شبح التجربة الافغانية يعقد الأزمة السورية

34

في العام 1980 تدخلت القوات السوفياتية لحماية حليفها، بابراك كارمل، فبدأت الحرب الاهلية التي استمرت قرابة عشرة اعوام. كانت هناك حرب خاضها «المجاهدون» بدعم امريكي – سعودي – باكستاني، اتت على الاخضر واليابس، وانتهت بانسحاب مذل للقوات الغازية، كان بداية سقوط الاتحاد السوفييتي، فماذا كانت النتيجة؟ بخروج السوفيات شعرت المجموعات المسلحة التي خاضت الحرب طوال عشر سنوات ان بامكانها دحر الامريكيين ما دامت قد استطاعت هزيمة السوفيات. وهنا بدأ مسلسل آخر بقيام تنظيم القاعدة الذي حول التصدي لامريكا الى حقيقة، فاستهدفها بالإرهاب الذي لم يشهد العالم له مثيلا في التاريخ الحديث.
في البداية تم الضغط على الرئيس الافغاني آنذاك، برهان الدين رباني، لطرد «الافغان العرب»، فانتشر هؤلاء في الاصقاع وشكلوا مجموعات تقاتل في بلدان عدة: البوسنة والهرسك لمساعدة المسلمين ضد الصرب، وفي الشيشان ضد الروس، وفي الصومال ضد القوات الامريكية. وطوال السنوات العشر التي اعقبت خروج السوفييت
من افغانستان تم بناء تنظيم «القاعدة» في ذلك البلد الى جانب حركة طالبان التي وصلت الى الحكم في 1995 باسقاط حكومة رباني. ثم جاءت الضربة الكبرى للولايات المتحدة في 11 ايلول/سبتمبر 2001 حين استهدف انتحاريون من تنظيم القاعدة مبنى التجارة العالمي في نيويورك ومقر وزارة الدفاع (البنتاغون) في واشنطن.
كان رد الفعل الامريكي المزيد من التدخل العسكري في افغانستان، الذي تحول الى حرب استنزاف استمرت اثني عشر عاما. وقبل اسابيع قررت امريكا وبريطانيا سحب قواتهما من افغانستان واعترفتا ان حركة طالبان لم تهزم، وانهما لم تنهيا ظاهرة العنف المستمرة في البلاد. وليس معروفا ما الدروس التي استفادها الغربيون من تدخلهم العسكري في ذلك البلد.
والوضع في العراق لا يختلف كثيرا، فقد انتشرت ظاهرة العنف والإرهاب ووصلت مستويات غير مسبوقة من القسوة، وذلك بعد ان تحول بعض مناطقه الى حاضنة لتنظيم داعش الموازي لتنظيم «القاعدة». هذا يعني ان الإرهاب الذي شنت الولايات المتحدة الامريكية حربا عالمية ضده منذ اكثر من عشرة اعوام اصبح أوسع وأخطر. الانجاز الوحيد ان الغربيين استطاعوا اعادة توجيه ذلك الإرهاب بعيدا عن بلدانهم وعواصمهم، وتركيزه في بلدان العالمين العربي والإسلامي مثل العراق وسوريا ونيجيريا وباكستان. بل ان مصر اصبحت هي الاخرى مهددة بانتشار ظاهرة الإرهاب الداعشي المرعب.
هذا السيناريو الذي يرسم تطور الاوضاع في مجال العنف على مدى ما يقرب من عقدين، سيتكرر في سوريا التي تحولت الى افغانستان اخرى. والملاحظ ان البلدان التي تحمست للتصدي للقوات السوفياتية في افغانستان، هي نفسها التي تحمست للتصدي لنظام بشار الاسد وساهمت بتشكيل المجموعات المسلحة المخلتفة وتمويلها وتدريبها، على امل ان تحدث تغييرا جوهريا في النظام السياسي السوري. ولكن بعد اكثر من ثلاثة اعوام ما النتيجة؟ أليس واضحا ان السيناريو الافغاني يتكرر مجددا في سوريا؟
تطورات الشهور الاخيرة ربما كشفت ان هناك شيئا من الاستيعاب لخطر المجموعات المسلحة التي تزداد تطرفا وتوسيعا لدائرة استهدافاتها. فقد بثت مجموعة «داعش» خريطة «الدولة الإسلامية» التي تعمل لاقامتها والتي تشمل كافة مناطق الجزيرة العربية ومصر، الامر الذي ارعب بعض الحكام ودفعهم لاتخاذ أجراءات مشددة ضد المجموعة والمتعاطفين معها.
ويلاحظ ايضا ان تبعات الازمة السورية اصبحت تحاصر الدول التي كانت اكثر حماسا لدعم العمل العسكري ضد النظام السوري، ولكنها اليوم ادركت ان الثمن الذي دفعته والذي ما تزال مطالبة بدفعه يفوق امكاناتها ويهدد وجودها. فمثلا اصبح الاردن الذي فتح حدوده للاجئين السوريين الفارين من الحرب المدمرة، أقل قدرة على توفير احتياجات اللاجئين السوريين على اراضيه. وقد قررت الحكومة وقف الرعاية الصحية المجانية لـ 1.3 لاجىء اضطرتهم ظروف الحرب في بلادهم لعبور الحدود. وقد تدخلت الامارات والكويت لتوفير بعض المبالغ لمساعدة الاردن في هذا المجال. هذا التطور يكشف حجم المشكلة التي تفاقمت حتى وصلت مستوياتها الحالية. ويشعر اللاجئون السوريون بشظف العيش في مخيمات اللاجئين في لبنان وكذلك في تركيا. وهذه الدول جميعا ضاقت ذرعا بذلك وتسعى لاحتواء الازمة حسب ما يتوفر من دعم خارجي لها.
لقد اصبح واضحا وجود تبعات لاستمرار الازمة السورية التي ربما كان بعض مؤججيها يعتقد بانها ستنتهي منذ زمن. كما ان هناك تباينا في وجهات النظر بين الدول المعنية بتلك الازمة. ففيما تسعى الولايات المتحدة الامريكية لتجاوز القول بضرورة اسقاط حكم بشار الاسد كهدف للنزاع، فقد ربطت تركيا دعمها لجهود المعارضة بتصدي واشنطن لذلك النظام. وترفض الادارة الامريكية الطلب التركي بعد ان فحصت البدائل العديدة المتاحة لانهاء الازمة. وقد تكون امريكا قد تعلمت من التجربة الافغانية التي اضطرت واشنطن لسحب قواتها قبل القضاء على مصادر التهديد لنظام كابل، واصبحت تعيش كابوس التغيير في سوريا، وما ينطوي عليه من احتمال انتشار مجموعات العنف على نطاق اوسع. والخشية الامريكية مرتبطة برغبة واشنطن بحماية الكيان الاسرائيلي من المجموعات «الجهادية».
فبرغم انتشار ثقافة «الصراع مع الداخل» اولا لدى مجموعات العنف الجديدة، مثل داعش، فلدى الغربيين خشية من حدوث ما يعيد مسار «الجهاد» الى وجهته الاساسية، ليواجه الاحتلال الاسرائيلي وداعميه. ومن المؤكد ان النتائج ستكون وخيمة لقوات الاحتلال لو اعيد تقويم البوصلة. وللتدليل على خطر ذلك التقويم للاحتلال الاسرائيلي، تقول الاحصاءات المتوفرة ان عددا كبيرا من الفلسطينيين نفذ عمليات انتحارية في سوريا والعراق، تفوق عدد ما نفذه الفلسطينيون ضد اهداف اسرائيلية طوال الستين عاما الماضية. ولذلك تخشى «اسرائيل» من توقف العنف في العراق وسوريا، لان ذلك سينعكس سلبا على امنها. ومن جهة اخرى فان ظاهرة «داعش» ادت لمواقف وتحالفات غير متوقعة. ففي لبنان مثلا، يتعاون المسيحيون على الحدود مع سوريا، مع حزب الله للتصدي لداعش، ومنع مقاتليها من اختراق الحدود باتجاه «عرسال» الحدودية التي تم ابعاد مقاتلي «الدولة الإسلامية» عنها قبل اسابيع. ووفقا للتقارير يتلقى المسيحيون تدريبا عسكريا واسلحة ورواتب من حزب الله في تطور غير مسبوق. كما ان التدخل الانكلو – امريكي في العراق اصبح اكثر ضغطا على تركيا بشكل خاص.
فأصر رئيس وزرائها على العودة لاستهداف نظام بشار الاسد، كما يستهدف مقاتلي «الدولة الإسلامية»، الامر الذي رفضته واشنطن. فهي تعتقد ان خطر المجموعات المسلحة أصبح أشد على المصالح الامريكية مما يمثله النظام السوري، وبالتالي فليس من المنطقي استهدافه في الوقت الحاضر. ولذلك تسعى واشنطن لتطوير ادائها في العراق بارسال طائرة A10 التي تستطيع حصد المقاتلين بطلقاتها التي تبلغ 4200 في طلقة في الدقيقة.
امريكا تشعر بخطر داهم ان اخطأ عملها الاستخباراتي والأمني قليلا، برغم انشغال داعش في الوقت الحاضر بالقتال في سوريا والعراق. والواضح ان هناك نزعات داخل صفوفها لاستهداف الغربيين بعد ان بدأ التحالف ضدهم بالعمل الميداني.
ولكن برغم توسع دائرة نفوذ داعش فهناك شعور عام بان مزيجا من العمل العسكري الموجه ضدها وتغير مزاج سكان المناطق الواقعة تحت نفوذها، سيؤدي في وقت غير بعيد لرفض حكمها.
فهل استنفدت «داعش» اهدافها التي أسسها داعموها من اجلها؟ ثمة حقائق في هذا الجانب تتمثل بالتالي. اولا ان تجربة العيش في ظل الحكم الداعشي في شمال العراق وسوريا وما تضمنه من قسوة في التعامل مع السكان المحليين ليس مشجعا، فتطبيق الحدود كالذبح والجلد وقطع الايدي والصلب أشعرت الكثيرين بالتقزز والنفور ورفض استمرار العيش تحت حكم داعش. ثانيا: ان ما حدث من تدمير رهيب لبنى التحتية والتراث التاريخي والديني أشعر الكثيرين بالغضب والاحباط وخيبة الامل، ودفعهم للاحتجاج السلبي ضد حكم «الدولة الإسلامية». ثالثا ان التدمير البشري وحمامات الدماء احدثت تقززا لدى الرأي العام المحلي والدولي، الذي اصبح يرفض استمرار حكم داعش. رابعا: تصاعد احتمالات تقسيم العراق وسوريا اصبح مقلقا للدول الاخرى حتى مصر والسعودية.
لقد دفعت الامتان العربية والإسلامية ثمنا باهضا لما فعلته قوى الثورة المضادة، وتمثل ذلك بعدد من النتائج الوخيمة: اولاها: اضطراب البلدان التي حدثت فيها ثورات عربية انقضت عليها قوى الثورة المضادة مثل ليبيا ومصر واليمن وسوريا والعراق.
وجاءت تبرئة حسني مبارك من التهم التي وجهت اليه بالقتل هذا الاسبوع لتؤجج مشاعر الغضب في اوساط قوى الثورة. ثانيتها: تراجع قضية فلسطين واشغال الرأي العام العربي والإسلامي عنها، ثالثتها: تصاعد احتمالات تدمير المسجد الاقصى بعد ان امتحنت الامة ولم تنجح بموقفها الباهت ازاء تدمير الآثار الإسلامية والمساجد في سوريا والعراق والسعودية والبحرين والصومال وليبيا، وبعضها يحتوي قبور صحابة رسول الله. رابعتها ضرب الامة الإسلامية من داخلها ببث الطائفية والمذهبية على نطاق غير مسبوق.

٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن
د. سعيد الشهابي
المصدر : القدس العربي