صفقة “خطيرة وفتّاكة” في سوريا … كيف “استسلم” ترامب لبوتين؟

في خطوة من شأنها أن تفتح المجال لانعطافة أميركيّة كبيرة تجاه الأزمة في #سوريا، قرّر الرئيس الأميركي #دونالد_ترامب إنهاء برنامج تابع لوكالة المخابرات المركزيّة الأميركيّة “سي آي أي” لتسليح وتدريب المعارضة السوريّة. البرنامج الذي أطلقته إدارة الرئيس السابق #باراك_أوباما، حامت حوله شكوك كثيرة، بعد ازدياد عدد المجموعات المتطرّفة على حساب تلك المعتدلة واغتنام جزء من أسلحتها خلال المعارك. كما ساهم تناقض الأهداف والرؤى بين الوكالة من جهة ووزارة الدفاع من جهة أخرى في إضفاء مزيد من الشكوك حول هذا الموضوع.

فعلى سبيل المثال، في شباط 2016 قاتلت قوات سوريا الديموقراطيّة (قسد) المدعومة من وزارة الدفاع الأميركيّة مجموعة فرسان الحقّ المدعومة من “السي آي أي”. أتى ذلك في وقت كانت تشنّ روسيا غارات عنيفة على مختلف أطياف المعارضة بما فيها تلك المدعومة أميركيّاً. ضعف المعارضة المتوقّع في الشمال بعد القرار الأميركي دفع الباحث الكردي ديليمان عبد القادر بالترحيب بتلك الخطوة. فهو أوضح لمجلّة “نيوزويك” الأميركيّة أنّ قرار ترامب “يشير إلى فاعليّة قسد في الحرب السوريّة”. وأضاف أنّ “قدرة قسد على إضعاف داعش ومنع نظام الأسد من ضمّ مزيد من الأراضي في الشمال تثبت كونها الحلّ الأفضل في هذا الصراع للولايات المتحدة”. ولفت إلى “عدم فاعليّة” المقاتلين العرب و “انقسامهم الكبير”، فيما أثبت الأكراد أنّهم “حلفاء أوفياء ويمكن الاعتماد عليهم على المدى البعيد”. 

نيّة أميركيّة مزدوجة

الخبر الذي أوردته صحيفة “الواشنطن بوست” الأميركيّة من شأنه أيضاً أن يبعث رسالة إيجابيّة إلى الروس الذين يحاولون إيجاد حلّ سياسيّ في سوريا يقوم على تقسيمها افتراضيّاً إلى مناطق نفوذ لهم فيها الأفضليّة الراجحة. وكانت الصحيفة نفسها نقلت عن مسؤولين أميركيّين قولهم إنّ القرار الأخير الذي اتُّخِذ منذ حوالي الشهر، يعكس نيّة #واشنطن في إيجاد سبيل للعمل مع #موسكو وعدم حماس الإدارة الجديدة لفكرة رحيل الأسد.

وترافق هذا التطوّر مع أحداث أخرى في الميدانين العسكريّ والسياسيّ إضافة إلى ما ذكرته الصحيفة. فالتركيز الأميركي على محاربة داعش كأولويّة مطلقة لواشنطن لم يبدأ مع ترامب وإنّما مع سلفه. وبالتالي إنّ الفصل بين مساري التخلّص من داعش والأسد الذي اعتمدته الإدارتان جعل من تدريب الفصائل المعارضة هدفاً ثانوياً.

واقعان جديدان

كذلك، تزامن البحث في مرحلة ما بعد التنظيم الإرهابي مع واقعين جديدين على الأرض. يتمثّل الأوّل بما أعلنه المرصد السوريّ لحقوق الإنسان مؤخّراً عن سيطرة الجيش السوريّ على ما يعادل 40% من مساحة الأراضي السوريّة وهو تقدّم ميداني لافت قياساً بما كانت عليه الأمور في السنوات الأولى للنزاع. أمّا الواقع الثاني والمرتبط بالسياسة فهو اقتراب الروس من تحقيق مكاسب ملموسة في مؤتمرات أستانا المتلاحقة وخصوصاً في المؤتمرين الأخيرين. وهذا ما كاد يجعل من استمرار واشنطن في برنامجها يخلو من أيّ معنى، بحسب وجهة النظر الأميركيّة، علماً أنّ أعداد المقاتلين المشمولين بهذا البرنامج وصلت إلى حدود 15 ألف عنصر. يضاف إلى “خلطة” الأسباب هذه مرور العلاقة التركيّة الأميركيّة في مراحل توتّر مختلفة، في وقت كانت فيه أنقرة شريكاً أساسيّاً لواشنطن في برنامج التدريب خلال السنوات الماضية.

صفقة “خطيرة وفتّاكة”

الصحافي المقيم في تركيا والحائز على جائزة “بوليتزر” للتحقيق الدوليّ روي غوتمان نقل عن محلّلين غربيّين مقارنتهم لإيقاف ترامب هذا البرنامج بطريقة تعامله مع المتعاقدين والموظّفين لديه بقطع العلاقة معه من دون سابق إنذار. وفي مقاله ضمن موقع “ذا ديلي بيست” الأميركي رأى أنّ هنالك خطورة في تلك الخطوة: “إنّها صفقة خطيرة وفتّاكة”. فالمقاتلون على الأرض علموا بهذا الخبر من وسائل الإعلام فقط. علماً أنّ ضبّاطاً قالوا له إنّ المقاتلين المشمولين بالبرنامج لم يقبضوا رواتبهم عن شهر تمّوز، مع إشارة إلى أنّ مجموعة منهم لا يتلقّى مقاتلوها أكثر من 125 دولاراً في الشهر للفرد الواحد. من جهة أخرى، تتقدّم جبهة النصرة في الشمال السوري وتحديداً في #إدلب على حساب مجموعات معارضة “أكثر اعتدالاً نوعاً ما” وقد اقتربت من الحدود التركيّة. وهذا يمكن أن يؤدّي إلى تدخّل عسكريّ تركيّ بحسب الباحث. ورأى أنّه أمكن للمجموعات المشمولة بالبرنامج أن تحارب القاعدة لو كان البرنامج أكثر جدّيّة.

قلّة بصيرة

وأثار الإعلان عن هذا الخبر سجالاً داخليّاً في الولايات المتحدة. فالديموقراطيّون انتقدوا تلك الخطوة بوصفها هديّة لبوتين، خصوصاً أنّ الإعلان تزامن مع حديث الصحافة الأميركيّة عن اجتماع سرّيّ ثانٍ للرئيسين الأميركي والروسي في اليوم الأخير من قمّة مجموعة العشرين. ولم يكن الجمهوريّون أقلّ حدّة في التعاطي مع قرار ترامب. السيناتور ليندسي غراهام وصف ما حدث بأنّه “استسلام كامل” لدمشق وطهران وموسكو.

السيناتور جون ماكّين الذي أعلن الأبّاء مؤخّراً إصابته ب “ورم خبيث” في الرأس لم يوفّر فرصة في انتقاد تارمب واصفاً خطوته بأنّها تعبّر عن “قلّة بصيرة” في غياب استراتيجيّة واضحة تجاه سوريا. وشدّد ماكّين على أنّ قرار ترامب ب “التنازل” لمصلحة روسيا هو “غير مسؤول” داعياً إلى أن تكون إزاحة الأسد عن السلطة “جوهراً أساسيّاً” في الاستراتيجيّة الأميركيّة.

وتخوّف ضابط في الجيش السوريّ الحرّ في حديثه إلى وكالة “رويترز” الأميركيّة من أن يؤدّي قرار ترامب إلى “إطلاق انهيار المعارضة المعتدلة” ممّا سيقوّي شوكة الأسد والمجموعات الإرهابيّة على حدّ تعبيره. وأشار إلى أنّ الجيش الحرّ سيتأثّر كثيراً خصوصاً في شمال وجنوب سوريا.

ربح بوتين

لا شكّ في أنّ قرار ترامب سيساعد واشنطن وموسكو على التعاون أكثر فوق الأراضي السوريّة. لكن من غير الضروري أن تنقسم منافع هذا التعاون بالتساوي بين الدولتين. فعلى الأرجح سيصبّ هذا الأخير، مرّة أخرى، لصالح العاصمة الروسيّة التي باتت تملك معظم مفاتيح اللعبة السياسيّة في سوريا. لا أدلّ على ذلك أكثر من كلام مسؤول حاليّ في البرنامج اشترط عدم الكشف عن اسمه في حديثه مع “الواشنطن بوست”: “بوتين ربح في سوريا”.

المصدر: النهار