سورية: معاناة أكراد مكتومي القيد

“لم يعد لدينا أي حقوق يتمتع بها أي مواطن في العالم”، جملة يقولها سعد الدين محمد لـ”العربي الجديد”، وتعكس معاناة يعيشها أكثر من 20.000 من مكتومي القيد الأكراد في محافظة الحسكة السورية.
منذ أكثر من 60 عاماً، جرّدت الحكومة السورية، إثر إحصاء استثنائي أجرته للسكان، أكثر من 500 ألف شخص كردي من جنسيتهم. ومنذ ذلك التاريخ، عانت هذه الفئة التي بات يطلق عليها “مكتومي القيد” من تمييز من السلطة، حتى في أبسط الحقوق، مثل استصدار بطاقة شخصية والحصول على تعليم في المدارس والجٍامعات الرسمية.
وحتى عام 2011، كان ما زال أكثر من 171.300 فرد محرومين من الجنسية السورية، وفق تقرير أصدرته منظمة حقوقية محلية.

تقول أم محمد المقيمة في الحسكة، وتبلغ الـ65 من العمر، لـ”العربي الجديد”: “رغم أن والدي كان يملك الجنسية السورية وخدم في الجيش، جرى تجريده من الجنسية إثر إحصاء عام 1962. ومنذ ذلك الوقت نتوارث عواقب سحب الجنسية، فأبنائي كبروا وأصبح لديهم أولاد لا يمكن تسجيلهم مثل بقية الناس، كما لا نستطيع تسجيل بيوتنا، وامتلاك سندات ملكية، أو حتى اقتناء سيارات. وفي مسألة الزواج يصعب إيجاد من يقبل الزواج من أبنائنا ذكوراً وإناثاً”.
تضيف: “عشنا حياة مريرة، وفقد أولادنا الحق في التعليم أو امتلاك متاجر أو مصانع، وحرموا من الحصول على جواز سفر، ربما لمحاولة مغادرة سورية للعمل أو الهجرة لمحاولة الحصول على حياة كريمة”.
ومنذ عام 2012، أي بعد عام من اندلاع الثورة السورية، سيطرت وحدات حماية الشعب الكردية، الجناح المسلح لحزب الاتحاد الديمقراطي، على المناطق ذات الغالبية الكردية شمال شرقي سورية، وأسست لاحقاً “الإدارة الذاتية” التي تدير هذه المناطق حالياً، لكنها تمارس بدورها تمييزاً في حق فئة مكتومي القيد.
وتعلّق أم محمد، بالقول إنه “لا حلول حتى الآن من الإدارة الذاتية لتسوية أوضاع مكتومي القيد، فهي تعتمد في توثيق البيانات على الأوراق التي يصدرها النظام السوري”.
ويقول سعد الذي يقيم في مناطق “الإدارة الذاتية”: “قدمت منذ أشهر طلباً للحصول على بطاقات لتقديمات المازوت والغاز، لكنه رفض بسبب عدم امتلاكي هوية شخصية، ما يعني أنني ما زلت بين الأشخاص المغضوب عليهم، علماً أنه يوجد عشرات من الحالات المماثلة”.

وتشرح المحامية منتهى العبد العاملة التي تقيم في الحسكة، لـ “العربي الجديد”، أن “مكتوم القيد يملك فقط شهادة تعريف تتضمن صورة شخصية، ويمنحها له مختار محل إقامته، وهو غير مسجّل في قيد دائرة النفوس والأحوال المدنية”.
تتابع: “بعد صدور المرسوم الخاص بمنح الجنسية، كان يجب أن يقدم مكتومو القيد شهادة تعريفهم مع محاضر صادرة عن الشرطة إلى دوائر النفوس كي يجري تقييدهم في سجلات الأجانب تمهيداً لتجنيسهم باعتبارهم مقيدين مسبقاً في دوائر النفوس”.
وتذكر أيضاً أن “مكتوم القيد يحرم من حق التملك الذي يؤول إليه عبر الإرث أو المنح أو تدابير أخرى، لأن معاملات حصر الإرث وانتقال الملكية تعتمد في الأساس على سجلات الأحوال المدنية، وبالتالي لن يظهر اسم مكتوم القيد غير المسجل في قيود المعاملات، ما يحرمه في شكل طبيعي من حق الحصول على الملكية”.
ويخبر نشطاء “العربي الجديد” أن “أولاد مكتوم القيد، لا يستطيعون دخول المدارس والسفر وإكمال تعليمهم، أو تسجيل أطفالهم وزوجاتهم بطريقة شرعية ورسمية”.
ويورد تقرير أصدرته منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” أنه “منذ عام 1962 وحتى مطلع العام 2011 بلغ عدد أجانب الحسكة من أصحاب البطاقات الحمراء، والمسجلين ضمن قيود المديرية 346.242. ومع نهاية مايو/ أيار 2018، بلغ عدد الحاصلين على الجنسية السورية من نفس الفئة 326.489، فيما ما زال 19.753 فرداً من أجانب الحسكة غير حاصلين على الجنسية السورية”.
ويقول أحد معدي تقرير المنظمة لـ”العربي الجديد”: “نفى مصدر في الحكومة معرفة عدد فئة مكتومي القيد، وقد اعتمدت المديرية في الحسكة على سجلات المخاتير خلال العقود السابقة، والذين كانوا يمنحون وثائق لفئة مكتومي القيد مثل شهادة التعريف. وحتى عام 2011 تجاوز عدد فئة مكتومي القيد 171.300 فرد حصل حوالي 50.400 فرد منهم على الجنسية السورية، بعد تصحيح وضعهم القانوني، ونقله من فئة المكتومين إلى فئة الأجانب، ومنها إلى فئة المواطنين”.
يضيف: “لم يصحح الوضع القانوني لحوالي 41000 بسبب مشاكل واجهتها المديرية خلال إدخال ملفاتهم إلى قيود فئة أجانب الحسكة. ولم يأتِ حتى الآن حوالى 5000 شخص إلى دوائر النفوس لتصحيح وضعهم القانوني”.

وكان النظام السوري نفذ الإحصاء الاستثنائي عام 1962، والذي سحب بموجبه الجنسية من عشرات الآلاف من المواطنين الأكراد، ما حرمهم من حقوقهم وواجباتهم المدنية والعسكرية والسياسية والاجتماعية، فضلاً عن تلك الاقتصادية.
وبعد اندلاع الثورة السورية، أصدر النظام المرسوم رقم 49 لعام 2011 الذي منح الجنسية إلى الأجانب الذين يملكون إخراج قيد (بطاقة حمراء)، في محاولة لاستقطاب الأكراد السوريين إلى جانبه، وهو ما لم يحصل.

المصدر: العربي الجديد

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.