ظروف الثورة والتغيير تتجدد في الشرق الأوسط

الشعوب العربية مستمرة في دفع فاتورة الثورة في عالم يرفض التغيير ويصر على استمرار اوضاعه الراهنة. ابتداء من ليبيا مرورا بمصر وسوريا واليمن وصولا إلى البحرين تتواصل معاناة الذين ملأوا شوارع العواصم صخبا بهتافاتهم المدوية التي لم تبق إلا اصداء خافتة منها. يومها كانت تلك الهتافات تعبيرا عن قلب عربي نابض، يتطلع إلى الحرية والكرامة والتحرر من القيدين الاساسيين اللذين التفا حول عنق شعوبها منذ سبعة عقود تقريبا: الاستبداد والاحتلال. تلك الثورات كشفت المستور من الاوضاع المزرية في منطقة تتوسط العالم وتربط القارات وتختزن اكبر احتياطي من النفط. لكنها بالاضافة للاحتلال الذي تجاوزت آثاره أرض فلسطين، تنوء باعباء الهيمنة الغربية التي تواصلت بعد انتهاء حقبة الاستعمار والوصاية والحماية.
ففي الوقت الذي كانت الهند تنزع فيه لباس الاستعمار البريطاني وتتحول إلى اكبر ديمقراطية في العالم، كان العالم العربي يخلع لباس الاستعمار، ليس لكي يتحرر بل ليعيش مأساة احتلال لاقدس اراضيه وهيمنة انكلو ـ أمريكية على كافة اراضيه، وانظمة حكم مستبدة هيمنت على اغلب شعوبه. كانت الشعوب العربية، وما تزال، ممنوعة من التعبير عن آلامها المبرحة الناجمة عن تلك الظواهر التي تخلصت دول العالم منها. وحينما استفاقت في لحظة تاريخية نادرة وعبرت عن آلامها وآمالها تعرضت لأبشع اساليب القمع وأكثرها توحشا. وما ظاهرة الإرهاب التي تجاوزت في قسوتها اية معاملة سابقة، إلا واحد من العقوبات التي تتعرض لها بسبب تمردها على السعي لكسر جدار الصمت المفروض عليها منذ الحرب العالمية الثانية. وبعد كل حرب مع العدو، أيا كانت نتائجها، يتضاعف هذا العقاب ويزداد توحش الاستبداد. فليس مسموحا لهذه الامة ان تعبر عن حزنها حين تهزم جيوشها في الحروب مع الكيان الاسرائيلي. عوقبت مصر بفرض حكم عسكري فاق في توحشه ما سبقه من انظمة، وعوقبت ليبيا بالتفتيت والإرهاب، وعوقبت سوريا بحمامات دماء لا تنضب، وعوقب اليمن بحرب كادت حوادثها تعصف بالامم المتحدة، المنظمة الكبرى في التاريخ العالمي المعاصر. والعقوبات المفروضة على الشعوب التي ثارت تشترك فيها قوى الثورة المضادة التي ما برحت تكثف العقوبات عليها بالقمع السلطوي تارة والإرهاب والطائفية والتفتيت والخداع. وللمرة الاولى يلعب كيان الاحتلال الاسرائيلي دورا محوريا في تخطيط سياسات القمع واساليبه، واعادة تشكيل العقل العربي بعيدا عن القيم التي التزم بها كالحرية والاستقلال ورفض التبعية والتقسيم. هذا العقل تمرد على محاولات تحجيم الامة بتفتيتها وفق خطوط التمايز العرقي او الديني او المذهبي. لكنه في مرحلة «الثورة المضادة» انقلب على نفسه وألغى ثوابته واستسلم للامر الواقع واختار الخروج عن مساره في اجازة غير محددة الامد.
ومن بين الشعوب التي يستمر دفعها فاتورة «التمرد» على الوضع القائم، شعب البحرين الذي تتواصل معاناته منذ اكثر من خمسة اعوام. وما الاجراءات الاخيرة التي اتخذتها حكومته إلا مؤشر لعمق رفض التغيير، ليس من قبل الحكام فحسب، بل من قبل تحالف قوى الثورة المضادة. فعندما انطلقت ثورة شعبها في الرابع عشر من شباط/فبراير من العام 2011، اي في ذروة الربيع العربي، كان عالم العرب يعيش مناخا مفعما بالأمل والتطلع للحرية، ومؤسسا على ثوابت انسانية ودينية واخلاقية وسياسية. خرجت الجماهير مطالبة بالاصلاح والتغيير للمساهمة في انهاء الحقبة السوداء التي خيمت على المنطقة سبعين عاما. فلم يكن للتطرف او العنف او الطائفية او الاستعانة بالاجنبي مكان في اجندة المشاركين فيها، تماما كبقية ثورات الربيع العربي. ونظرا لأن تلك الظاهرة فاجأت الجهات التي تعتقد انها المتضرر الاكبر من تلك الحراكات الشعبية لم تكن قادرة على اتخاذ موقف حاسم ازاءها، فقدمت بعض التنازلات أملا في اطفاء لهيبها بانتظار مشروع مضاد كان قيد الاعداد.
وما هي إلا بضعة اسابيع حتى وضع مشروع الثورة المضادة موضع التنفيذ ليوصل الوضع إلى ما يعيشه عالمنا العربي اليوم. تعرضت ثورة البحرين كغيرها للقمع بكافة الاساليب، خصوصا بعد تدخل قوات من الدول المجاورة لدعم النظام ومنع التغيير. فاعيد فتح السجون حتى اكتظت بساكنيها. ويقدر عدد السجناء السياسيين في هذا البلد الصغير باكثر من 4000، اغلبهم محكوم اما بالاعدام او السجن المؤبد او فترات تصل إلى خمسة عشر عاما او سحب الجنسية والابعاد. وتوازى مع سياسة القمع مشاريع ثلاثة ذات اهمية في توجيه الامور لاحقا: امني بمساعدة بريطانية مباشرة ادى لانتهاكات تحدث عنها الاسبوع الماضي المفوض السامي لحقوق الانسان في كلمته الافتتاحية للدورة الثانية والثلاثين لمجلس حقوق الانسان، وإعلامي تشارك فيه وسائل إعلام قوى الثورة المضادة، وحملة علاقات عامة استخدمت فيها الشركات الغربية على نطاق واسع. اما الجانب السياسي فقد تكفلت به الحكومة البريطانية التي تصدت للمنظمات الدولية ومارست دبلوماسية فاعلة منعت صدور مواقف دولية مؤثرة خصوصا من قبل دول الاتحاد الأوروبي.
الملاحظ ان كافة الوسائل المذكورة لم تؤد لوقف الحراك الشعبي في البحرين الذي استمر بشكل يومي على كافة الأصعدة: الميدانية والحقوقية والإعلامية. وكان من اولى محاولات احتواء الآثار الإعلامية لسياسات القمع، تشجيع حكومة البحرين على السماح بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق برئاسة الاخصائي بالقانون الدولي وحقوق الانسان، الدكتور شريف بسيوني. وبعد زيارات ميدانية في صيف العام 2011 اصدرت «اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق» تقريرها وقدمته لملك البحرين في تشرين الثاني/نوفمبر من ذلك العام، واشتمل التقرير على وصف دقيق اتسم بقدر من الموضوعية بالاضافة لـ 26 توصية.
اكد ذلك التقرير الذي دفعت الحكومة تكاليف اعداده كلها حدوث مخالفات وانتهاكات لحقوق الانسان مؤكدا وجود ما اسماه «تعذيب ممنهج» واعتقال تعسفي وتمييز بين المواطنين. وربما الاهم ان التقرير اكد عدم وجود صلة لإيران بما جرى. كان حلفاء الحكم يأملون ان يؤدي ذلك التقرير إلى صيغ سياسية وحقوقية توافقية بين الحكم والشعب. ولكن بعد خمس سنوات على صدوره ادرك هؤلاء الحلفاء ان ذلك لم يحدث وان الوضع يزداد توترا. فاستدعي راعي التقرير، الدكتور بسيوني للبحرين الشهر الماضي والتقى المسؤولين، ثم اصدر على موقعه الشخصي افادة بان عشرا من التوصيات فقط قد تم تنفيذها، الامر الذي اعاد السجال حول مدى امكان تنفيذ بقية التوصيات.
من هنا ليس معلوما دوافع الحكم لشن حملة امنية مكثفة في الاسبوعين الاخيرين فاجأت الكثيرين الذين كانوا يعتقدون ان الامر قد استتب للحكم وان الثورة قد قضي عليها تماما. وكان لزيارة وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، للمنامة في نيسان/ابريل اثر مباشر على التطورات اللاحقة، لأن واشنطن تعرضت لضغوط داخلية وخارجية لتحريك مسارات الحل. فنجم عن زيارته وعد رسمي باطلاق الناشطة زينب الخواجة التي كانت معتقلة مع رضيعها. ولكن اتضح الآن ان الافراج عنها كان مشروطا بمغادرتها البلاد إلى الدنمارك التي كانت تعيشها فيها مع والدها السجين، الحقوق الدولي المعروف عبد الهادي الخواجة. وبعد ابعادها اعتقل الناشط الحقوقي الآخر، نبيل رجب. و سبق ذلك تغليظ حكم السجن بحق زعيم اكبر جمعية سياسية في البلاد، الشيخ علي سلمان، من اربع إلى تسع سنوات. ولكن التطور الاخطر حدث الاسبوع الماضي، فقد صدر قرار قضائي بحل جمعية الوفاق التي كان سلمان يرأسها، وجمعيتين دينيتين اخريين: جمعية التوعية الإسلامية وجمعية الرسالة. كما صدرت قرارات عن وزارة الداخلية بمنع علماء الدين من العمل السياسي، ثم منع بعضهم من اداء صلاة الجمعة. فكانت ردة الفعل قرار علماء الدين بالتوقف تماما عن صلاة الجمعة، الامر الذي سيكون عاملا في اعادة تحريك الشارع البحراني. وفي الوقت نفسه وجه المعارضون انتقادات شديدة للحكم ازاء قضايا عديدة من بينها التجنيس السياسي واستقدام قوات من الخارج لقمع الحراك الشعبي، واستدعاء الحماية البريطانية مجددا، ثم تحمل تكاليف بناء قاعدة بحرية بريطانية في المنامة، وبرغم اتهام المعارضة باستلام دعم من الخارج (وبالتحديد من ا يران) ومحاولة توجيه الوضع السياسي على خلفية الاستقطابات المذهبية والطائفية التي اصطنعتها قوى الثورة المضادة، لم يؤد ذلك لاضعاف المعارضة او انهاء الحراك الشعبي الذي لم يتوقف يوما منذ انطلاقه قبل اكثر من خمسة اعوام. وهذا يعني انه برغم تباين ظروف الدول التي شهدت في العام 2011 ثورات شعبية، واختلاف ما آلت اليه اوضاع كل منها، إلا ان هناك سمة مشتركة بان اوضاعها غير مستقرة وان ذلك ينطوي على احتمال يقوى يوميا بتجدد الثورة بعنفوان اكبر مما حدث سابقا. فما لم تحدث مصالحات جادة على مستويات عديدة تؤدي للتغيير فسيظل شبح الثورة والتغيير ماثلا في الافق السياسي، وستزداد احتمالات المواجهة بين الشعوب وقوى الثورة المضادة. انه تأكيد لعجز الحكام عن اصلاح اوضاع بلدانهم من جهة، وفشل الغرب الذي يسعى لاستمرار نفوذه في المنطقة في دفع الامور باتجاه تسويات حقيقية تمنع الاحتقان السياسي الذي ادى إلى التوتر والتطرف والعنف والإرهاب، واصبح يهدد امن العالم واستقراره. وما البحرين إلا بؤرة اخرى من بؤر التوتر وحلقة في مسلسل الاضطراب الذي قد يضعف المنطقة ولكنه سيؤدي في نهاية المطاف لكسر الوضع المزري الذي استمر سبعة عقود. فهل هذا ما يريده الغربيون؟

 

د.سعيد الشهابي

القدس العربي