سوري أحد أقدم معتقلي العالم يموت وحيداً بلا قبر في باريس

صُدِمَ سوريون كُثر بخبر وفاة المعتقل السياسي هيثم نعال، الذي بقي معتقلاً لأكثر من 27 عاماً، لكن الصدمة الأكبر أنه متوفى منذ شهور، وقبل ثلاثة أيام أذيعَ خبر وفاته.
في التفاصيل التي حصل عليها موقع الرأي، حول وفاة السيد النعال، منذ وصوله إلى باريس للعلاج، قبل انطلاق الثورة السورية بسنوات قليلة، عاش وحيداً داخل شقة صغيرة ضمن ما يُعرف في فرنسا بالسكن الاجتماعي. انقطعت أخباره منذ فترة طويلة، عن القلة التي تعرفه. تم اكتشاف خبر الوفاة، بعد أكثر من ثلاثة أشهر، خلال زيارة قام بها رفيق اعتقال سنواته الطويلة الأستاذ عماد شيحة، الذي بدوره تفاجأ بعدم وجود صديقه، في شقته الصغيرة التي لا يغادرها. عندها سأل السيد شيحة حارس البناء الذي يُفترض به أن يملك أخباراً عامة عن أحوال الساكنين، فأخبره الحارس بأنّ من يسأل عنه توفي في شقته. فقد اكتشف الساكنون وفاته بعد انتشار رائحة للجثة، وتقتضي القوانين في فرنسا، في حال عدم وجود عائلة أو أصدقاء للمتوفى؛ تقوم البلدية بدفن الجثة في “قبر جماعي”.ولد السياسي هيثم نعال عام 1951 في مدينة حلب. نشط في صفوف ما كان يعرف حينها باسم “المنظمة الشيوعية العربية”، التي فككتها أجهزة مخابرات حافظ الأسد في عام 1975بعد اعتقال خمسة عشر عضواً من أعضاء المنظمة، بتهمة “تنفيذ هجمات ضد المصالح الأمريكية”، حكمت إحدى محاكم النظام الاستثنائية “محكمة أمن الدولة العليا” سيئة الصيت؛ على خمسة من المتهمين بعقوبة الإعدام وهم أربعة فلسطينيين: علي الغضبان، محمد خير نايف، علي الحوراني، محمد وليد عدوان، وسوري واحد هو محمد غياث الدين شيحة، كما حكَمتْ على خمسة عشر آخرين بأحكام متفاوتة وصل بعضها إلى المؤبد. وفي فترات لاحقة أُطلِقَ سراح العديد منهم على دفعات، وبقي في الاعتقال كلٌ من؛ هيثم النعال، فارس مراد، عماد شيحة. رأس النظام بشار الأسد، الذي “ورِث” هؤلاء المعتقلين رفقة آخرين، ضمن تركة الحكم التي ورثها عن أبيه. أُطلق سراح هيثم النعال في 9 أيلول 2002 بموجب “عفو خاص” نتيجة تدهور وضعه الصحي، كما درجت العادة، أن يطلق سراح المعتقلين الذي يفتك بهم المرض ليموتوا خارج السجن.

أمضى هيثم نعال 27 عاماً في السجن، هي المدة ذاتها التي قضاها المناضل الشهير نيلسون مانديلا في سجون نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. نُقِلَ خلالها النعال في سنوات اعتقاله الطويلة في أقبية معتقلات نظام الأسدَين، إلى سجن تدمر العسكري وسجن عدرا وأخيراً إلى معتقل صيدنايا العسكري.
تكمن المفارقة بين الحالتين في أنّ نيلسون مانديلا ونتيجة نضاله المديد وقيادته الحركة الوطنية ضد نظام الفصل العنصري في بلاده، أصبح بعدها رئيساً لها بين عامي 1994-1999، كما نال قبلها بعام جائزة نوبل للسلام، وفي وقت آخر ميدالية الرئاسة الأمريكية للحرية، بينما المعتقل بالمدة ذاتها ضد نظام وحشي غير مسبوق، فتكَ به المرض كثيراً، وحُرِم من أن تكون له عائلة أو يمتلك بيتاً. وعلى الرغم من ذلك شارك في نشاطات الثورة السورية في منفاه خلال السنوات الأولى، ليتوفى بعدها وحيداً، دون أن يشارك سوريون في جنازة إحدى قصص السوريين الرهيبة. دُفِنَ دون شاهدة قبر تُعرِّف به، بل في حفرة جماعية، دفن في حفر غيرها سوريون كثر بعد قتلهم بوحشية بأدوات نظام الإبادة، لنجد أنّ حظ المعتقل السياسي هيثم نعال كبيراً؛ إذ دفن بطريقة محترمة.

 

أحمد شعبان

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد