طلاب الجامعات في مناطق “الإدارة الذاتية”.. مستقبل دراسي مجهول بسبب عدم الاعتراف بالجامعات وصعوبة الانتقال لمناطق أخرى

يجد طلاب الثانوية في مناطق شمال شرق سوريا أنفسهم أمام معضلة كبيرة بعد انتهاءهم من الدراسة الثانوية والانتقال للمرحلة الجامعية، وتكمن المعضلة في عدم القدرة على الدراسة في جامعات خارج المنطقة من جهة، ومن جهة أخرى عدم وجود اعتراف بالجامعات التابعة “للإدارة الذاتية” ما يجعل مصير مستقبلهم الدراسي مجهول حيث تسبب ذلك بتراجع الرغبة لدى فئة الشباب بالدراسة بسبب هذه المشكلة التي تواجههم.
جامعات “الإدارة الذاتية” المنتشرة في مناطق شمال شرق سوريا لا تحظى باعتراف لدى حكومة النظام السوري أو مناطق الشمال السوري أو الجامعات الدولية لذلك فإن الخيار الوحيد أمام آلاف الطلاب الذين ينهون مراحلهم الدراسية الثانوية هي القبول بالواقع المفروض عليهم ومتابعة الدراسة مع علمهم بأن احتمالية الاعتراف بهذه الجامعات مستقبلاً ضعيفة ما يجعلهم يخضعون للأمر الواقع بتقبل فكرة عملهم بتخصصاتهم بعد التخرج من الجامعة ضمن مناطق “الإدارة الذاتية” شمال شرق سوريا فقط، في حين يطالبون “الإدارة الذاتية” بتحسين واقع القطاع التعليم وإتاحة المزيد من الفرص أمامهم.
وتشهد مدينة الرقة شمال شرق سوريا تراجعاً في أعداد الطلاب المتقدمين للشهادة الثانوية بسبب توجه الكثير منهم للدراسة في مناطق سيطرة النظام السوري، في حين تحاول “الإدارة الذاتية” من خلال ” هيئة التربية والتعليم” في إقليم الجزيرة وضع تسهيلات أمام الطلاب الذين ينتهون من دراسة المرحلة الثانوية، حيث تم افتتاح نحو 15 مدرسة مهنية إضافة للعديد من الجامعات التي تضم أقسام علمية وأدبية، كما تم إنشاء العديد من المعاهد ومعهدين لإعداد المدرسين “إقليم الجزيرة” لتكون جاهزة لاستقبال الطلاب المنتهين من دراسة المرحلة الثانوية.
وتحدث الشاب (أ.ك) المقيم في مدينة الطبقة في ريف الرقة للمرصد السوري لحقوق الإنسان قائلاً، أن الهاجس الذي يعيشه طلاب المدارس الثانوية والجامعات نابع عن حاجتهم للعمل بعد الانتهاء من الدراسة في ظل عدم وجود اعتراف دولي أو محلي بالجامعات حتى على مستوى حكومة النظام السوري، ومن ناحية أخرى فإن سنوات الدراسة تكلف الطالب الكثير من المصاريف المالية والجهد فلا بد من وجود تخوف لديه من عدم وجود اعتراف بشهادته الجامعية وهذا شيء طبيعي.

مضيفاً، ومن جهة أخرى هناك صعوبات عديدة تواجه سير العملية التعليمية من ضعف الدعم الموجه للقطاع التعليمي وعدم وجود مدارس وجامعات كافية وغيرها من الصعوبات التي تؤثر على الطلاب الذين انقطع الكثير منهم عن التعليم لفترة طويلة في بداية الأحداث في سوريا وما شهدته المنطقة من معارك ونزوح داخلي متكرر، ورغم ذلك فهناك حالة من التفوق ومواجهة التحديات لدى فئة جيدة من الطلاب.
ويلفت إلى أن المطالب الآن تكمن بضرورة وجود اعتراف بالشهادات الجامعية الصادرة عن جامعات “الإدارة الذاتية” ولاسيما من الدول المجاورة ومناطق النظام السوري إضافة لتوجيه الدعم اللازم للقطاع التعليمي والارتقاء به للمستوى المطلوب، وتوفير فرص عمل للخريجين بما يتناسب مع اختصاصاتهم لعدم جرهم لمغادرة سوريا بحثاً عن فرص عمل جيدة.
أما المدرس (و.ح) المقيم في مدينة الحسكة فيرى خلال حديثه للمرصد السوري لحقوق الإنسان، بأنه ورغم الإمكانيات الضعيفة التي تعاني منها الجامعات وعدم وجود اعتراف رسمي بها والصعوبات التي يعانيها القطاع التعليمي بشكل عام إلا أن الشهادة التي يحصل عليها الخريج كافية ليعمل ضمن منطقته باختصاصه ما يعود بالنفع على بلده رغم أن فرص العمل قليلة والأجور متدنية لكن يجب على الجميع التحمل والتأقلم بعد مرور كل هذه السنوات من الحرب.
ويبين أن الواقع المعاش ليس كما يرغب الشبان فمن حق أي خريج جامعي بعد سنوات الدراسة أن يبحث عن مستقبله حتى في مشروع سفر خارج البلد لكن يجب من الناحية الثانية التفكير في مساوئ هجرة الشباب خارج البلد وعدم نفع المنطقة باختصاصاتهم وهنا لابد من تكثيف الجهود من قبل “الإدارة الذاتية” لتوفير فرص عمل مناسبة ورفع حد الرواتب بما يتناسب مع الوضع الاقتصادي وهذا أهم من الاعتراف بالجامعات، مؤكداً بأنه يرفض فكرة السفر خارج بلده بهدف إكمال دراسته العليا بسبب رغبته بالبقاء والعمل في منطقته فهو يعمل كمدرس لمادة “الرياضيات” لطلاب المرحلة الابتدائية منذ العام 2018، ويأمل أن يتم رفع الرواتب لتتناسب مع ارتفاع الأسعار بشكل عام ولا في ظل عدم قدرة المدرس أو الموظف العمل بشكل مثالي ومتقن وعدم البحث عن فرصة عمل إضافية.

وتسعى “منسقية الجامعات في شمال شرق سوريا” التابعة “للإدارة الذاتية لحصول الجامعات التابعة لها على الاعتراف الدولي، حيث صرحت “روهان مصطفى” الرئيسة المشتركة للمنسقية بتاريخ 5 آب/ أغسطس من العام 2021 الفائت، بأن المنسقية تسعى لعقد اتفاقيات مشتركة واعتراف من قبل الجامعات العربية والعالمية بهدف تطوير العلاقات وتبادل الخبرات الأكاديمية، مؤكدة بأن الاعتراف بالجامعات له أسس ويهدف لتمكين الخريجين الجامعيين من السفر للدول لإكمال دراساتهم العليا أو الحصول على وظائف في القطاعين الخاص والحكومي.

وتتبع “للإدارة الذاتية” في شمال شرق سوريا العديد من الجامعات مثل “جامعة الشرق” في مدينة الرقة التي افتتحتها الإدارة الذاتية في شهر آب/ أغسطس من العام 2021 الفائت، و”جامعة كوباني” التي تأسست بتاريخ شهر أيلول/ سبتمبر من العام 2017 و”جامعة “روجافا” في مدينة القامشلي التي افتتحت بتاريخ شهر تموز/ يوليو من العام 2016، إضافة للعديد من المعاهد والمدارس المهنية.
ولا تنحصر التحديات التي تواجه طلاب المرحلة الثانوية فقط في عدم حصول الجامعات على الاعتراف، بل إن القطاع التعليمي ضمن مناطق شمال شرق سوريا يشهد تراجعاً ملحوظاً حيث يعاني المدرسون العاملين ضمن مدارس “الإدارة الذاتية” شمال شرق سوريا من صعوبات عديدة تتمثل في انخفاض مستوى الرواتب الشهرية ونقص المستلزمات المهمة لحسن سير العملية التعليمية، وقد شهدت الفترات الماضية عدة إضرابات عامة عن التعليم نفذها المدرسون في كل من محافظات دير الزور والرقة والحسكة احتجاجاً على عدم توجيه الاهتمام لهم من قبل “الإدارة الذاتية”.
ونفذ العديد من المدرسين بتاريخ 8 آذار/ مارس الماضي إضراباً عاماً عن التعليم في عشرات المدارس الواقعة في مناطق ريف دير الزور الشرقي إضافة لمشاركة مجمعات تربوية أخرى في الإضراب مثل منطقة منبج وريف الحسكة الجنوبي ومجمع القحطانية ومدارس أخرى في مدينة الرقة، وطالب المدرسون بزيادة حد رواتبهم الشهرية وتثبيتها بالدولار الأمريكي نظراً لانخفاض قيمة الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي وعدم استقرار سعر الصرف.

كما طالبوا بالسماح للمدرسين بالعمل الإضافي بما لا يتعارض مع الدوام المدرسي، وتفعيل دور “نقابة المعلمين” بشكل جيد، وطالبوا بوجود تنسيق بين الرقابة والقطاع الصحي لتعويض المدرسين بدل عن إجراء معاينات وعمليات جراحية، كما وسبق أن نفذت الكوادر التدريسية ضمن مناطق “الإدارة الذاتية” العديد من الإضرابات والوقفات الاحتجاجية للمطالبة بتحسين القطاع التعليمي.

ويجدر بالذكر بأن جميع الجامعات الواقعة خارج مناطق النظام لا تحظى باعتراف دولي رسمي بما في ذلك الجامعات الواقعة ضمن مناطق سيطرة الفصائل الموالية لتركيا في ريف حلب الشمالي ومناطق سيطرة “هيئة تحرير الشام” في إدلب وريفها شمال غربي سوريا، ويعاني جميع الطلاب السوريين في هذه المناطق من ذات المعضلة متخوفين من مستقبلهم الدراسي المجهول.