صراع القوات الكردية و”داعش” على كسب قلوب الرقاويين قد ينتهي بقتل عشرات الآلاف..

في ليلة 21 مارس/آذار 2017، نقلت المروحيات الأميركية مقاتلين من مجموعة قوات “سوريا الديمقراطية” المعارضة في هجومٍ جريء على أحد السدود الاستراتيجية خارج مدينة الطبقة، على بُعد 20 ميلاً (32.2 كم) فقط غربي الرقة، عاصمة الأمر الواقع لـ”الخلافة” التي أعلنها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في شمال سوريا.

انتهت المعركة الأولى سريعاً. فمع تحليق مروحيات الأباتشي الحربية الأميركية مُوفِّرةً غطاء جوي من الأعلى، سيطرت قوات “سوريا الديمقراطية” على الجزء الجنوبي من سد الطبقة، الذي يُعرَف أيضاً بسد الفرات، خلال 3 أيام، حسب ما جاء في موقع ذا دايلي بيست الأميركي.

وذكر المقر الرئيسي للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة أنَّ “السيطرة على سد الطبقة سيعزل الرقة من 3 جهات، ويمنح قوات سوريا الديمقراطية ميزةً استراتيجية ونقطة انطلاقٍ لازِمةٍ لتحرير المدينة”.

وفي الوقت الذي استقرّ فيه الطرفان من أجل حصارٍ قد يطول، بدأ عمل أسلحة الدعاية الخاصة بكلٍ منهما.

وبكل المقاييس، انحسر القتال على الأرض. لكنَّ الحرب الكلامية تتصاعد بسرعة، إذ تحاول كلٌ من قوات “سوريا الديمقراطية” و”داعش” الاستفادة من السد وملايين الجالونات من المياه الموجودة في بحيرة الأسد التي تقف حجر عثرة في وجهها، وتزيد تحذيرات واتِّهامات المجموعات الناشِطة من الارتباك الناتج عن التدفُّق المُضطَّرب للمعلومات في المنطقة.

وليس من الواضح مَن من تلك الأطراف يقول الحقيقة. فكلا الطرفين المتقاتلين يرغبان في أن يُصدِّق العالم أنَّهما يحاولان الحفاظ على السد، وأنَّ الجهة المُقابِلة له هي التي تُسبِّب تداعيه، وإرسال موجة من المياه تُحطِّم ما يقابلها.

وكانت معركة الطبقة بطيئة. فمنذ بداية الحرب الأهلية، سيطر “داعش” على وسط سوريا منخفض الكثافة السكانية، بما في ذلك مدينة الطبقة وسُكَّانها الذين يقاربون 60 ألفاً. لكن خلال السنوات الأولى من الصراع، تمكَّن نظام بشار الأسد من أن يحافظ على سيطرته على قاعدةٍ جوية خارج الطبقة مباشرةً.

وفي أعقاب معركةٍ دمويةٍ في أغسطس/آب 2014، اجتاح “داعش” أخيراً القاعدة الجوية، وقطع بعد ذلك رؤوس نحو 200 جندي من قوات النظام أَسَرَهم هناك. وعلى مدار ثلاث سنوات، حافظ “داعش” على سيطرةٍ كاملة على الطبقة، ومطارها، وسدِّها.

وتُعَد المدينة بمثابة حاجز على الجانب الغربي من الرقة. ويُوفِّر السد الكهرباء لمئات الآلاف من سكان المدينة، بما في ذلك ربما الآلاف من مقاتلي “داعش”. وبحسب التحالف، استخدم التنظيم المُتشدِّد أيضاً السد كمقر قيادة، ومرفق تدريب، وسجن مؤقت.

وحتى بعد الهجوم الأخير لقوات “سوريا الديمقراطية”، لا يزال “داعش” يسيطر على الجزء الرئيسي من السد، بما في ذلك غرفة التحكُّم. وتسيطر (قوات سوريا الديمقراطية) على طرفي السد اللذين يتضمَّنان العديد من قنوات التصريف، وهي عبارة عن صمامات تنفيس يُمكنها أن تُطلِق المياه من بحيرة الأسد بهدف تقليل الضغط عن السد ذاته.

وتمنح سيطرة قوات “سوريا الديمقراطية” على قناة التصريف، والوجود شبه المستمر للطائرات الحربية الأميركية والحليفة في سماء الطبقة والرقة، التحالفَ سيطرةً كبيرة على مصير السد، وبالتالي مصير الرقة وغيرها من المجتمعات الموجودة على طول مجرى النهر.

وفي حال انهار السد، إمَّا من الأهمال أو نتيجةً للهجمات المُتعمَّدة عليه، فإنَّ مياه بحيرة الأسد يمكنها أن تُغرِق الرقة وتقتل أو تُشرِّد الآلاف. وحذَّرت الولايات المتحدة من أنَّ الفيضان الناجم عن تصدُّع السد قد يكون بحجم “الطوفان” الذي ورد ذكره في الكتب المقدسة. وهذا من شأنه بالتأكيد أن يجعل التحالف يظهر في صورةٍ سيئة ويُقوِّض أي دعمٍ شعبي يتمتّع به في سوريا.

لكن إذا كان السد سلاحاً، فإنَّه سلاحٌ ذو حدّين، وذلك مع وجود إمكانية لأن يلحق الضرر بكلا الطرفين، حيث يسعى كلٌ منهما إلى الحصول على شرعيةٍ بين السكان المحليين، ولا يمكن لأيٍ منهما أن يكون مُتأكِّداً من الطرف الذي سيختاره السكان المحليون لتحميله المسؤولية عن أي فيضان.

وبالتأكيد يُقدِّر “داعش” والتحالف تلك الحقيقة. ففي 2014، سيطر التنظيم المُتشدِّد لفترة قصيرة على سدٍ ضخم خارج الموصل في العراق، وكان هيكله، بحسب بعض الخبراء، في حالةٍ سيئة. وحقيقةً، لم يقم داعش بأية محاولاتٍ واضحة لإضعاف السد، واليوم يخضع الهيكل الضخم للسد لسيطرة الحكومة العراقية ويخضع لإصلاحاتٍ شاملة.

وخلال الأيام التي تلت تقدُّم قوات “سوريا الديمقراطية” في الطبقة، انقطعت الطاقة والمياه في الرقة بصورةٍ مفاجئة. وانتشرت شائعةٌ في أنحاء الرقة بأنَّ نظام سد الفرات قد توقَّف عن العمل وأنَّ الهيكل بأكمله مُعرَّضٌ لخطر الانهيار. وأعلن نشطاء من المرصد السوري لحقوق الإنسان أنَّهم “رصدوا حالةً من الارتباك والهلع” في الرقة، وأنَّ الكثير جداً من الناس حاولوا الفِرار من المدينة لدرجة أنَّ دوريات “داعش” لم تتمكَّن من إيقافهم جميعاً.

وأثَّر انقطاع الخدمات والقلق بشأن حالة السد بصورةٍ سلبية كبيرة على سُكَّان الرقة. وأفاد المرصد بأنَّ “حالة من الاستياء تسود” المدينة.

وقالت مجموعة “الرقة تُذبَح بصمت”، وهي إحدى المجموعات الناشِطة المناوئة لـ”داعش”، إنَّ قوات “سوريا الديمقراطية”، وبصورةٍ أوسع التحف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، كانوا يحاولون تعزيز مشاعر الاستياء هذه وتوجيهها إلى “داعش” على ما يبدو من خلال القصف المُتعمَّد للسد وتقويض التقارير الدقيقة عن حالة السد. وغرَّد حساب المجموعة على تويتر في 28 مارس/آذار، قائلاً: “يبدو أنَّ التحالف لا يرغب في أن يصلح المهندسون حالة الهيكل، وبالتالي يمكن أن تستخدمها كأداة ضغطٍ على داعش”.

وعزَّز “داعش” التصوُّر بأنَّ التحالف يحاول جعل سكان الرقة خائفين من السد، آملاً على ما يبدو في أن تُحقِّق حملة الدعاية الواضحة التي يقوم بها التحالف نتائج عكسية.

ففي 26 مارس/آذار، نشرت وكالة أعماق الموالية لـ”داعش” صوراً ادَّعت أنَّها التُقِطَت بعد غارةٍ جوية أميركية على غرفة التحكُّم في السد. وتضمَّنت الصور لقطاتٍ لما يبدو أنَّه لوحة تحكُّم محترقة، بالإضافة إلى صور لما تبدو أنَّها شظايا لقنبلة BLU-109 أميركية الصنع، وهي عبارة عن نوع من القنابل المُصمَّمة لتدمير الأهداف المُحَّنة بقوة، بما في ذلك السدود. نعم، السدود.

غير أنَّ توم كوبر، وهو خبير مستقل في شؤون سوريا، وألَّف عدّة كتب عن الحروب الجوية في الشرق الأوسط، أخبر موقع ذا ديلي بيست أنَّه يشكِّك في ادّعاءات داعش بأنَّ الأميركيين قد قصفوا غرفة التحكُّم باستخدام قنابل BLU-109. وقال كوبر: “انطباعي هو أنَّ هذا الدمار داخل غرفة التحكُّم لا يتناسب (مع الدمار الناتج عن) الضربات باستخدام تلك مثل هذه الأسلحة. إذ كانت هذه الأسلحة لتُدمَّر كل شيء في الداخل، وليس مجرد إحراقها”.

واعترف التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة بشن أكثر من 300 ضربة جوية في وحول الطبقة وبالقرب من الرقة منذ ديسمبر/كانون الأول 2016، لكنَّه نفى استهداف السد. فغرَّدت قيادة التحالف في 27 مارس/آذار، قائلةً: “إنَّ هذا التحالف ياَّخذ كافة الاحتياطات لضمان سلامة سد الطبقة. وحسب علمنا، لم يتضرَّر هيكل السد”.

وبالفعل، أعلنت قوات “سوريا الديمقراطية” أنَّ قواتها عملت بجد في 29 من مارس/آذار لإصلاح قنوات التصريف المُتضرِّرة التي تسيطر عليها قرب الطبقة، وأنَّها توقَّفت فقط لتحتمي من قصف “داعش”.

لكن حينما نشرت قوات “سوريا الديمقراطية” صورةً على موقع تويتر ادَّعت أنَّها تُظهِر أفرادها أثناء تفحُّصهم لقناة تصريف أو منشاة مماثلة، أصرَّت مجموعة “الرقة تُذبَح بصمت” على أنَّ الصورة كانت زائفة. وغرَّدت المجموعة: “إنَّها كذبة. هذا ليس سد الفرات”.

وانضمَّت “داعش” مرةً أخرى إلى المعركة الدعائية في 28 مارس/آذار حينما قدَّمت عرضاً للتظاهر بشأن وقف إطلاق نارٍ قصير مع قوات “سوريا الديمقراطية” بهدف إحضار أحمد الحسين، مدير السد، ليتفحَّص الهيكل الذي ادَّعى التنظيم أنَّ التحالف قد ألحق الضرر به.

لقد وقعت مأساة، أو هكذا كانت تريد مجموعة “الرقة تُذبَح بصمت” أن يعتقد العالم. فقد أفادت المجموعة الناشِطة بأنَّ غارةً جوية للتحالف استهدفت السد خلال زيارة الحسين، مُسفِرةً عن مقتل مدير السد. ولم يتمكَّن موقع ذا ديلي بيست من التحقُّق من مقتل الحسين.

وغرَّدت المجموعة قائلةً إنَّ التحالف، من خلال الهجوم المزعوم على السد والتستُّر على الهجمات، بوضوح من أجل تقويض الدعم المحلي لمقاتلي التنظيم الذين يسيطرون على الجزء الرئيسي من السد، فإن بذلك “يُخاطِر بحياة ملايين الناس في الرقة وسوريا”.

أو ربما يتحمَّل “داعش” مسؤولية المخاطرة بحياة أولئك الناس، وذلك من خلال محاولته، وبطيشٍ أحياناً، أن يلقي باللوم في الانهيار المُحتمل للسد على المعارضة (قوات سوريا الديمقراطية) وداعميهم الأميركيين، هذا إن كان السد قد تعرَّض فعلاً لأضرار كبيرة.

وفي هذا الاشتباك اللفظي حول السد الاستراتيجي الذي يُشرِف على عاصمة تنظيم “داعش” وآخر معاقله، تأتي الادِّعاءات سريعة كالطلقات. والحقيقة هي إحدى الضحايا المُحتملين لهذا.

المصدر:huffpostarabi