شبهات حول معارك «النصرة»

28

في الوقت الذي كانت كل الأنظار تتجه إلى شرق الفرات، في ظل الإعلان عن الانسحاب الأمريكي من سوريا، والتهديدات التركية باجتياح المنطقة، اندلعت على نحو مفاجئ، في شمال وشمال غربي البلاد، معارك دموية طاحنة بين «جبهة النصرة» وبين فصائل مسلحة تدعمها أنقرة منضوية في إطار «الجبهة الوطنية للتحرير»، ما أثار الكثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام، خصوصاً أن «جبهة النصرة» ليست أيضاً بعيدة عن أنقرة.
وعلى عكس التوقعات، حيث كان من المفترض أن تنسحب «جبهة النصرة» من المنطقة العازلة، بموجب «اتفاق سوتشي» التركي -الروسي، ويصار إلى سحب سلاحها الثقيل، وإخضاعها للاتفاق، وهي مهمة منوطة بتركيا أساساً، حتى لو أدى ذلك إلى استخدام القوة من جانب القوات التركية والفصائل الموالية لها، إلا أننا بدلاً من ذلك، نشاهد «النصرة» تسيطر على معظم المناطق الخاضعة لسيطرة الفصائل الموالية لأنقرة، في معارك امتدت من ريف حلب الشمالي إلى ريفي حماة وإدلب في الشمال الغربي، في ظل صمت تركي يثير الكثير من الشكوك. تسريبات كثيرة تتحدث عن وجود مفاوضات سرية بين «النصرة» وأنقرة، لإعادة ترتيب الوضع الميداني في تلك المناطق، ودفع الفصائل المسلحة الأخرى إلى الانسحاب نحو مناطق سيطرة «درع الفرات»؛ لاستخدامها في الهجوم على المقاتلين الأكراد هناك، وفي نفس الوقت إخضاع المناطق التي انسحبت منها الفصائل لسيطرة فصيل واحد (النصرة)؛ ليسهل التعامل معه في أي ترتيبات مستقبلية. 
لكن هذا بحد ذاته، يشكل دافعاً قوياً للجيش السوري والقوات الروسية لفتح معركة تصفية «جبهة النصرة»، باعتبارها مصنفة تنظيماً إرهابياً، في ظل مناطق سكانية كثيفة، فإذا تمكنت روسيا ومعها الجيش السوري من الخلاص من «النصرة» فإنهما يكونان قد نجحا في تنفيذ المهمة التي عجزت أنقرة عن تنفيذها، وإذا لم ينجحا تكون أنقرة قد حافظت على علاقتها مع «النصرة» في أي ترتيبات مستقبلية، حتى لو أدى ذلك إلى خلع «النصرة» عباءة «القاعدة»، والانضواء في هذه الترتيبات تحت أي مسمى جديد، وبالتالي الاستفادة من هذه الورقة لتقوية موقفها في أي تسوية سورية محتملة. 
هذا الموقف الانتهازي التركي كان واضحاً منذ البداية في التعامل مع الملف السوري، ولكن هل هذا الموقف بعيد عن عيون موسكو التي تمسك بمفاتيح إدارة الصراع؟ على الأغلب أن موسكو تدرك جيداً كل تحركات أنقرة، ولكن صمتها لا يعني القبول بهذه التحركات، بقدر ما يعني تدفيعها الثمن في مكان آخر، كما يحدث راهناً في منبج وشرقي الفرات عبر فرملة الزحف التركي، ودفع الأكراد ودمشق إلى ما هو أبعد من التنسيق، بل ربما إلى التحالف، ونزع فتيل الأزمة نهائياً في تلك المنطقة قبل العودة إلى إدلب واتفاق سوتشي، والحل السياسي، وربما في النهاية جر تركيا نفسها إلى اتفاق مع دمشق، بدل الحديث عن إسقاط النظام.

يونس السيد
المصدر: الخليج