صورة قاتمة للاجئين السوريين

لا يزال حديث المهاجرين أو اللاجئين أو الاثنين معًا (ليس كل المهاجرين لاجئين لكن العكس صحيح لغويًا وعمليًا) هو الشغل الشاغل في الصحافة؛ وكان الموضوع الذي احتل معظم فترة بعد الظهر الاثنين الماضي، عندما قدم رئيس الوزراء ديفيد كاميرون تصريحه أمام مجلس العموم بعد عودة البرلمان من العطلة الصيفية. التقاليد الديمقراطية تلزم الوزير عند اتخاذ قرارات أثناء عطلة البرلمان أو عندما يكون خارج البلاد بأن يقدم تصريحًا كاملاً للنواب في أول جلسة ممكنة ويتعرض للمساءلة.
اختلط الأمن بالاقتصاد بالقانون بالمهاجرين والقضايا الإنسانية في جلسة واحدة (عقد مجلس العموم جلسة أخرى لمناقشة طارئة لحركة المهاجرين في أوروبا واستجابة بريطانيا لها في اليوم التالي الثلاثاء 8 سبتمبر/ أيلول).
رئيس الوزراء تصرف بحكمة عندما لم يستجب للضغوط الأوروبية بقبول حصة (كوتة) من المهاجرين يفرضها الاتحاد الأوروبي، وللضغوط العاطفية من الصحافة اليسارية والمعارضة بفتح أبواب بريطانيا على مصراعيها استجابة لرأي عام أثير عاطفيا بصورة الطفل الغريق إيلان كردي. رئيس الوزراء قال إنه سيقبل 20 ألف لاجئ سوري في هذه الدورة البرلمانية (الحكومة المنتخبة في النظام البرلماني تحدد فترة تنفيذ وعودها بالدورة البرلمانية، فقد يفصلها الناخب من وظيفتها كحكومة في الانتخابات التالية) ليس من الذين يتوافدون بالقوارب على شواطئ أوروبا، بل من معسكرات اللاجئين على الحدود السورية في لبنان والأردن وتركيا. وهناك أولوية. الأطفال اليتامى الذين فقدوا ذويهم نتيجة الحرب في سوريا، والضعفاء أي من هم في حاجة إلى علاج طبي أو تعرضوا لتجارب تركت عاهات جسدية أو نفسية، ثم حاجات الأسر.
بريطانيا استجابت للعقل لا للعاطفة. فالتصريحات العاطفية أو ذات الطابع الآيديولوجي لإحراز مكاسب سياسية في الصراع بين تياري الاتحاد الأوروبي (الوحدة الفيدرالية التي تقودها ألمانيا والمجموعة الفرانكفونية اللاتينية وبيروقراطية بروكسل، في مواجهة تيار الأقلية ومقدمته بريطانيا بتعديل المعاهدات للعودة إلى سوق مشتركة فقط) ضررها أكثر من نفعها. وحتى لو استوعبت أوروبا اليوم مليونًا ومثله في العام المقبل، فهناك ملايين يفوقون عدد سكان بلدان أوروبا مجتمعة يريدون الهجرة لبريطانيا. التلويح براية الترحيب تعني ازدياد مكاسب مهربي البشر وغرق المزيد.
المشكلة أظهرت فشل مشروع الوحدة الأوروبية واستحالة أن ترضى الشعوب – في شكل حكوماتها المنتخبة – بسياسة موحدة تفقدها السيطرة على حدودها وأمنها القومي.
ولن نكرر ما ذكرناه على هذه الصفحات من قبل. فالغالبية العظمى من الوافدين إلى أوروبا مهاجرون اقتصاديون من بلدان أفريقية وآسيوية ليس فيها صراع مسلح أو اضطهاد عنصري، والسوريون بينهم أقلية وليسوا أغلبية. الصورة المأساوية للطفل الغريق إيلان كردي أججت المشاعر العاطفية وسلطت الضوء على أزمة «اللاجئين» السوريين. أتعمد استخدام أزمة وليس مأساة، كما أتحفظ هنا على كلمة لاجئين.
عندما طالبت هارييت هارمان، الزعيمة المؤقتة للمعارضة (لم يكن حزب العمال انتخب زعيمًا بعد) رئيس الوزراء كاميرون، بضرورة «استضافة لاجئين سوريين وصلوا أوروبا بالفعل لإعطائهم ملجأ آمنًا من الخطر»، فاز المستر كاميرون عليها في المناظرة الأسبوعية بينهما يوم الأربعاء الماضي بالقول إن السوريين الذين وصلوا أوروبا أصبحوا في ملجأ آمن بالفعل ولا يتعرضون للخطر، وسياسته هي استحضار 20 ألفًا أغلبهم من الأطفال من على الحدود السورية يتعرضون للخطر بالفعل هناك.
وكان عدد من كبار نواب المحافظين، بينهم وزير الدفاع السابق في حكومة كاميرون الأولى، طالبوا بالعمل مع الحلفاء الإقليميين في إنشاء منطقة آمنة في شمال سوريا لإيواء السوريين الهاربين من بطش «داعش» أو من المعارضين للنظام والفارين من مناطق سيطرته.
لكن لم يعطِ البرلمان الأمر وقتًا كافيًا للمناقشة كما أن رقم 10 داوننغ ستريت (مكتب رئيس الوزراء) في مناقشته اليومية مع الصحافيين بذل أكبر مجهود في إبعاد الصحافة عن مناقشة الأمر بشكل جدي. كما أن تطورًا آخر أبعد محور الاهتمام السياسي بالقضية عن فكرة المناطق الآمنة بعد إعلان استهداف سلاح الجو الملكي لإرهابيين من مسلمي بريطانيا التحقا بـ«داعش» وتمت تصفيتهما بصاروخ أطلقه drone أو دبور (لا أدري لماذا تستخدم الصحافة العربية «طائرة دون طيار» بينما كلمة واحدة دبور أي ذكر النحل هي الترجمة المباشرة؟ وسبب التسمية drone أن الطائرة مثل ذكر النحل يوجه من بعيد عن طريق إشارات من ملكة الخلية وتنتهي حياته بانتهاء الوظيفة) داخل الأجواء السورية.
وقد أثار الأمر هياج النواب والقانونيين، رغم أن رئيس الوزراء قال إنه استشار محامي عام الحكومة، وقال إنه لا اختراق للقانون، لأن الإرهابيين شكلا خطرًا على مواطني بريطانيا (المادة 51 حق الدفاع عن النفس بضربات استباقية) مع وجودهما في منطقة لا سيطرة لدولة معترف بها عليها واستحالة وجود آلية لاستدعائهما أو إجبارهما على المثول أمام العدالة.
النواب ذكروا رئيس الوزراء أن البرلمان صوت منذ أكثر من عام برفض التدخل العسكري في سوريا، وكيف تتجرأ الحكومة وتنفذ عملية عسكرية أمر بها وزير الدفاع بلا استئذان البرلمان مقدمًا؟
المؤسسة الليبرالية اليسارية في بريطانيا حولت مسألة حقوق الإنسان بشكل أكاديمي نظري بحت إلى صناعة كاملة تدر على المحامي من هذه الجمعيات الملايين التي يتحملها دافعو الضرائب.
أثارت هذه الجمعيات خاصة في المنابر اليسارية كالـ«بي بي سي» و«القناة الرابعة» و«الغارديان» انتهاك حقوق الإنسان لإرهابيي «داعش»، «باغتيالهما» بصاروخ بريطاني دون مثولهما أمام محاكمة عادلة؛ وتناسوا السبايا من الكرديات واليزيديات وغيرهن اللاتي اغتصبهن «مقاتلو داعش» (لا تستخدم «بي بي سي» وأخواتها اليساريات تعريف إرهابيين بل مقاتلين وأحيانا متشددين)، أو الأطفال والشباب الذين اجتثوا رؤوسهم.
أغرق الجدلان القانوني والبرلماني الصحافة والمراقبين في متاهات قانونية ولوائح برلمانية على حساب منطقة آمنة للسوريين على الحدود. أقلية ذكرت أن منطقة الحظر الجوي في شمال العراق ووجود قوات تحالف أرضية في 1992 أسرعت بعودة قرابة مليون نازح كردي من الجبال ومن إيران وسوريا وتركيا إلى بلادهم بخسائر طفيفة في الأرواح وكانت أعداد اللاجئين منهم إلى أوروبا لا تذكر. المنطقة العازلة مكنت الأكراد من تأسيس حكم ذاتي بنظام برلماني هو الأفضل في المنطقة كلها، وصحافة هي الأكثر حرية إقليميا ومساواة بين الجميع سنوات طويلة قبل سقوط البعث ولا تزال كردستان هي أكثر مناطق العراق هدوءًا واستقرارًا.
إقامة منطقة عازلة تتطلب تكثيف الطيران بحظر جوي فوق شمال سوريا. لا يتحمس سوى الفرنسيين وبإمكان الرئيس فرنسوا هولاند تأمين موافقة الجمعية الوطنية وهو ترف لا تتمتع به حكومة كاميرون التي لن تطرح حتى توسيع الطيران ضد «داعش» إلى داخل سوريا أمام مجلس العموم إلا قبل موافقة جميع الأحزاب داخله وهو أمر شبه مستحيل بالأرقام الحالية.
وحتى إذا تم الاتفاق، فهناك شكوك حول نيات تركيا الحقيقية لأن العمليات العسكرية ستتم من أرضها؛ والعائق الأكبر سيبقى استصدار قرار مجلس أمن تحت الفصل السابع. «الفيتو» الروسي جاهز بسبب دور الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي في تأجيج الأزمة الأوكرانية واستفزاز الرئيس بوتين.
عادل درويش
المصدر : الشرق الاوسط