المرصد السوري لحقوق الانسان

صفقات النفط الأمريكية مع “قسد”.. أداة توطيد الوجود الأمريكي في سوريا

بلغ الصراع أوجه بين القوى الإقليمية والدولية في الاستحواذ على أكبر قدر من الثروات السورية، لا سيما مع مباغتة الولايات المتحدة الأمريكية لهذه القوى المتنافسة في الأراضي السورية، وارتباطها بتعاقدات في مجال النفط شرق الفرات. وعملت واشنطن على تشجيع الاتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية” قسد” في أواخر شهر يوليو/تموز 2020 وشركة النفط الأمريكية “ديلتا كريسنت إنيرجي”، والذي ينص على صيانة وتطوير وتحديث الحقول النفطية الواقعة ضمن مناطق سيطرة “قسد”، ويقضي بتأسيس مصفاتي نفط متنقلتين شرق الفرات، بحيث تنتجان حوالي 20 ألف برميل يومياً. ويذكر أن الشركة المعنية كانت قد أجرت في وقت سابق محادثات مطولة للحصول على ترخيص مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي “OFAC” بهدف العمل في سورية.

وبحسب معلومات المرصد السوري، فإن هناك عدد من العوامل التي يمكن أن تستند إليها الصفقة الأمريكية المبرمة مع الإدارة الذاتية في مناطق نفوذ “قسد”، وهي: إحكام سيطرة واشنطن على نفط الأراضي السورية الذي تنتشر معظم حقوله في محافظتي دير الزور والحسكة في شمال وشرق سوريا، والتي كان معظمها تحت سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية”، قبل أن تنتقل إلى سيطرة “قسد” بعد طرد عناصر التنظيم إلى الجيب الصحراوي للمنطقة في الباغوز، إلى جانب حرص الولايات المتحدة على جني العائد الأكبر من تجارة النفط السوري والاستئثار بها، وإثناء نظيراتها من القوى المتنافسة في سورية سواءً من الدولية كروسيا أو الإقليمية كإيران وتركيا. وقد بدا ذلك جليًا عندما أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون”، في أكتوبر 2019، عن وجود خطط جديدة لتعزيز الوجود العسكري الأمريكي في سورية، بحجة حماية حقول النفط في المناطق الشمالية الشرقية من السقوط مجددًا بيد تنظيم “الدولة الإسلامية”، واللافت أن ذلك التصريح جاء بعد إعلان الولايات المتحدة، في أكثر من مناسبة، نيتها الانسحاب الكامل من سورية.

كما تسعى واشنطن إلى ترسيخ تواجدها الدائم في سورية ليكون لها اليد الطولى في رسم الخريطة الجيوسياسية الجديدة في سورية مستقبلاً، ودليل ذلك إنشاء القوات الأميركية مطاراً جديداً في منطقة اليعربية بريف الحسكة الشرقي، وبناء قاعدة عسكرية أمريكية فى قرية “تل براك” التي تبعد 40 كم عن مدينة الحسكة في بداية شهر فبراير 2020، كما حولت القوات الأمريكية المتمركزة في محافظة دير الزور أحد المباني في حي غويران بالحسكة إلى موقع عسكري، لقطع الطريق أمام العسكريين الروس إلى أحد أهم مراكز إنتاج النفط فى سورية فى حقل الرميلان بريف الحسكة الشمالي الشرقي.

وفي سياق متصل، تعمل الولايات المتحدة على أن تظهر كداعم لقوات “قسد” لاستخدامها كورقة ضغط في مواجهة النظام السوري، لإخضاعه للاستجابة للمطالب التي تحقق المصالح الأمريكية في سورية، إضافة إلى حرص واشنطن على إبعاد القامشلي أكثر عن دمشق وتوسيع الهوة بينهما، وإنهاك النظام السوري بشكل مضاعف لا سيما بعد تطبيق قانون “قيصر” للعقوبات، وقطع الصلات مع “أثرياء الحرب” الذين قاموا بدور الوساطة لنقل النفط إلى مصفاتي حمص وبانياس في مناطق سيطرة النظام، من خلال خطوة سياسية لـلاعتراف بالإدارة الذاتية.

 

ردود الأفعال الإقليمية والدولية اتجاه الصفقات الأمريكية

أثارت الصفقة الأمريكية لاستثمار النفط بمنطقة شرق الفرات المبرمة مع “قسد” ردود أفعال غاضبة وساخطة، كان في مقدمتها رد فعل النظام السوري الذي أعلن في بيان نشرته وزارة خارجية النظام، عبر حسابها الرسمي على موقع “فيسبوك” 2/8/2020، والذي جاء كالتالي: “تدين الجمهورية العربية السورية بأشد العبارات الاتفاق الموقع بين ميليشـيات “قسد”، وشركة نفط أمريكية لسرقة النفط السوري برعاية ودعم الإدارة الأمريكية، وأن هذا الاتفاق يعد سرقة متكاملة الأركان، ولا يمكن أن يوصف إلا بصفقة بين لصوص تسرق ولصوص تشتري، ويشكل اعتداء على السيادة السورية واستمراراً للنهج العدائي الأمريكي تجاه سوريا في سرقة ثروات الشعب السوري وإعاقة جهود الدولة السورية لإعادة إعمار ما دمره الإرهاب المدعوم بمعظمه من قبل الإدارة الأمريكية نفسها”.

أما فيما يتعلق بالقوى الإقليمية والدولية المتنافسة في سورية، فقد علق المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإيرانية بأن هذا الاتفاق يعارض القانون الدولي، وينتهك سيادة سورية ووحدة أراضيها. كما رصد المرصد السوري في 29/7/2020، انتشار قوات “حزب الله العراقي” في بادية الميادين بريف دير الزور الشرقي برفقة آليات عسكرية، حيث عملوا على التوغل في منطقة دير الزور من خلال عمليات التجنيد واستقطاب الشباب بالإضافة لتقديم المساعدات للأهالي لكسب ودهم. ومن الملاحظ أن الموقف في دير الزور تجاه هذه الصفقة يختلف عن باقي مناطق نفوذ “قسد”، حيث يرفض الأهالي تواجد قوات “قسد” بصورة أو بأخرى، وكذلك هيمنتها على القرار في مناطق شرق الفرات، وفي هذا الإطار وثق المرصد اندلاع التوترات الأمنية في دير الزور وسقوط الخسائر البشرية، لاسيما من العاملين في المجال النفطي.

كما اكتفت كل من روسيا وتركيا بالانتقاد الظاهري للتعاقد النفطي الأمريكي لاستثمار النفط السوري مع “قسد”، وقد يرجع ذلك إلى محاولة الطرفين الحصول على أسهم لهما في هذه الشركة أو وجود أسهم لهما بالفعل، ولكن الدعم الأمريكي لـ”قسد” لا يزال يؤرق أنقرة التي تقرأ الصفقة على أنها بوادر انفصال مناطق نفوذ “قسد” عن الدولة الأم سورية، ونواة لتشكيل دولة تتجاوز المصالح التركية، وتهدد الأمن القومي التركي على طول الشريط الحدودي مع سوريا، مما أدى لتصاعد الهجمات التركية ضد قوات “قسد”، وأحدث منعطف في العلاقات التركية الأمريكية.

وبشكل عام، نجد أن سعي الولايات المتحدة للحصول على تعاقدات وصفقات في سورية ما هو إلا استمرار لمسلسل الاستنزاف الممنهج وسرقة مقدرات الشعب السوري وترسيخ للتواجد الأمريكي في البلاد، وهو ما تسعى إليه واشنطن للتفوق على منافسيها في سورية والحصول على مقابل لتواجدها في سورية من خلال اللعب على المصالح المتناقضة بين القوى المتنافسة كدعمها للأكراد في مواجهة النظام ودعمها لتركيا في مواجهة روسيا وإيران، إلا أنها تهدف في النهاية إلى تعظيم مكاسبها بأقل خسائر ممكنة.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول