سياسيون وحقوقيون للمرصد السوري: ملف المعتقلين في سجون النظام المجرم أولوية حتمية.. ومصيرهم يتحمله الجميع

لا يخفى على المتابع للشأن السوري أن عشرات الآلاف يقبعون في سجون النظام، بين معتقل ومخطوف ومختف قسريا، وسط اهتمام شريحة واسعة من المجتمع السوري، خاصة أن ظروفهم الإنسانية في غاية الخطورة، بعد تسريب ألاف الصور تظهر حجم التعذيب الذي تعرض له البعض.

ومن جانب آخر لا توجد مؤشرات قريبة لإمكانية التوصلّ إلى حل منصف للمعتقلين، وسط غياب أي حلّ للأزمة السورية، برغم كل المطالبات الدولية وسعي بعض المنظمات الحقوقية إلى إطلاق سراحهم.

ولطالما طالب المرصد السوري لحقوق الإنسان المجتمعَ الدولي بالضغط على جميع القوى المسيطرة على الأراضي السورية بالإفراج عن عشرات الآلاف المعتقلين لدى النظام السوري والآلاف في سجون المجموعات “الجهادية” والفصائل الموالية لأنقرة وقوات سوريا الديمقراطية، لا سيما في ظل المخاوف المتصاعدة على حياة المعتقلين من بطش السجانين، بالإضافة إلى انتشار فيروس كورونا.

ويرى الحقوقي السوري عيسى إبراهيم في تصريح للمرصد السوري لحقوق الإنسان، أن قضية المعتقلين لدى “النظام” لم يتم التعاطي مع ملفاتها من قبل المؤسسات المعارضة بفعالية، لعدة عوامل منها عدم تجاوب النظام مع أي مبادرة بهذا الإتجاه واستعماله المعتقلين كورقة سياسية، وكذلك عدم جدية المؤسسات الدولية بالمساعدة في هذا الملف الإنساني، مضيفا أنه” لا توجد معلومات موثقة حول أوضاعهم وهل جميعهم على قيد الحياة مثلا.. وبطبيعة الحال بخروجهم من الاعتقال لن يكونوا راضين عن مآلات الأمور ولا عن كيفية إدارة الملف السياسي العام من قبل “المؤسسات المعارضة” وسيكونون بزعمي معارضة لهذه المؤسسات بسبب دوافع اعتقالهم التي تختلف عما أصبحت عليه هذه المؤسسات من تناقض مع القيم والشعارات الأولى للانتفاضة الشعبية، إضافة إلى مشكلة موضوعية متعلقة بتدمير أغلب، إن لم يكن كل المنازل العائدة لهؤلاء المعتقلين أو ذويهم .. فأين سيتم إيوائهم في حال خروجهم ؟”

وأوضح إبراهيم، أنه “بالجهة المقابلة نحن أمام تنظيمات عسكرية تحولت مع الوقت إلى تنظيمات متطرفة تُمارس أعمالا إرهابية داخل سورية واعتقال مدنيين والتنكيل بهم بل قتلهم وتتبع أجهزة مخابرات وتقوم بعمليات مرتزقة خارج الحدود لمصلحة أردوغان الذي أصبح يتاجر بمظلومية السوريين ومعاناتهم لمصلحة توجهه السياسي.. وبين الجهتين وداخل كل منطقة تابعة لأحد الطرفين هناك حالة فلتان يتم من خلالها خطف واعتقال وطلب فدية مالية من قبل أشخاص وعصابات ليست بالضرورة مرتبطة بأحد الطرفين “.

وتابع يقول: “إذن نحن أمام كارثة بهذا الملف وبكل جوانبه سواء بجانب معتقلي “النظام” أو معتقلي الفصائل المتطرفة، أو في حالة الفلتان، وحلها ليس أمراً سهلاً ولا بد من تصور تفصيلي حول هذا الملف من ضمن ملف الحل السياسي العام، فذهاب الأسد شرط لبدء الحل ولكنه ليس كل الحل، بل هو مبتدأ على درب طويل للتعافي المجتمعي والسياسي وبملفات كثيرة أحدها ملف مصير المختطفين والمعتقلين”.

من جانبه ذكّر الأمين العام لحزب اليسار الديمقراطي السوري، عبد الله حاج محمد، في حديث مع المرصد السوري، بأن أغلب المعتقلين المدنيين والسياسيين في سجون النظام خرجوا للمطالبة بالحرية وحقّهم في العيش الكريم، مشيرا إلى أن الإحصائيات والتسريبات أكدت تعرّضهم لأسوأ معاملة عرفتها السجون، واصفا الوضع بالمأساة.

وأضاف محدثنا أن” المعتقلين هم ضحايا نظام قمعي، لقد ثاروا من أجل الحرية والعدالة الإجتماعية إلا أن ثورتهم سُرقت من قبل أمراء الفصائل الذين تحولوا إلى مرتزقة دُفع بهم إلى جبهات ليبيا وأذربيجان”.

ويعتقد حاج محمد أن مهلة زمنية مُنحت للنظام السوري لتنفيذ مطالب كثيرة لعله يتجاوب ويلتزم بالقرارات الدولية، ويوقف القتل، ويطلق سراح المعتقلين، داعيا إلى التحرك من أجل هؤلاء القابعين في الظلام والقهر.

بدوره، قال الحقوقي والمحامي المعارض السوري، طارق حاج بكري، في تصريح للمرصد السوري، إن النظام اعتقل كل من خرج حرا مطالبا بالحرية والكرامة وقام بتصفية آخرين، والزج بأعداد كبيرة في السجون.

ووصف محدثنا النظام بالمجرم القاتل الذي اعتقل كل من حمل الراية السلمية وخرج مطالباً بالحرية والكرامة لأبناء البلد، لافتا إلى أنه تمت تصفية العشرات في سجون النظام تجويعاً وتعذيباً، متسائلا عن مصير كل من سيخرج من السجن، حيث يرى أن هؤلاء ينقسمون إلى قسمين، الأوّل سيعود إلى أهله الذين بقوا في مناطق سيطرة النظام سواء في اللاذقية أو في حلب وحماه وحمص ودمشق، وهؤلاء يخرجون منهكين متعبين أوزانهم قليلة جداً بسبب قلة وسوء التغذية ومعظمهم يعانون من أمراض قاتلة قد تودي بهم بعد فترة قليلة من الزمن نتيجة التعذيب الذي تعرضوا له.

وتابع بالقول: “أمّا القسم الأخر منهم الذي يخرج إلى مناطق سيطرة الفصائل السورية فقد لا يكونون محل ترحيب وبلا عناية طبية شديدة وقد لا يتم التعامل معهم بأحسن طريقة وقد يكون العكس”.

ونفى المحامي السوري، ما يروّج حول اعتقال الجيش الحرّ السوري لأشخاص وتعرضهم للتعذيب، مشيرا إلى أن الجيش الحر سعى إلى إطلاق سراح المعتقلين في سجون النظام وسط غياب للمجتمع الدولي، وأوضح أن ” المعتقلين سيكونون نصيراً للجيش الحر والقوى الثورية التي تواجه قمع النظام منذ سنوات، وهؤلاء ليسو أعداء لنا، بالعكس هم عنصر قوة لفصائل الجيش الحر ومختلف الفصائل الثائرة ضدّ قمع النظام”.

وشدد على ضرورة إطلاق سراحهم، مطالبا في ذات الوقت بالتحقيق في المجازر التي ارتكبت، وقال:”أؤكد باعتباري محاميا أعمل في الداخل، أنه لا يوجد أي معتقلين في سجون الفصائل، إلا إذا كان متهماً بالتعامل مع نظام الأسد أو عليه جرم أمني فقط، وهؤلاء يتم تحويلهم إلى القضاء الذي يعمل بشكل جيد وعادل وفق القانون السوري الذي وضعه الشعب السوري، بحسب دستور 1950 والقضاء العادي يعمل بشكل جيد والقضاء العسكري أيضا، عكس ما يتم ترويجه”.

ومن جانبه، اعتبر المعارض السوري والسجين السابق ‘فاتح جاموس’ القيادي في “تيار طريق التغيير السلمي” أنّ معتقلي الرأي السياسي في سورية من قبل السلطة والانتهاكات الحاصلة في هذا الميدان، هي قضية مختلفة وملف معقد وحسّاس وخطير ويمثل قيمة عالية في أي حوار مرتبط بأي مسار خارجي أو داخلي، بالرغم من أن عدد معتقلي الرأي-بحسب معايير وثائق حقوق الإنسان- هو الأقل بالمقارنة، لكن قيمته الأخلاقية والسياسية عالية جدا وحله يفتح بسهولة حلولا لأشكال الاعتقالات الأخرى..

وقال: “أتذكّر جيدا-وسيبقى هذا بالنسبة لي توجها حتميا- أنه عند المحاولات الأولى لسحب السلطة إلى مسار الحوار الداخلي قدمت ثلاثة مطالب للعمل المشترك عليها، أولها لجنة حقوق الإنسان تتابع كل المذكرات والملفات الصادقة بخصوص معتقلي الرأي الفعليين الذين ينطبق عليهم المعيار وحق اللجنة بسؤال أي جهة كانت عن الموضوع..والدخول إلى أي مكان للمتابعة”.

وأوضح أن”الملف مرتبط بمفهوم المرحلة الإنتقالية والحكومة المؤقتة والعدالة الانتقالية ومرتبط جدا بموازين القوى على الأرض”..

وأشار إلى أنه “في كل الأحوال لن يسمح النظام أبدا بتمرير قضية العدالة الإنتقالية عليه مهما حدث، علما أن الغرب وأوروبا والتحالفات العسكرية والسياسية المصطفة إلى جانبهما لا تزال تصر على تجريم النظام لوحده ومعاقبة رموزه وتطبيق موضوع العدالة الانتقالية”.

واتّهم جاموس، النظام بالتلاعب بالملف وذلك عبر عمليات ما سمي بالمصالحات التي طالت الكثير من الأشخاص سلموا أنفسهم أو كانوا قيد الإعتقال والأسر، لكن سلوك السلطة كان انتقائيا واستثماريا بالمعنى السياسي، ومحدودا.

واعتبر المعارض السياسي السوري أن “النظام كان يحاول دائما وضع الملف في الإطار القانوني أي التقديم للمحاكم، وتحت هذا العنوان جرت وتجري قصص تمثل انتهاكات عميقة – خلاف لمعايير حقوق الإنسان- على قسم كبير من المعتقلين بسبب قضية حمل السلاح أو الإرتباط بإيدولوجيا العنف والإرهاب.. ومن أخطر التفاصيل عدم معرفة الأهل بوضع مغيّبهم وهل هو معتقل أم لا ؟ وأين مكان وجوده؟ إضافة إلى التأخر المضني في التقديم للمحاكمة، وأخيرا عمليات الفساد المحتملة وحلقاتها العديدة المرتبطة بهذا الملف وليس الحال بأفضل في جهة المعارضة المسلحة فيما يتعلق بالفساد”.

وختم بالقول:”من جهتي، وتوافقا مع موقفي السياسي وقناعاتي بتمثل مواثيق حقوق الإنسان، فإنني بداهة لا أساوي أبدا بأي مستوى، سياسيا وقيميا وقانونيا وشرعيا، بين أي جندي معتقل أو مخطوف أو أسير قاتل في الجيش العربي السوري والدولة السورية، وبين الحالة الأخرى المرتبطة أساسا بصف الأصولية الفاشية وحلفائها.. وإنني أحتج على تلك الإنتهاكات التي ذكرتها وتأتي بسبب ممارسات السلطة، كما فعلت وأفعل دائما فيما يتعلق بملف معتقلي الرأي وهو أساسا عند السلطة بامتياز، وضرورة التقديم لقضاء عادل وعلني ومعرفة الأهل وحقوقهم في الزيارات وحضور المحكمة وتوكيل محامين، وسيكون لكل هذا تأثيرات مريحة على الصعيد الوطني والإنساني”.

أما الحقوقي أكثم نعيسة، فقد أكد، في حديث مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن قضية المعتقلين السياسيين في سورية وتحديدا معتقلي الرأي والضمير تعدّ من القضايا الحساسة سياسيا وإنسانيا، مشيرا إلى أن الاعتقال السياسي التعسفي يسود في سورية منذ أكثر من نصف قرن، حيث تم توقيف عشرات الآلاف من السياسيين السوريين بصورة مخالفة للقانون، ولم يتم تقديمهم إلى أي محاكمة عادلة، مشيرا إلى أن هناك تكهنات بوجود مئات الآلاف من المعتقلين تعسفا في المعتقلات السورية المختلفة منذ بدء الأزمة السورية، وقد تعرض أغلبهم لتعذيب وحشي أدى إلى وفاة قسم كبير منهم، وأضاف:برغم المطالبات الدولية والمحلية للإفراج عن هؤلاء المعتقلين وضرورة وقف الإعتقال التعسفي إلا أن النظام السوري رفضا ويرفض الإنصات لصوت المجتمع الدولي أو لصوت الشعب السوري، وفق تعبيره.

وأوضح نعيسة أن الحل السلمي والسياسي في سورية لا يمكن أن يتحقق مالم يبدأ بخطوة واضحة باتجاه الإفراج عن المعتقلين وتقديم من اتهم منهم بجرائم خطيرة إلى محاكم عادلة، أيضا في الجانب الأخر من الصراع قامت الفصائل المسلحة باختطاف مئات حتى لا نقول آلاف المعارضين لها ووضعهم في أماكن احتجاز غاية في السوء الصحي والإنساني، وتعريضهم أيضا لتعذيب، في بعضه لا يصدقه عقل.

واعتبر الحقوقي السوري أن الإفراج عن المعتقلين والمختطفين خطوة لا بد منها للدخول في عصر سوري جديد يشكل أساسا لحل وطني شامل للأزمة السورية.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد