سورية نحو واقع تقسيمي إلى خمس مناطق

فيما يشبه وضع ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ووضع الأراضي الفلسطينية خارج الخط الأخضر بعد عام 1967، تتجه سورية إلى عملية تقسيم إداري واقعي بين مجموعة من الدول والقوى، بحيث يدير كل طرف الإقليم الذي يملك فيه نقاط قوة تساعده على تحقيق قدر من النجاح، عبر عملية الضبط والإدارة ويحقق له مصالحه الأمنية والإستراتيجية.

صورة المشهد تتضح رويداً رويداً من خلال الإجراءات العملانية التي تتخذها بعض القوى إضافة الى الكثير من الأفعال المتناسقة على مساحة الإقليم المستهدف، والتي بنتيجتها صارت سورية عبارة عن تشكّل فيديرالي إسمي في ظل سلطة منهارة، أما على أرض الواقع فهناك قوى خارجية تدير الأمور مباشرة أو تعد العدّة لهذه الأدارة، وتبعاً لذلك يتضح أن سورية مقسمة إلى خمسة أقاليم، تتولى كل قوة إدارة إقليم معين، وإن لم يكن ثمة اتفاق حالي على هذا التقسيم لكنه سيفرض نفسه كأمر واقع وستجد الأطراف نفسها منخرطة فيه وفي مرحلة مقبلة قد يتحول إلى خيار واقعي ونهائي.

ترجّح التطورات الأخيرة في سورية احتمال حصول هذا التطور في مرحلة قريبة، ولعلّ ما يرفع منسوب احتمال حصوله أنّ إمكانية التوصل إلى حل سياسي شامل في هذه المرحلة أمر بعيد المنال وإمكانية التوافق على صيغة معينة لمحاربة التطرف والتخلص من نظام الأسد أمر مستبعد أيضاً، في ظل انفجار غير مسبوق لمفرزات الأزمة على صعيد اللاجئين وتهديد الاستقرار والأمن العالميين، وبالتالي فإن هذا المناخ يساهم في تشجيع الأطراف على الذهاب إلى تحقيق مصالحها المباشرة على الأرض السورية عبر تقاسم أقاليمها وفق الخريطة التالية:

المنطقة الأولى: اللاذقية طرطوس حماة وحمص، هذه المنطقة تضم المكونات العلوية والمسيحية والإسماعيلية، ستكون تحت إدارة وإشراف روسيا مباشرة، لأنها باتت تشكل التجمع الأكبر للأقليات في سورية، ولأن التواجد الروسي تقليدي فيها من خلال ميناء طرطوس، وقد بدأت روسيا بالفعل تجهيز البنية التحتية فيها من أجل إقامة طويلة، وتشكل بيئة هذه المنطقة حاضناً للوجود الروسي لأنه يحميها من القوى الإسلامية السنيّة التي باتت على حدودها ولأنها تنسجم مع نمط الحياة الروسي أكثر من انسجامها مع الوجود الإيراني الشيعي المتديّن الذي بات يهدد هويتها، كما انها تندمج بالمشروع الإستراتيجي الروسي الذي يريد احتكار الشواطئ السوريّة والإشراف على إنتاج الغاز الذي تتولاه الشركات الروسية في البحر المتوسط في قبرص ولبنان وإسرائيل.

المنطقة الثانية: دمشق وريفها والقلمون حتى القصير، تحت ادارة إيرانية، حيث عملت ايران على خلخلة الوجود السنّي في هذه المنطقة وإضعاف فعاليته العسكرية وتشير الأعمال التي يقوم بها «حزب الله» والميليشيات الإيرانية الى أنها أفعال أبعد من خدمة نظام الأسد وحسب بل من أجل خلق واقع نهائي على شكل كيان وبخاصة أنه يلتصق بالوجود الشيعي شرقي لبنان، وسيزداد نفوذ إيران في هذه المنطقة بعد أن تشعر بفقدانها منطقة الساحل لمصلحة روسيا حيث سيصبح معبرها الوحيد إلى لبنان وجسرها الذي يربط مشروعها الإستراتيجي مع العراق من الشرق عبر الحفاظ على طريق بغداد – دمشق حتى معبر التنف وغرباً مع السلسلة الشرقية لجبال لبنان ومعبر المصنع.

المنطقة الثالثة: حلب وريفها وإدلب وأجزاء من أرياف حماة وحمص الشرقية، حيث سنّة الوسط والشمال الأقرب إلى نمط التدّين التركي ومن السهل دمجها في النشاط الاقتصادي لتركيا وقد بدأت التعامل بالفعل بالعملة التركية، وشكّلت تركيا في هذه المنطقة بنية عسكرية تابعة لها وتشكل الفناء الخلفي للأمن التركي، ولا تخفي أنقرة رغبتها في وضعها تحت ادارتها لإبعاد أخطار الفوضى السورية عن حدودها.

المنطقة الرابعة: درعا وأريافها تحت إدارة أردنية وخليجية، وفي هذه المنطقة ترتبط غالبية الفصائل المقاتلة بعلاقات جيدة مع الأردن ودول الخليج ما يسهل كثيراً إدارتها والتحكم بها، كما أن العشائر الموجودة في هذه المنطقة لها امتدادات في الفضاء الأردني الخليجي وأمر إدارتها سيكون بفعل الواقع وذلك لمنع تشكل تيّارات متطرفة فيها ولمواجهة التمدد الإيراني من دمشق ورغبة في تحرير دمشق نفسها من الاحتلال الإيراني في مرحلة لاحقة.

المنطقة الخامسة: السويداء وأجزاء من القنيطرة تحت إدارة إسرائيلية بذريعة حماية الدروز وإبعاد خطر المجموعات الأصولية، وقد كشفت حادثة محاولة احتلال الفصائل المعارضة في درعا مطار الثعلة عن وجود تيار إسرائيلي قوي داخل مؤسسات الجيش والأمن الإسرائيلية لديه ميول في دعم إقليم درزي منفصل كمنطقة عازلة ويدعم هذا الخيار دروز إسرائيل الذين لهم علاقات نافذة في المؤسسات المذكورة.

ليس من الصعب أن تجد الأطراف جميعاً المبررات الكافية للقيام بهذه الإجراءات، بل إن جميعها ستقدم على هذا الأمر بذريعة حماية السكان الذين يقعون تحت إدارتها، وحتى حماية وحدة سورية ومستقبلها، وسيحصل ذلك في ظل بيئة دولية صارت تطلب الخلاص من الأزمة السورية وترحّب بكل من يتقدم باقتراح لإراحتها منها، غير أن ظهور هذه الخريطة مرتبط بدرجة كبيرة بالإعلان عن تشكّل أول منطقة والمتوقع أنها ستكون في الساحل وتحت الإدارة الروسية في وقت قريب

 

غازي دحمان

المصدر : الحياة.