تدمير سورية وحضارتها، يقوم عليه كل يوم ألف دليل وبرهان واقعي مجسم. لكن الامر الافظع هو في التصميم على تدمير المجتمع السوري نفسه، في تبديد تكويناته البشرية ومؤسساته المدنية وسط خرائب حروب المصيدة الكبرى المعقودة لشراذم الاستبداديين الشعبويين من جهة، وجيوش الاستبداديين الكبار وحلفهم النظامي والدولاني من جهة أخرى. فهو المسؤول الحقيقي عن قلب واحد من أروع مواسم الربيع العربي الى واحد من أظلم عصرٍ قروسطي بائد.

القدس