سيطرة الأسد على جنوب سوريا تقتضي توافقات مع إسرائيل

28

بعثة روسية تجري مفاوضات على اتفاق لوقف إطلاق النار في جنوب سوريا وصلت قبل أسبوعين إلى السويداء من أجل الالتقاء مع القيادة الدينية الدرزية، والتباحث معها بشأن مستقبل المدينة واللواء. السويداء توجد في مفترق طرق استراتيجي يربط جنوب سوريا ودمشق وهضبة الجولان. هذه ليست منطقة قتال لأن الأقلية الدرزية في سوريا التي تبلغ حوالي (400) ألف نسمة لم تشارك في التمرد ضد نظام الأسد.
«رجال الشرف»، المليشيا الدرزية الانفصالية، تعمل بالأساس كقوة حماية ضد الهجمات وأعمال السلب واختطاف المواطنين التي تقوم بها مليشيات أخرى. رجالها أوضحوا أنهم يتبعون سياسة «حياد إيجابي»، ليس ضد نظام الأسد ولا مع المتمردين. لقد حدثت خلافات وحتى مواجهات محلية بين الدروز والنظام بعد رفض الأسد تزويدهم بالسلاح الثقيل لصد الهجمات، وبعد ذلك لم يف بوعده بتشغيل مقاتلين دروز فقط في جبل الدروز ولا في جبهات أخرى. ولكن تمت تسوية الخلافات والدروز على الأقل في الجنوب، فقد نجحوا في الامتناع عن التدخل في الحرب الدموية. تم الحفاظ على الهدوء النسبي حتى الشهر الماضي، عندما تم إطلاق عدة قذائف هاون على السويداء.
البعثة الروسية عرضت على الدروز السيناريو المتوقع في جنوب سوريا الذي يقضي بأن جيش الأسد سيحتل درعا ومحيطها من أيدي مليشيات متمردة وسيسيطر على جبل الدروز. طلب روسيا هو أن لا تقف القيادة الدرزية عائقًا أمام النظام وتواصل كما فعلت دائمًا. لقد تم وعد الدروز في سوريا بشراكة سياسية في الحكم وإعادة الإعمار بعد الحرب وفقًا لنسبتهم في عدد السكان. والأهم من ذلك هو التعهد السوري الروسي بتمكين الدروز من مواصلة حكمهم المحلي في جبل الدروز.
التفاهمات مع الدروز في طريقها إلى استكمال نسيج الاتفاقات التي تمت مع أقليات أخرى في سوريا، والمهم منها هو المفاوضات التي تجري الآن بين الأكراد في شمال سوريا والنظام. صحيفة «الوطن» التي يملكها النظام نشرت في هذا الأسبوع أنه تم تحقيق تفاهمات تقضي بأن آبار النفط التي توجد تحت سيطرة الأكراد في الشمال وفي مدينة الرقة التي أغلبها مسيطر عليه من قبل الأكراد ستنتقل إلى سيطرة الدولة. كما تم الاتفاق، حسب ما نشر، بأن يمنح الأكراد مكانة سياسية في النظام المستقبلي، المقاتلون في المليشيات الكردية سينضمون إلى الجيش السوري واللغة الكردية سيتم شملها في جهاز التعليم الرسمي في المحافظات الكردية.
قيادة الأكراد نفت وجود مفاوضات، وبالأحرى تفاهمات، ولكن حسب مصادر كردية أخرى فإن المفاوضات وصلت إلى شفا الاتفاق، بالأساس بسبب ما يعتبره الأكراد كتخلي الولايات المتحدة وغزو تركيا لشمال سوريا، أكثر من الاتفاقات مع الدروز فإن روسيا معنية باتفاق سريع مع الأكراد. وهؤلاء يتوقع أن يكونوا عنصرًا مهمًا في المفاوضات السياسية على مستقبل سوريا والانضمام إلى تحالف المتمردين الذي يدير مفاوضات متقدمة مع روسيا.
ولأن جبهة الأقليات آخذة في التلاشي فإن جنوب سوريا يصبح الجبهة الرئيسية التي يمكنها حسم استكمال سيطرة نظام الأسد على الدولة. ومثلما هو الأمر في محافظات أخرى في سوريا فإن النظام وروسيا ينفذان استراتيجية حرب الاستنزاف والمفاوضات. مجلس المتمردين في درعا، الجسم المتبلور نسبيًا، التقى مندوبين روسًا من أجل أن يعرض عليهم الشروط لوقف إطلاق النار والتعاون مع الخطوات السياسية القادمة. ما زالت المفاوضات في البداية، وقوات جيش سوريا مع سلاح الجو الروسي واصلوا أمس مهاجمة أهداف للمتمردين في الجنوب، بالأساس في محافظة درعا. ولكن التناقض في هذه الحرب هو أن من يهاجم المتمردين، روسيا، هي أيضًا التي طلب منها ضمان وجودهم. العدو هو الوسيط وكذلك الحليف.
حتى بعد السيطرة على الجنوب، ستظل هناك جيوب مهمة، مثل محافظة إدلب، وحدود سوريا ـ تركيا التي يسيطر عليها الأكراد من الشرق وتركيا من الغرب. مع ذلك، فإن احتلال الجنوب يمكن أن يحدد بداية نهاية الحرب. هذه الساحة التي تجبر روسيا على مراوغة دبلوماسية مركبة بشكل خاص، فالسيطرة على الجنوب تقتضي إرضاء إسرائيل والأردن، وإبعاد القوات المؤيدة لإيران، وتثبيت اتفاق بين سوريا وإسرائيل حول مسألة السيطرة على منطقة القنيطرة دون خرق اتفاق فصل القوات.
خلافًا لإسرائيل، إن المتمردين لا يعنيهم تدخل إيران، ففي قائمة طلباتهم وفي المحادثات مع الروس يتمسكون بأن قوات الأسد مع إيران أو بدونها لا يجب أن تدخل إلى مناطق يسيطرون عليها، وعلى الأكثر يمكنهم التواجد في المواقع التي سيطروا عليها قبل بداية الهجوم على الإقليم الجنوبي. المتمردون مستعدون لتسليم سلاحهم الثقيل فقط على مراحل من أجل التمكن من الدفاع عن أنفسهم من هجمات الجيش السوري بعد توقيع الاتفاق. في حلب والغوطة الشرقية نفذت قوات الأسد مذبحة ضد المدنيين بعد انسحاب مقاتلي المليشيات. هذا هو البند الأساسي الذي يمنع في هذه الأثناء التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار، لكن على خلفية الهجمات الكثيفة على المحافظة يبدو أنه خلال فترة قصيرة سيضطر المتمردون إلى إظهار مرونة والموافقة على الإملاء الروسي.
ثمة عقبة أخرى، هي طلب المتمردين بأن كل اتفاق سيوقع عليه مع روسيا يجب أن يشمل درعا والقنيطرة. هم معنيون بأن تكون هاتان البؤرتان جزءًا من «منطقة أمن واحدة»، وفي كلتيهما سيطلب من روسيا منع دخول القوات السورية. هذا هو البند الذي يهم إسرائيل بشكل خاص، والتي أوضحت بأنها لن تسمح بدخول القوات السورية إلى المنطقة التي من شأنها أن تكون منزوعة السلاح. أما الأردن الذي يطالب بسحب القوات المؤيدة لإيران من الحدود، فإن مصدرًا أردنيًا مقربًا من المحادثات التي تديرها موسكو مع عمان قال للصحيفة إن الأردن وإسرائيل تجريان مفاوضات مزدوجة: الأولى مع روسيا والأخرى مباشرة مع المتمردين.
الضغط الإسرائيلي ـ الاردني على المتمردين يستهدف تحويل المتمردين إلى «سور حماية» من دخول قوات سورية وإيرانية قرب الحدود. بذلك يضع المتمردون أمام روسيا شروطًا تخدم مصالح الدولتين. 
السؤال هو: كيف سترد روسيا إذا تبين لها أن هذه الشروط تفشل الاتفاق المهم بالنسبة لها من أجل الدفع بالعملية السياسية. 
وزير الخارجية الروسي، سرجيه لافروف، عرض أول أمس موقف موسكو الذي يقول «انسحاب كل القوات الإيرانية من سوريا هو أمر غير منطقي بصورة مطلقة». عندما يخرج تصريح كهذا من موسكو في اليوم الذي يجري فيه وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، محادثات مع لافروف، فإنه ليس موجهًا فقط للأردن، بل بالأساس لإسرائيل.
التصريح يغمز لإيران بأن روسيا تتراجع عن إعلانها بأن على كل القوات الأجنبية مغادرة سوريا. ولكن التصريح الأخير غامض ويمكن الفهم منه أن انسحابًا إيرانيًا شاملًا ليس أمرًا منطقيًا، ولكن يمكن التباحث في انسحاب جزئي. رد كهذا لا يمكنه إرضاء إسرائيل التي تطالب بانسحاب إيراني كامل، وهي تعمل في واشنطن من أجل إعداد الرئيس الأمريكي ترامب قبيل قمته مع رئيس روسيا بوتين.
ولكن حتى لو لم يتم الاتفاق على انسحاب عميق للقوات الإيرانية على بعد (50 ـ 70 كم) عن الحدود، فسيبقى موضوع دخول قوات سورية إلى هضبة الجولان خلافًا للوضع الذي ساد قبل الحرب، والذي كانت فيه هضبة الجولان منزوعة السلاح، لكن أغلبية سكانها كانوا أعضاء في قوات الأمن، والآن يعيش في المنطقة مقاتلو المليشيات التي يريد الأسد تحييدها أو طردها من أجل استكمال سيطرته الرسمية على الدولة. إن العزل بالقوة معناه دخول قوات سورية. الإمكانية الأخرى هي أن تقنع إسرائيل هذه المليشيات التي لها علاقات وثيقة معها بالانسحاب من المنطقة، وتمكين قوات الأمم المتحدة من العودة والإشراف. إمكانية ثالثة هي أن ترسل روسيا قوة شرطية إلى هضبة الجولان مثلما تنوي أن تفعل في درعا، وبذلك ستصبح بوليصة تأمين لإسرائيل.
إن كثرة المهمات التي تأخذها روسيا على عاتقها في سوريا ـ تطوير إدارة وقف إطلاق النار المحلية، وتحديد مناطق الأمن والحفاظ عليها، ومساعدة الجيش السوري، وتحديد خارطة المصالح مع إسرائيل والأردن وإيران وتركيا ـ تملي الاعتماد الكامل لإسرائيل والأردن على الخطوات الروسية. في هذه الأثناء، من المريح للدولتين الاعتماد على الدولة العظمى الروسية، لكن الافتراض بأن روسيا ستبقى في سوريا لفترة زمنية طويلة بما يكفي لاستقرار شبكة العلاقات بين سوريا وجاراتها، يحتاج إلى فحص الخيارات التي تقف أمام إسرائيل والأردن في حالة أن روسيا ستكتفي بتأسيس نظام برئاسة الأسد وتسحب بالتدريج قواتها.
من هنا تأتي الأهمية السياسية الكبيرة لساحة جنوب سوريا، فالخطوات العسكرية أو السياسية التي يتوقع حدوثها فيها تضطر إسرائيل الآن للمبادرة إلى تسوية، اتفاق، أو وثيقة تفاهمات مع النظام السوري، وذلك لترسيم السيطرة المستقبلية في هضبة الجولان السورية.

المصدر: القدس العربي