صالح مسلم: النظام فقد شرعيته وسنقاوم بكل السبل العودة إلى ما قبل 2011

ساد الاعتقاد في الفترة الماضية أن النظام السوري لم يصنف أكراد البلاد في خانة الأعداء خلال الأزمة الحالية، وثمة من تحدث عن تنسيق بين الطرفين. ينفي صالح مسلم رئيس «حزب الاتحاد الديموقراطي» الكردي وجود أي تنسيق سياسي مع النظام ويعتبره فاقداً الشرعية. ويؤكد أن لا عودة أبداً إلى «سورية السجن» التي تسمح بهيمنة قومية أو حزب أو مذهب. ويرى أن لا عودة لسورية إلا على قاعدة تبادل الاعتراف بين المكونات. ويشدد على أن لا مستقبل لـ «الائتلاف الوطني» المعارض ما دام موجوداً في إسطنبول.

وهنا نص الحلقة الثالثة:

> من أين يأتي التمويل لـ «وحدات حماية الشعب»؟ ومن يدفع رواتب المقاتلين؟

– لا نحتاج إلى تمويل كبير، والسبب أن ليس لدينا رواتب يتوجب علينا دفعها لقوات الحماية في شكل عام. هناك ظروف استجدت بالنسبة إلى الأسايش، وهي قوات الشرطة، الآن أصبحوا يعطون رواتب للذين لديهم عائلات بمعنى «قوت لا يموت». هذا موجود. هذه ثقافتنا والمبادئ والقيم التي نحن مرتبطون بها. وهناك تجارب سابقة. عام 2012 عندما فرضوا علينا الحصار من كل جانب، قلت إنهم إذا كانوا يحاولون تهديدنا بالجوع والعطش فعليهم أن يفهموا أننا من الممكن أن نعيش لمدة ستة أشهر أو سنة على أوراق الشجر ولا نستسلم ولا نتنازل.

> هل تحصل عائلات الشهداء على تعويضات؟

– هناك « مؤسسة عوائل الشهداء» في روجافا التي تساعدهم مما تتلقاه من إغاثة. التمويل ضروري، لكن ما نحصل عليه من شعبنا يكفي، فشعبنا الكردي لم يقصِّر، وكذلك أصدقاؤنا في جنوب كردستان وشمالها في الفترة الماضية وفي كردستان الشرقية. شعبنا في روجافا يضحي بكل شيء وكذلك الأكراد في الشتات، فحتى المستشفيات المتنقلة تصل إلينا من الأكراد في أوروبا عبر جمع تبرعات من أصدقائهم هناك.

> هل هناك دول أوروبية تساعدكم؟

– في شكل مباشر لا. لكن هناك منظمات مجتمع مدني في أوروبا تساعدنا، وهي في أكثرها إغاثة إنسانية.

> والسلاح من السوق السوداء؟

– السلاح يأتي من السوق السوداء ومن تنظيمات كردية وقوات البيشمركة (إقليم كردستان العراق) و «الحزب الديموقراطي الكردستاني» الذي ساعد كثيراً في قضية السلاح وعلى قدر الإمكان. أغلب السلاح يأتي من السوق السوداء.

> هل لدى «وحدات حماية الشعب» دبابات؟

– لديهم بعض الدبابات التي غنموها إما من «داعش» أو من النظام. مثلاً كان هناك خمس دبابات في عفرين غنموها من مطار منغ العسكري، حيث حدثت مواجهة مع فصائل هاجمت. جماعتنا كانت على جبهة معينة فاستطاعت الاستيلاء على تلك الدبابات التي كانت تسعى إلى الهروب. كما استولت على بعض الدبابات من الرقة التي كانت موجودة في الفرقة 17 واستولى عليها «داعش» وهاجم بها مناطقنا، كما تم إصلاح بعض الدبابات التي كانت ضُربت في الحسكة.

> قيل إن تركيا غضّت النظر وتركت «داعش» يهاجمكم، وقيل أيضاً إن القوات النظامية السورية غضّت النظر أحياناً وتركت «داعش» يهاجمكم. هل هذا صحيح؟

– الأمر يتعدى مسألة غض النظر، فنحن نظن أنهم عاونوهم، والسلطات التركية خصوصاً. الدور التركي كان غامضاً جداً وما زال غامضاً حتى الآن، لجهة علاقته بـ «داعش»، وبوابة تل أبيض التي كانت تُستعمل للتجارة، والسيارات التي كانت تمر باتجاه الرقة وهي عاصمة «داعش»، ومنطقة جرابلس التي تضم معسكراً للاجئين السوريين من ثلاثة كيلومترات وراء الحدود داخل الأراضي التركية، وكان فيه مركز تجمع لـ «داعش» تمهيداً للعبور إلى سورية. كل هذه الأمور تثير الشبهات.

وبالنسبة إلى النظام، هناك مَثَل اللواء 93، الذي لم يتدخل عندما حصلت هجمات عدة على كوباني على رغم أن لديه قوات جوية كانت تستطيع ضرب المهاجمين. كنا نتعرض لضربات «داعش» أمام أعينهم ولم يتدخلوا. قوافل التنظيم التي كانت تهاجمنا كانت تنطلق من الرقة وتصل إلينا في كوباني وتفجر وتقتل، ولدى النظام طائرات تنفذ طلعات جوية، لكنه لم يستخدم قواته ضدها، لا الطيران ولا المدفعية.

النظام ربما غض النظر، ولكن إذا كان النظام السوري يسعى إلى شرعية فيتوجب عليه الدفاع عن مواطنيه. لم يدافع ولم يتمكن من حمايتهم. وبرأيي هذه نقطة مهمة لأنه من الممكن أن نعتبره فاقداً الشرعية إذا كان لا يستطيع حماية مواطنيه ولا حتى محاولة حمايتهم. أين شرعية النظام؟

> هل تعتبر النظام السوري الحالي فاقداً الشرعية؟

– نعم، أعتبره فاقداً الشرعية، لأنه بالنسبة إلينا لم يحمِ أي شيء، ولم يحاول فعل شيء، هذا غير مطالبتنا بالديموقراطية فهو أساساً يعتبرنا غير موجودين منذ العام 1960 وليس من الآن. لا اعتراف بالأكراد ولا اعتراف بالثقافة الكردية ولا اعتراف بالمجتمع الكردي، بل يعتبرنا غير موجودين. فإذا كان يعتبرني غير موجود، فأنا لن أعترف بشرعيته. نحن منذ 2004 نقاوم هذا النظام بسبب عدم اعترافه بوجودنا.

> خلال الثورة أعطى النظام جنسيات لأكراد كانوا حرموا منها، هل حاول استمالتكم خلال الثورة؟

– هذا يشبه توبة من دهمته سكرات الموت.

> ليس هناك أي علاقات بينكم وبين النظام؟

– أبداً، ليس هناك أي علاقات سياسية مطلقاً. قد يشير الناس ربما إلى مؤتمر موسكو، حضرنا في موسكو مرتين وأملنا توحيد المعارضة، وكنا نتحدث ونستمع إلى ما يقوله كل طرف، وكان هناك ممثل للنظام خلال الاجتماعات، ولكن هذا أمر مختلف. وبدل أن يستمع النظام من غيرنا عما نقول عنه، فإني أفضل أن يسمع وجهة نظرنا منا مباشرة، لذلك كان لدينا موقف خلال مؤتمري موسكو الأول والثاني. ورأينا أن الحديث ينافي الحقيقة، فقد حاول إقناع الموجودين، وربما أقنع غيرنا، بأن النظام كان وراء انتصارات كوباني وأنهم ساعدونا في ذلك. قالوا إن الانتصارات التي تحققها «وحدات حماية الشعب» تحققت لأننا ندعمها بالسلاح ونحن وراءها ووراء انتصارات كوباني. هذا ما كان يردده النظام لأصدقائه وللروس. وقد طرح هذا الموقف خلال المؤتمر في روسيا، وأوضحنا في المؤتمر أمام الجميع أن أقرب جندي نظامي من كوباني كان على مسافة 150 كلم، فكيف يكون النظام ساعد؟ أنا من كوباني وأعرف أنه لم نتلقَّ رصاصة واحدة من النظام. في المؤتمر الثاني زعم النظام أنه ساعدنا في الحسكة.

هناك أناس يلوموننا على وجود النظام في القامشلي مثلاً. وجود النظام في الشكل المدجَّن يساعدنا، لجهة أن المطار يعمل بحيث يتمكن المدنيون من الدخول والخروج ويستخدمه أبناء المنطقة لأغراضهم وتنقلاتهم. والبوابة الحدودية هناك عليها بضعة أفراد من الشرطة التابعة للنظام لا يغيرون شيئاً على أرض الواقع، ولكن يعطون شرعية أمام الأمم المتحدة، بحيث إن المساعدات الإنسانية تعبر من هناك. ولولا وجود هؤلاء الشرطيين على بوابة نصيبين أو بوابة القامشلي مع تركيا، أو المربع الأمني الذين هم فيه، لما وصلت الإغاثة من الأمم المتحدة إلى أهالي القامشلي.

نحن لا ندعو إلى الانفصال. نحن عندما نحارب النظام لا نفعل ذلك لتأتي جهة أخرى تأمرنا أن نفعل كذا وكذا، بل نفكر في مصلحة شعبنا وننفذ ما يفيده. نتصرف وفق تفكيرنا ووفق المعطيات الموجودة لدينا ولا نتلقى الأوامر من أحد. نحن نقارع النظام منذ 2004، فلا يزايدنّ أحد علينا. أنا أرى أن وجود المربع الأمني الآن في القامشلي لمصلحتنا ولمصلحة الشعب ولمصلحة المنطقة. إذا كان فلان يريدني أن أقضي عليهم أو أقتل عناصر النظام فهذا شأنه. في غيرزيرو، وهي منطقة كانت فيها حامية كبيرة من أجل حقول النفط، قامت «وحدات حماية الشعب» بمحاصرتهم مدة عشرين يوماً وتمكنت من إنهاء وجودهم سلمياً. كان هناك أكثر من 300 جندي وكانت إبادتهم ممكنة، ولكن ليس هذا أسلوبنا. لو كنت أنا أتبع أوامر خارجية كان من المفترض أن أقضي على هؤلاء الجنود الثلاثمئة. نحن لم نفعل ذلك. لم نكن نريد تدمير أي منشآت، فثرواتنا لنا، للمكونات الموجودة من عرب وأكراد. استمر الحصار عليهم حتى بدأوا يتململون وقتِلَ عقيد كان قائد المجموعة المحاصَرة وسبعة جنود في عملية نوعية وأفرِج عن بقية الجنود وعادوا إلى أهلهم.

عندما تخوض حرباً، لا تديرها كما يشتهي الآخرون. الجنود الذين كانوا موجودين هناك كلهم إخوان لنا ولن أستفيد شيئاً من قتلهم، وأسلوب الذبح ليس أسلوبنا.

 

ما تريده تركيا

> تقول إن لا مستقبل لـ «الائتلاف الوطني» المعارض ما دام في إسطنبول.

– هذا صحيح.

> هل تعتبر أن تركيا تدير الائتلاف؟

– أنا أذهب أبعد من ذلك وأقول إن تركيا لا تريد سورية ديموقراطية جارة لها، ولا أن تتمتع كل مكونات سورية بالديموقراطية، ولذلك جزء من الخطة التركية كان احتضان هذه المعارضة بغرض توجيهها وفق مصالحها. المؤامرة موجودة منذ بداية الثورة السورية، أي منذ اجتماع أنطاليا الذي عقد في حزيران (يونيو) 2011. المؤامرة مستمرة. تمكنوا من احتضان المعارضة السورية وتوجيهها. الأطراف الأخرى التي كانت تدعم المعارضة كانت تدعمها من طريق تركيا، والفوائد الاقتصادية كبيرة ويجرى تقاسمها.

> هل تخاف تركيا من قيام سورية ديموقراطية؟

– نعم، تخاف من انتشار النظام الديموقراطي. سورية الديموقراطية تعني تعايش المكونات، ما يعني أن الأكراد سيحصلون على حقوقهم الديموقراطية، والسريان كذلك والعلويون سيحصلون على ميزات معينة، ما يعني حرية لكل الطوائف، وكذلك الدروز والمسيحيون والكنائس. جميع هذه المشاكل موجودة في تركيا. السريان ممنوعون في تركيا، الأرمن ممنوعون، الأكراد ممنوعون في تركيا، وكذلك ثقافتهم. تركيا تمنع كل هذه الحقوق وهي ستتأثر إذا قامت سورية ديموقراطية.

> في البرلمان التركي كتلة كردية من ثمانين نائباً؟

– تم ذلك حسب قوانين الأحزاب التركية، ونحن لا نسعى إلى ذلك على رغم أننا نستفيد من تلك التجربة، ولكن ذلك لا يعبر تماماً عن الإرادة الكردية.

> كأنك تقول إن تركيا تريد أن يسيطر «داعش» على سورية.

– هي تستخدمه كأداة تدمير في سورية وفي المنطقة كلها ليُنشئوا بعد ذلك ما يريدون. هناك أكثر من طرف اخترق «داعش» أو يؤثر في تحركاته.

> هل تتهم النظام السوري بإقامة علاقة مع «داعش»؟

– هذه أمور غامضة جداً، لكن لا شك في أن بعض الأعمال التي يقوم بها «داعش» تدخل في خدمة النظام السوري، مثل الصراع الدائر في منطقة إدلب ومحيط حلب بين الفصائل الإسلامية نفسها، أي بين «داعش» وأخواته. هناك علامات استفهام عدة.

> هل تعتقد أن الإفراج عن الإسلاميين من السجون السورية كان لتزويد «داعش» المقاتلين؟

– لا أعتقد أن الهدف كان تزويدهم المقاتلين، بل القادة الذين يتولون توجيههم.

> هل قُتل مهاجمون من جنسيات مختلفة في كوباني (عين العرب)؟

– نعم، قُتل أتراك وضباط سابقون في الجيش التركي أو الشرطة التركية (الجندرمة) كانوا يقاتلون في صفوف «داعش»، وهناك أسير مصري، وهناك محاربون من تونس والجزائر ومصر ومن الشيشان والقوقاز والصين قتلوا في كوباني. وهناك بعض الأسرى من جنسيات مختلفة، خصوصاً في القتال الأخير مع «وحدات الحماية».

 

الدولة المركزية

> لستم مع عودة الدولة المركزية في سورية؟

– الدولة تفككت وسورية يمكن أن تدار بلا مركزية معينة بحيث يكون لها حكومة مركزية، ولكن يكون هناك تنسيق بين الأقاليم، هذا من حيث الفكرة. ولكن هناك أمور أخرى يتفق عليها لاحقاً بين مختلف مكونات الشعب السوري.

> إذاً، جوهر الحل الذي تقترحونه هو مجموعة من الإدارات الذاتية والأقاليم.

– نعم، مع وجود حكومة مركزية وجيش مركزي وفق شروط معينة وقواعد معينة مع اقتصاد مركزي بحيث تدار كل المشاريع مع صلاحيات للأقاليم. هذا يمكن الاتفاق عليه بما يتماشى مع شكل الاتحادات الموجودة في سويسرا وألمانيا مثلاً، ويمكن الاقتداء بالتجارب الموجودة.

> أنت تقول إذاً: نحن كأكراد لن نقبل بالعودة أبداً إلى ما كان عشية 2011.

– العودة غير ممكنة. لا نقبل بالعودة إلى تسلط الحزب الواحد واللون الواحد والقومية الواحدة. هذا غير وارد.

> إذا طُرحت العودة، فهل تقاومونها؟

– بالطبع، وبجميع السبل، على أن تكون المقاومة العسكرية الملاذ الأخير عندما تسد كل الأبواب أمامنا ونضطر لاستخدام القوة العسكرية. حتى الآن القوات المسلحة الموجودة في مناطقنا هي قوات دفاعية ولم توجه أي رصاصة إلى خارج مناطقنا، بل كانت للدفاع عن المناطق التي تحتاج إلى حماية الناس سواء كانوا من العرب أو الأكراد، لذلك فإن الحل لعسكري هو آخر الحلول. هناك محاكم ومراجع وقوانين دولية وقوانين الأمم المتحدة ومواثيق دولية، فإذا تنكر أحد لكل هذه فما باليد حيلة سوى المحاربة.

> ماذا فعل الأكراد الذين كانوا في الجيش السوري؟

– فعلياً، لم يكن هناك أكراد في الجيش السوري، بل مجندون ضمن التجنيد الإجباري. الأكراد لم يكونوا يُقبَلون في الجيش أو في المخابرات. المجندون ضمن التجنيد الإلزامي عادوا إلى مناطقهم، ومنهم كثيرون الآن في «وحدات الحماية». الكردي لم يكن يستطيع الانضمام إلى الكليات الحربية أو المدارس الحربية، فالأكراد منبوذون منذ العام 1960 حتى الآن. لكن ما كان حاصلاً هو أنه كان يتوجب على أي شخص أن يكون بعثياً ليحصل على وظيفة ولو عاملَ نظافة في البلدية. وحتى في الرميلان في حقول النفط، فإن العمال كانوا جميعاً من خارج المنطقة في الفترة الأخيرة ولم يكن بينهم أيٌّ من أبنائها، حتى أن مهندسي النفط ومهندسي الكيماويات الأكراد كانوا جميعاً من دون وظائف، ويحضِرون مهندسين من خارج المنطقة، على رغم أن أبناء المنطقة يجب أن يستفيدوا من خيراتها.

> كنت ذكرت في الحديث أن حزب البعث خرّب العراق وسورية والمنطقة وساهم في مجيء «داعش»، أليس في هذا الاتهام مبالغة؟

– هذا رأيي، لأن الاستبداد يدمر الدول ويستدعي التطرف. سياسات صدام هي التي أدت إلى التدخل الأميركي والاحتلال الأميركي للعراق، وكذلك الأمر بالنسبة إلى سورية، فالسياسات التي كانت متّبعة وعدم حل المشاكل وعدم الإيمان بقدرات الشعب هي السبب في ما حصل.

برأيي أن التدخل في الشرق الأوسط كله حصل لأننا لم نستطع حل مشاكلنا ومن جملة ذلك سورية. فنحن لو حللنا المشاكل لكنا سددنا الأبواب أمام التدخل الأجنبي كله. والبعث هو الذي ساهم بذلك لأنه أغلق الحوار ومارس الاستبداد وكان سبب كوارث الشرق الأوسط كلها.

> تعتبر أن قسماً من «الائتلاف» مؤيد لـ «داعش»؟

– هذا واضح، فـ «داعش» الذي يحارب الأكراد في مناطقهم ينال كامل الدعم من بعض «الائتلاف». هم في الفترة الأخيرة حاولوا أن ينفوا عن أنفسهم ذلك، وإلا ما تفسير أن يصدروا بيانات سياسية تحزن لخسائر «داعش» في تل أبيض والحسكة وكوباني. البيانات التي صدرت عنهم، خصوصاً عبر المتحدث باسمهم سالم المسلط، تشير إلى ذلك.

> هل تعتبر أن «الجيش السوري الحر» انتهى؟

– لا، «الجيش الحر» موجود، لكنه قليل جداً، فهم كانوا من المنشقين عن الجيش النظامي الذين كانوا يسعون إلى الديموقراطية والعلمانية والحرية للشعب. ولكن، على أرض الواقع لا وجود كبيراً لمثل هذه العناصر، بل بعض الوحدات الصغيرة أو المجموعات الصغيرة تحارب معنا ونحن مستعدون للتنسيق معهم. وقرأت أمس إعلاناً أن هناك وحدات تابعة لهم موجودة في درعا، وهناك تسميات مختلفة مثل «شمس الشمال» و «ثوار الرقة» الذين شاركوا في «بركان الفرات»، وهناك ما يسمى «ثوار سورية» بينهم فصائل من «الجيش الحر» ويدعون إلى الديموقراطية ويرفضون الممارسات التي يقوم بها «داعش» وأخواته. «الجيش الحر» لا يمكن أن يكون سلفياً أو «جبهة النصرة» أو «أحرار الشام»، «الجيش الحر» هو من الفصائل التي تبتعد عن هذه الذهنية السلفية الجهادية.

> أنت تطالب بالإدارات الذاتية، هل تقر بحق المجموعات الأخرى في مطالبات من هذا النوع؟

– ما نريده لأنفسنا نريده للمكونات الأخرى إذا رغبت.

> هل لديكم مشكلة مع العرب السنّة في سورية؟

– ليست لدينا مشاكل مع أحد. إذا تم إبعاد الدين من استخدامه في السياسة، فإن كل المشاكل تحل. المولود في بلادنا يولد إنساناً ويولد سورياً قبل أن يكون سنّياً أو شيعياً، فعلينا أن نحافظ على إنسانيتنا وأن نحافظ على العلاقات وأن نحترم الجغرافيا التي ولدنا فيها وأن نحترم التاريخ الذي عشناه. فبدل أن أحاربك لأنك إيزيدي أو كردي، دعنا نعِش، فنقاط التفاهم كثيرة ونستطيع أن نراها. برأيي أن ثقافة الديموقراطية وقبول الآخر يلغيان المشاكل في سورية.

> هل أفهم أن سورية لن ترجع إلا على قاعدة قبول الآخر؟

– لن ترجع سورية إلا على تلك القاعدة. فما حدث أنه كانت هناك غرفة مغلقة مكتومة يعيش الناس فيها في سجن، الآن الأسوار التي كانت تحيط بهم تحطمت ويريد هؤلاء الناس أن يعيشوا ضمن تلك الغرفة، فما الحل؟ على الجميع أن يعودوا إلى تلك الغرفة برضاهم من دون أسوار ومن دون أقفال، والسبيل إلى ذلك الديموقراطية وقبول الآخر. فالكردي لن يقبل إذا كانت ثقافته غير مقبولة في سورية، والدرزي لن يقبل إذا لم يتمكن من التعبير عن طقوسه وتدينه وانتمائه، والمسيحي إن لم تكن لديه كنيسة فلا يستطيع العيش في سورية، والمسلم إن لم يكن لديه مسجده فلن يقبل، والأمر نفسه بالنسبة إلى الإيزيدي. لذلك، نريد منزلاً نعيش فيه أحراراً على أن يحترم كل منا الآخر لنعيش معاً.

> أنت إذاً تدعو إلى الانتقال من سجن كان اسمه سورية إلى بيت طبيعي اسمه سورية؟

– صحيح، أدعو إلى بيت طبيعي اسمه سورية نعيش فيه جميعاً برضانا مع حقوقنا الديموقراطية لنبني مستقبلاً لأبنائنا.

> تتحدث كأنّ «البعث» حوّل سورية سجناً؟

– بالطبع، سجن للمكونات وسجن للثقافات ولحريات الفرد، سجن لكل شيء. حتى البرامج الثقافية كان يتحكم فيها العسكر على مزاجهم، حتى الأغاني يتحكم فيها حزب البعث ويجب أن تكون في مديح الحزب أو شتم أعدائه. نريد للفن أن ينمو بحرية وأن تنمو الثقافة بحرية واللغات. لو فتِحَ الباب مثلاً لترجمة أشعار الشاعر الكردي جيغارخون إلى العربية لكانت ثروة ثقافية لسورية كلها.

> أنت ككردي، هل كنت تشعر بأنك غريب في ظل حزب البعث؟

– نعم، فهم لم يشعرونا بأننا مواطنون سوريون. كل يومين يتم استدعاؤنا إلى التحقيق، أنت فعلت كذا وكيت ولك علاقة بالتنظيم الفلاني. كنا دائماً محل شبهات «البعث». لم يشكك أحد بانتمائي إلى سورية، ولكن كانوا يتهمونني بأني أنشئ تنظيما كردياً وأنني ضد البلد وأنني عدو. يجب أن تكون هناك ثقة متبادلة.

 

اجتثاث الأكراد

> هل كان العداء للأكراد سياسة ثابتة ورسمية؟

– لم يكن عداء، بل كان محاولة اجتثاث للأكراد استناداً إلى دراسة كتبها محمد طلب هلال وبدأ تنفيذها العام 1962، واستمروا فيها حتى العام 2011. وهو كان ضابطاً في المخابرات السورية في الشعبة السياسية وطلع ببعض الوصايا التي أصبحت مثل ميثاق لكل الحكومات البعثية المتلاحقة حتى 2011.

> يتردد الآن حديث عن أن الحل يجب أن يحفظ مؤسسات الدولة السورية. هل أنتم مع حفظ الجيش والأجهزة؟ يقولون إن الحل يكون بتبديل 30 أو 40 شخصية.

– الحلول يجب أن تكون جذرية بحيث لا يبقى شيء من ملامح النظام السابق. أنا أعرف أن ضمن مؤسسات الدولة وزارات ومديريات تخدم الناس وتخدم الشعب، فتلك تجب المحافظة عليها. طبعاً، هناك المنشآت النفطية، وهناك مصفاة حمص والجسور على الفرات لخدمة الشعب، وسد الطبقة وسد تشرين. كل تلك مكتسبات للمجتمع السوري تجب حمايتها والحفاظ عليها. حقول النفط وآبار النفط هي كلها للمجتمع السوري ويجب الحفاظ عليها، فتدميرها يعني تدمير بنية الدولة. أما المؤسسات التي كانت تخدم السلطة، مثل الجيش وحزب البعث ووزارة الثقافة، فيجب تغيير قوانينها ويعاد تشكيلها لإنشاء مجتمع جديد على أفكار جديدة وذهنية جديدة وديموقراطية تقبل الجميع وتوفر مكاناً للجميع، هذا مقصدنا.

> ما رأيك في تجربة اجتثاث «البعث» في العراق؟

– كانت خطأ، لأنها انتهت بالتطرف، وأصبح كل مَن كان على أي صلة بالحزب معرضاً للإعدام، واتخذوها ذريعة لإعدام أبرياء كثيرين. أنا لست مع تلك التجربة.

> يبدو أن علاقتك وثيقة مع هيثم المناع.

– هو إنسان عزيز علينا، وأنا أعتبره قيمة سورية تجب المحافظة عليها، هذا مع تباين في الآراء في الكثير من الأمور.

> ألا تتخوف المعارضة السورية من أن تؤدي طروحاتكم إلى سورية ضعيفة؟

– هم يعتقدون أن انهيار الدولة القومية كارثة، في حين نحن نرى في ذلك أكبر مصدر قوة للشعب ولإظهار إرادة الشعب عبر الديموقراطية. سورية المكتومة الأنفاس الموجودة في ذلك السجن المغلق بالأغلال لن تكون أقوى من سورية حيث جميع الناس أحرار ويجمعون طاقاتهم وإمكاناتهم في سبيل خدمة قضية معينة. وأعطيك مثالاً من واقعنا، فـ «وحدات حماية الشعب» تصدت لـ «داعش» لأن ذلك موجود في إرادتها ولديها حريتها ولديها مبادرتها، لم تواجه لأجل رواتب أو معاشات ولم يتم تجنيد أفرادها في شكل إجباري، لذلك حققوا انتصارات. عندما تعطي شخصاً حريته فإنه يعطي أفضل ما عنده.

> وصفت وضع الجيش السوري بأنه مزرِ؟

– طبعاً مزرٍ، لأن الجنود يؤخذون غصباً عن إرادتهم، وحين تسنح لهم الفرصة يهربون لأنهم يجبَرون على خوض حرب هم غير مؤمنين بها.

 

المصدر: الحياة