عارف دليلة: الوصول إلى مفاوضات دولية عنوان الكارثة ولا حلّ في سورية إلا بوقف العنف والإمداد بالرجال والمال والسلاح

51

لا يخفي المعارض السوري عارف دليلة خيْبته مما آلت اليه أوضاع الثورة السورية، هو الذي يُعتبر من أبرز دعاة الاصلاح السياسي في سورية ومن المناضلين المثقفين، والباحث الاقتصادي المعروف وأحد النخب السياسية التي صاغت برامج عمل ووضعت رؤى واقعية لمعالجة المشكلات التي يعانيها المجتمع السوري من دون ان يرهبه السجن ولا السجّانون بل بقي على موقفه بالدعوة الى اطلاق الحريات والعمل من اجل سورية ديموقراطية.

«الراي» حاورت دليلة، وهو احد أركان «ربيع دمشق» والمجتمع المدني، حول أزمة سورية وآفاق الحل، فكانت قراءة ظهّرت وجهة نظر ترتكز على ثلاثية مهمة قواها وقف العنف من النظام والجماعات المسلحة ووقف عمليات التسليح والمدّ بالسلاح والرجال والمال والتي تهدف الى تدمير سورية وجعلها عراقا ثانياً، مستحضراً الماضي ليستخلص دروس الحاضر.

• كيف تنظر الى المفاوضات الدولية حول سورية، وهل ستُنتِج حلاً في رأيك؟

– السير بسورية وصولاً الى مفاوضات دولية هو عنوان الكارثة السورية. المشكلة في سورية كانت عادية وكان يمكن معالجة ما جرى مثلما يحصل في أي بلد آخر، لكن الإرادة لذلك افتُقدت كما الرؤية لحلّ الأزمة بالطرق السياسية. فأزمة سورية ليست وليدة ما حصل في العام 2011 فقط، بل تمتد على مدى اكثر من أربعة عقود، إذ جرى تغييب السياسة كلياً، أولاً في التعامل بين السلطة والمجتمع، وثانياً في السماح للسوريين بالتعبير عن آرائهم ومصالحهم وخنق التعبيرات الاجتماعية، وهذا أدى إلى تزوير الإرادة الشعبية وإبراز حقائق مصطنعة ومشوهة. وتراكمت الأمور مع الزمن، وكانت تحصل انفجارات على شكل أزمات سياسية أو مسلحة مثل أزمة الثمانينيات، لكنها الآن تكرّرت على نطاق أوسع، لتودي بالدولة والمجتمع والاقتصاد والجيش والأمن وبكل مظاهر الحياة.

وهذا ليس خاصاً فقط بسورية، بل هو امر حصل تقريباً في كل الدول العربية، وهناك دول كثيرة عالمياً عاشت في ظل الديكتاتوريات وعانت، ولكن مع ذلك استطاع الصراع فيها أن يتخذ شكلاً سياسياً ظاهراً من دون الحاجة لاستخدام العنف.

• وهل كان يمكن ان يحصل التغيير في سورية بلا عنف في ظلّ قبضة النظام الحالي؟

– الشعب السوري برهن حتى في ظل حكم عثماني دام 500 سنة وأكثر من 25 سنة من الاستعمار الفرنسي أنه يستطيع أن يفرض إرادته، فسورية خطت في الاربعينيات خطوات جيدة على سلّم الديموقراطية والحداثة، الى ان جاء انقلاب حسني الزعيم مدعوماً من الغرب، وإنشاء دولة إسرائيل التي كان على رأس أهدافها منع التطور والديموقراطية في الوطن العربي حتى تستطيع أن تتفاخر بأن محيطها بطبيعته همجي متخلّف لا ديموقراطي. وجرى انقلاب الشيشكلي الذي يوصف اليوم بالديكتاتور، علماً أنه لم يفعل شيئاً يُذكر مقارنة مع ما يجري هذه الأيام، بل هو استقال عندما قالوا له إن الجيش سيصطدم ببعضه، وذلك كي لا تسقط قطرة دم واحدة بين السوريين، وغادر السلطة.

وجاءت مرحلة ثانية وهي عندما انجرف السوريون بتوجّه صادق نحو الوحدة العربية وذهبوا إلى عبد الناصر واستطاعوا أن يفرضوا عليه الوحدة، وكان شرطه إلغاء الأحزاب السياسية. وحُلت الأحزاب، ومنذ ذلك الوقت قضي على السياسة في سورية، وكانت محاولة الانفصال فاشلة جداً، لأن الذين قاموا بذلك كانوا غير مؤهلين، مع انهم كانوا متنوّرين وحداثيين ولكن كانت لديهم نزعات فردية ومصالح خاصة فلم يستطيعوا إقناع الشعب بأن يشكلوا قيادة لسورية للسير بها نحو الديموقراطية، وأسقطوا أنفسهم بتناقضاتهم مع أنه عندما جرى تغيير النظام، لم يحتج ذلك إلى معارك وإلى إطلاق رصاص وقتلى بل جرى بسهولة.

وبعد ذلك جاء الوحدويون البعثيون والناصريون، ولكن سرعان ما ظهر عدم ثقتهم ببعضهم البعض، فالمخابرات المصرية رأت فرصة لإعادة الهيمنة على سورية كما أراد عبد الحكيم عامر في 1961، والبعثيون خافوا من أن يأكلهم الناصريون، وحصلت معارك حقيقية عندها، وكانت النتيجة إجراء تصفيات في الجيش وفي المجتمع السياسي السوري وعمليات إقصاء أيضاً للتيارات غير البعثية. ولاحقاً عندما سيطر البعثيون على السلطة، ظنّوا كونهم حملوا شعارات قومية، ان ذلك يبرّر لهم الإجراءات التعسفية والاقصائية، فأجروا عمليات تنظيف في صفوف الجيش والأمن وأعادوا البعثيين السابقين إلى المؤسسات الأمنية وبقية المؤسسات في الدولة، وتحت عنوان عقيدة البعث تحدثوا عن تسريع التطور في سورية باتجاه نظام اشتراكي وتقدُّمي ولكن جرى المسار باتجاهات مخالفة.

هذه التطورات قطعت الطريق تماماً أمام ظهور دولة سورية متقدمة وديموقراطية اذ تحوّل النظام البعثي إلى نظام أمني بحت، وأُلغيت جميع السلطات وأُخضعت لمصالح سلطة واحدة هي الأمن وبشكل أعمى من دون تمييز، وهذا ما حمّل البلاد والشعب والاقتصاد تكاليف كبيرة جداً وأدى إلى انتشار هائل للفساد المغطى والموجّه والمحمي. والنموذج البعثي في الحكم ابتلع المجتمع وغيّب الديموقراطية وزجّ البلاد في نفق كان يزداد ظلاماً يوماً بعد يوم وازداد ضيقاً بينما كان المجتمع ينمو، وهذا أدى إلى اختناقات فانفجارات.

• كيف أثّرت الثورات العربية على الشارع السوري وهل كان الانفجار الشعبي متوقعاً من النظام ؟

– عندما بدأت الأحداث في تونس عبر إحراق شاب نفسه (محمد بوعزيزي) وهبّت الشعلة على مساحة الأرض التونسية وانتقلت بسرعة إلى مصر، اعتبروا في سورية وليبيا ان الامر لا يخصّهما. وكشخصيات معارِضة، طلب وراءنا النظام السوري ليسألوننا عن رأينا في ما إذا كانت الثورة ستنتقل إلى سورية، فقلنا لهم إن الأسباب التي دفعت جماهير تونس للنزول إلى الشارع موجودة في سورية أضعافاً مضاعفة، وكان ردّهم «نحن بالعكس دولة مقاوِمة وممانِعة ولم نوقّع صلحاً مع إسرائيل ومصرون على التحرير وهناك اندماج بين السلطة والشعب». فأثبتنا لهم أن الأسباب في سورية كثيرة، وقلت وأنا سجين سابق حُكم عليّ 10 سنوات سجن قضيتُ منها سبع سنوات بعد تدخلات خارجية وضغوط نتيجة أوضاع صحية خاصة، إن الجماهير ستنزل إلى الشارع حتماً، فأرادوا أن يوصلوا رسالة بأن مَن سيتحدى سيُواجَه بكل الوسائل، وكان جوابنا أن لا احد يشك بذلك ولكن ماذا ستكون النتيجة؟ وهل سيمنع ذلك الجماهير من النزول وهل سيمنع حركتهم من التوسع في كل أطراف البلاد؟ كما قلنا ان مواجهة الحركة الجماهيرية بالسلاح سيوسّع الانتفاضة وسنذهب إلى كارثة لا يمكن وقفها. ولكنهم لم يصدّقوا ذلك، وكانوا يقولون بضرورة الحسم العسكري واستخدام القوة القمعية. وهكذا فإن الأسلحة التي كانت تُكدس على مدى أعوام من أجل مواجهة إسرائيل وتحرير فلسطين والجولان، استُخدمت في الشارع السوري بمواجهة مشكلةٍ كان يكفي لها فقط استخدام فرق مكافحة منع الشغب لمعالجتها.

وهذا السلوك عبّر عن عدم ثقة بالنفس، وتبيّن انه كما كانوا يحتفظون بالملفات لمعارضيهم فهم كانوا يعرفون حجم ملفهم أمام المجتمع وهو حجم هائل من الخيبات والفساد والقمع وسوء الإدارة وغير ذلك. وبالتالي فإن القيمين على النظام أدركوا انهم لا يستطيعون تقديم أي ضوء للإصلاح، لأن هذا الجدار القائم إذا سُحب منه حجر فسيؤدي إلى تدمير البلاد بكاملها ولان الرضوخ لمطالب معينة سيعني المطالبة بإصلاحات أخرى، مع أنه سبق ان اتُخذت قرارات بالإصلاح في مؤتمر حزب البعث العام 2005 ولو طُبقت لأمكن تجنيب سورية ما وصلت إليه من الكارثة.

• لماذا لم يقم الحكم البعثي بتنفيذ اصلاحاته الموعودة في رأيك، والى ماذا كان يسعى، الى الفوضى والفراغ؟

– في سورية لم تحصل اي مبادرة كما حصل في البلدان العربية الأخرى لالتقاط السلطة والقيام بإصلاحات حقيقية تقنع الجماهير، على الأقل كما أراد لها مؤتمر «البعث» الحاكم في العام 1995 كبداية، لكن تم تضييع الفرصة. وكنا أنشأنا العام 2000 و2001 حركة معارضة وأصدرنا بيانات وعقدنا لقاءات وكان ممثلو السلطة يحضرون اجتماعاتنا بكثافة، بمَن فيهم ممثلو الأمن، ويشاركون ويحاولون إظهار نوع من التحدي على أساس إخافة الناس. ولكنهم لم ينجحوا في ذلك. وكان يمكن أيضاً التقاط فرصة أخرى والنزول إلى الساحة والقبول بالمشاركة، ولكن لم يحدث ذلك ما أدى بعد الربيع العربي الى انه تمت مواجهة الناس بالأسلحة الثقيلة. ونحن عقدنا مؤتمراً لهيئة التنسيق العام 2011 وأعلنا شعارات ثالوثنا الشهير «لا للعنف ولا للطائفية ولا للتدخل الخارجي»، وأردنا أن نبقى حركة سياسية سلمية جماهيرية، وكان يفترض أن تواجه السلطة بنفس العقلانية، لكنها واجهتْ الحركة الجماهيرية بالتحريض والقوّة وأجبرت الناس على حمْل السلاح. علماً ان مَن قام بحمْل السلاح من المعارضة كانوا يُعدّون على رؤوس الأصابع ولم يكونوا تابعين أو مقاتلين في حركة سياسية، لكن السلطة اعتبرت كل الحركات السياسية المعارِضة معارضة مسلحة، مع انها كانت حالات فردية في الأشهر الست الأولى. كما استخدمت الشعارات الطائفية النادرة جداً التي رُفعت والأصوات القليلة جداً التي استدعت التدخّل الخارجي، فعمّمتها على كل معارِض، وبدأت المواجهة المسلحة وأدت بالنهاية إلى ردود فعل كان النظام يشتهيها.

• لماذا اختفى جيل المعارضة السلمية غير المسلح؟ ما أسباب انكفائه وغياب تأثيره على الارض؟

– السلطة اعتقلت بشكل أساسي الرموز المثقفة من السياسيين والشباب النخبويين الذين قاموا بتنظيم التظاهرات من خلال التنسيقيات في المرحلة الأولى. وهناك مَن قُتل ومَن اعتُقل ومَن طُرد الى الخارج، من الجيل الأول ثم الجيل الثاني حتى لم يبقَ منهم أحد. واستمرّت القضية بيد فئات معينة مدعومة خارجياً بالمال ثم بالمتطرفين الارهابيين الذين أُدخلوا من دول العالم الى سورية بتنظيم وتكليف من عدد من الدول الاقليمية والخارجية. وكلنا يتذكر كيف بدأت السلطة تخسر المعابر الحدودية بسرعة تلفت الأنظار، وكانت المرة الوحيدة التي تعجز فيها السلطة عن السيطرة على المعابر الحدودية فيخرج ويدخل مَن هبّ ودبّ. بالطبع كان متوقعاً الوصول الى هذه النتيجة، لا بل اكثر من ذلك كان التركيز والهدف ان يُصوّب الرصاص من الطرفين، السلطة والمتطرفين، نحو المعارضة السياسية الديموقراطية المثقّفة التي تريد تغييراً ذات طابع ديموقراطي يحافظ على سورية كدولة لها مكانة حضارية.

وأثبتت الأحداث ان السلطة ليست لديها الإرادة ولا الرغبة في احتواء المشكلة والاسراع في إخمادها لان هذا يحتاج الى مباشرة عملية اصلاح سياسي حقيقي والى انفتاح على المشاركة الواسعة للمجتمع في السياسة. ونحن كمعارضة كنا في العام 2009 يائسين من ان يقوم احد بتحرك، فالناس نسوا الشأن العام ولم يعد أحد يهتمّ بالسياسة، وكنا نسأل هل وضع السوريون رؤوسهم في الرمل؟ كنا نرى ان كل فرد يبحث فقط عن مصلحته الخاصة. وقد طرحنا سؤالاً هو كيف يمكن ان يُبعث المجتمع السوري من تحت الرماد مرة أخرى ويعود الى الحياة ويمسك مصيره بيده من جديد؟ وقد ناقشنا الموضوع، واذ نتفاجأ العام 2011 بنزول الناس الى الشارع.

• لماذا فشل الحل العربي وغيره للأزمة السورية؟

– السلطة السورية كانت منذ البداية وبنية مبيّتة لا تريد إتاحة الفرصة للجامعة العربية كي تؤدي هذه المهمة. وكان يمكن استغلال الفرصة كي نخرج من مأزق يؤدي إلى تدمير سورية بالكامل. وكنا ندرك أهمية معالجة هذا الأمر وأسبابه، وأتى كوفي أنان ايضاً وكانت فرصة ذهبية، حتى أن النقاط الست التي طرحها أخذها من شعاراتنا في هيئة التنسيق الوطنية وجعلها قراراً أممياً. وأيضاً أيّدناه كما دعمنا محاولة الجامعة العربية لحل الأزمة وقلنا اننا مستعدون للتعاون ولكن أُفشل أنان أيضاً، إذ انه حاول فعلاً وقف النار.

طبعاً كان النظام في الأصل لا يملك رغبة بذلك، وفي المقابل كانت أطراف أخرى قد نمت وتطورت حجماً ولم يعد من السهل إعادتها إلى القمقم من جديد. وجاء الأخضر الإبراهيمي كذلك، وكان لديه أيضاً حرص شديد على إنقاذ سورية ووقف الكارثة، لكنه أُفشل، لأن السلطة تريد إبقاء كل شيء على حاله، وليس على الأسد كشخص فقط بل ايضاً على شكل النظام وطبيعته وأسلوب عمله والتفكير والتخاطب. واضطر (الابراهيمي) للاستقالة. والآن دي ميستورا، وهو ليس أكثر قدرة من سلَفيْه بل ان الظرف الدولي أصبح أسوأ بكثير. وربما قد يبدو أن الاستقطاب الشديد تحلّل ولكن فعلياً لم تعد الدول مهتمة بسورية، أي انهم يتركون الكرة تتجرجر إلى ما شاء الله.

• كيف تقوّم مؤتمر الرياض في هذا السياق؟

– شاركتُ في مؤتمر الرياض بعد إلحاح شديد، واتخذتُ قرار المشاركة في الساعات الأخيرة في أعقاب اتصالات عديدة من الجهات المنظّمة. وكنتُ متردداً لأنني أعرف مسبقاً ولديّ وضوح كامل حول النتائج، ومع ذلك قلتُ لنفسي إذهب اذ يمكن أن يؤدي الامر إلى شيء. حضرتُ ووجدتُ كيف أن أوضاع المشاركين لم تكن مُرْضية على الإطلاق من حيث التنافسات التي لا تليق بمعارضة سياسية وتدّعي أنها تقود ثورة لإحلال نظام جديد بدل نظامٍ متهالك ومنهار.

ونحن كمعارضة ديموقراطية متنوّرة تعبّر عن الغالبية من الشعب السوري، سَحب منها طرفا الصراع القرار اي النظام والمعارضة المسلحة في الداخل، مع ان المعارضة المسلحة هذه لا تمثل سوى اثنين في المئة فقط من الشعب، والنظام يقول لا نريد للمعارضين المسلحين استلام السلطة وهؤلاء يقولون لا يمكن القبول بمثل هذا النظام. والطرفان على حق ولكنهما أيضاً على باطل، كلٌّ يتهم الآخر وهو على حق في اتهامه ولكن الطرفين على باطل في تصوّرهما لسورية المستقبل اي سورية الديموقراطية العلمانية والمدنية التي تساوي بين الجميع وترفض العنف واستقدام السلاح.

• ماذا عن الدور الروسي؟

– الدور الروسي يثير إشكالية كبيرة وهذا تحدّثنا فيه مع الروس منذ البداية. إذ حصلت لقاءات كثيرة مع السفير الروسي في سورية ووزير الخارجية في موسكو، وكنا نطالب الروس بأن يفتحوا عيونهم جيداً على المسار الكارثي الذي تسلكه الأحداث، وقلنا لهم إنكم الأكثر تأثيراً في الدفع باتجاه إصلاح سياسي أو الأخذ بالخيارات السياسية وعدم الذهاب إلى الخيار العسكري. وقد وافق وفد نيابي روسي على رأسه مسؤول اللجنة الخارجية النيابية الذي زار درعا وحمص وحماه في يوليو 2011 خلال لقاء مع المعارضة على وجهة نظرنا في تقويم الوضع وتفسير الانفجار الحاصل وتَصوُّر المخرج. وحينها قلتُ لهم «إن الشعب السوري غير راض عن الموقف الروسي»، وذلك بعد أيام من ممارسة الروس حق الفيتو الأول في مجلس الأمن لمصلحة النظام، ليس بسبب الفيتو فنحن نؤيد الوقوف بوجه أي تدخل خارجي في سورية ولكن بشرط أن يترافق ذلك فوراً مع وقف الخيار العسكري للسلطة والانتقال إلى الخيار السياسي، أما أن يكون الفيتو تغطية للخيار العسكري فهنا الكارثة».

وقد سألني أحدهم عن موقف السلطة وقولها إن المعارضة مسلّحون مجرمون قتلوا شرطة ورجال أمن ودمّروا وأحرقوا منشآت، فقلتُ له: نعم هناك مسلحون، ولكن المسلحين والتدخل العسكري الخارجي إذا حصل، فهذا بسبب السلطة وخيارها العسكري، لأنها هي التي أصرت على هذا المسار ولم تتخذ قراراً باعتماد أسلوب آخر ولم تراجع نفسها ولم تعترف بأن هناك مَن يستطيع أن يساعد على الانتقال للحل الآخر، أي الحل غير الكارثي.

وفي المقابل، فإن الطرف الآخر كان ينظّم حملات التبرع في عدد من الدول العربية وتبلغ الحصيلة المليارات، وكانت حدود الدول المحيطة بسورية مفتوحة والمتطوعون من مختلف أصقاع الأرض يأتون وتُقدم لهم كل المساعدات الضرورية ليدخلوا سورية حتى اعتُبرت الساحة السورية مسرح صراع، فيما استمر الروس في تقديم السلاح من دون شرط للنظام تحت ادعاءات أنهم ينفذون العقود الموقّعة معه وفق الالتزامات الدولية وأنهم لا يريدون سقوط سورية بيد الجماعات الإرهابية أو الدول الغربية المعادية التي ستفعل بسورية ما فعلته بليبيا وستُخرِج الروس من المنطقة.

• وماذا تريد ايران من تدخلها في الحرب السورية؟

– مصالح إيران معروفة، فهي تريد الحفاظ على طريق مفتوح لها على شواطئ البحر المتوسط، وهذا هدف استراتيجي لا يعلى عليه بالنسبة لها.

• هل طريق الحل السلمي مقفل اليوم؟

– امكانية المخرج السلمي تتضاءل في سورية بعد تعمُّق الشروخ نتيجة صراع السلطة ومعارضيها وتحوُّله الى صراع عسكري ادى الى ممارسات لا انسانية، مِن قتْل وتهجير وتعذيب وتشويه وتدمير وخطف من مختلف الأطراف، الى ان وصلنا الى حالة أفقدت القوى الداخلية القدرة على الامساك بالوضع وايجاد مخرج. فالمعارضة لا تستطيع حتى ان تتّحد، والمعارضة المسلحة في غالبيتها أخذت شكلاً متطرفاً ولا تريد دولة مدنية بل دولة دينية، وهذا ما منع نشوء معارضة سياسية عقلانية. والسلطة كانت السبب الأكبر في منع مثل هذه المعارضة، ونحن كنا نريد حلاً شاملاً سياسياً وإعلامياً وأمنياً، وكانت لنا شروط تجسدت في خطة أنان وغيرها، وكانت لنا ايضاً مطالب على ان تُنفذ كباقة متكاملة. لكنهم أرادوا فصْلها وتجزئة المعارضة، لاظهار ان ليس هناك ما يجمع المعارضين مع بعضهم البعض وان لكل واحد منهم قطبة، ويجري التعامل معه بالطريقة المناسبة، واحد بالقتل، واحد بالقمع واحد بالارهاب.

• اخيراَ صدر بيان عن الطائفة العلوية ضد حكم آل الاسد عبّر ايضاً عن مخاوف لدى الطائفة كيف تقرأ رسالته؟

– اولاً بوجود وسائل التواصل الاجتماعي فان اي شخص قادر على نشر ما يريد. ولا أعرف مَن وراء البيان، ولكن الذي أراه ان مَن وراءه ليس حركة سياسية او قوة أو مجموعة تستطيع الادعاء انها تمثل الطائفة العلوية، فاذا كانت الطوائف الأخرى تفتقر الى مثل ذلك، فإن الطائفة العلوية تُعتبر أقل الطوائف خضوعاً لهرمية طائفية ودينية. ومَن أصدر هذا البيان لا يمثّل الا نفسه، وهذا لا يعني تأييداً أو إدانة من حيث المبدأ، فكثيرون حاولوا ان يشاركوا في تجمعات ذات طابع طائفي ظاهرها حسن النية، ولكن فعلياً أعتبرها أسلوباً غير مناسب للعمل السياسي لأنني أتمسك بأن الأسلوب المناسب الوحيد هو العمل الوطني الجامع الذي يلتقي فيه السوريون بغض النظر عن التمثيل المناطقي والقومي والطبقي والديني، من اجل دولة موحدة وشعب سوري واحد. فما ينقص سورية هو دولة قانونٍ تساوي بين المواطنين وتمنع اي طائفة أو مجموعة من ابتلاع حقوق طائفة اخرى وتتيح فرص المساواة أمام جميع المواطنين. نحن لا نعترف بمصطلح الأقلية والأكثرية إلا بالمعنى السياسي وليس بالمعنى الطائفي او القومي او الاقليمي. وبالمعنى السياسي، نحن نؤمن بالتعددية وبدولة تتيح المساواة والتداولية في السلطة، اي لا يوجد شيء الى الأبد، فالحاكم يمكن ان يخسر اليوم الانتخابات ويمكن ان يعود بعد 5 سنوات أو عشر سنوات. اي ان مَن يستطيع كسب ثقة الغالبية الشعبية في الانتخابات هو الذي يصل الى السلطة.

• لديك نظرة متشائمة وكأن حل الأزمة السورية مستحيل. لماذا؟

– أولاً لان القوى الدولية غير متحمّسة للحل. فلولا ظهور بعض حالات شديدة التطرف تنعكس عليهم سلباً، من «القاعدة» وغيرها، لما تحفزوا على حصار هذه الظواهر لمنعها من الإضرار بمصالحهم على نطاق اقليمي ودولي، وبالأخص بعدما بدأت تضرب في عقر دارهم. دول الاقليم ليس من مصلحتها ان يقوم في سورية نظام ديموقراطي حديث، ودولة قانون تزيل الامتيازات التي تتمتع بها نخبة قليلة من الناس تحتكر السلطة والثروة، لأن الشعوب العربية ستتطلع الى تقليد هذا النموذج لو ظهر، وبالتالي يجب ان يقطعوا الطريق على ظهور مثل هذا النظام في المنطقة حمايةً لأنفسهم. اليوم لا معنى للبُعد الجغرافي، وعلى المستوى الداخلي النظام يعتبر ان شيئاً لم يحصل في سورية وكأن الوضع على حاله وكأنه ما زال بكامل القوة والهيمنة والقدرة، وهو يتحدث عن ايام وأسابيع للحسم منذ البداية.

وها قد مرت 5 سنوات ويقولون قريباً ستنتهي المشكلة. الطرف الآخر ايضاً لا يرى مخرجاً آخر أو إمكانية التعايش مع النظام أولاً ومع الجهات الأخرى ثانياً. المعارضة في صراع مع بعضها البعض، وهنا أتحدث عن المعارضة المسلحة ولا أقصد المعارضة السياسية. ولكن للأسف الشديد، المعارضة المسلحة تشغل الساحة والمشهد، والمعارضة السياسية تتحمل مسؤولية كأفراد، ولكن المعارضين لم تتح لهم الفرصة في يوم من الايام ان يخضعوا للتجربة ويمارسوا العمل السياسي، وإنما كانوا دائماً محكومين ومفروض عليهم العمل كأفراد وليس كتجمعات. حتى بالعلاقات الشخصية كانوا ممنوعين من التجمع على أساس عائلي أو شخصي، مع ذلك يتحملون مسؤولية انهم يستمرون بالتمثل بهذه الفردانية.

• لماذا لم تفرز الثورة أحزاباً سياسية جديدة معارِضة لها قدرة على الإمساك بالشارع بدل ميليشيات السلاح؟

– هناك مَن سعى الى تجمعات خاصة لترؤسها، وهؤلاء لا يندمجون ولا يلتحمون مع أي مجموعة أخرى من المعارضة، اي انهم تكلّسوا أكثر فأكثر. وهذه المجموعات بدأت بالتقلص والانكماش والتفسخ منذ اللحظة الأولى لتشكيلها. وحصلت بعض المحاولات لتأسيس أحزاب، وكانت لحظة الذروة مع انعقاد المؤتمر التأسيسي، وبعد ذلك كان يبدأ الانحلال والتفسخ وكلُّ يذهب الى بيته. المشكلة ان هذه الاحزاب لم تذهب الى الاختبار والى المواجهة العملية مع الواقع، لأنها ليست موجودة على أرضها. وكانت المؤامرة منذ اللحظة الأولى في منْع المعارضة السورية من أن تتشكل في الداخل اذ دُفعت دفعاً بالإكراه إلى التشكل في الخارج، واجتمعت دول العالم عبر ما يسمى اصدقاء سورية لدعم معارضة بالخارج وليس بالداخل.

لم تَثبت المعارضة السورية في بيئتها الطبيعية، وأفرادها اختيروا من الجهات الخارجية، فحصل هذا الانفصام بين قيادة المعارضة في الخارج وبين البيئة والتربة والمنبت والمجتمع، وهذه ربما إحدى أكبر المشكلات بالإضافة إلى المشكلة الأمّ أي إصرار السلطة على عدم فتح عقلها وعيونها لرؤية الحقائق القائمة على الأرض.

روى قصة حكم الـ 10 سنوات

أستحضر دليلة انه داخل السجن مثلاً، «كان النظام يقوم بأمور لافتة. فأنا وغيري، تم اخذ تسجيلات بأصواتنا وعندما حققوا معنا، قالوا لي هل تعلم أن كل ما كنتَ تقوله ليلاً نهاراً مسجّلا بصوتك؟ ومع ذلك قلت لهم: أنا أتمسك بكل ما قلتُه إذ لا يوجد قانون في العالم يحاسب السجين على ما يقوله ولا يجوز التنصت عليه لأن ذلك جريمة في ذاته، ويجب أن تُحاكَموا وتُسجنوا على ذلك، ومع ذلك أنا لا أتنازل عن حرف واحد مما قلته وسجّلتموه، وضعوه على طاولة المحكمة أمام القاضي. وكنتُ أفترض حينها أن هناك محكمة وأن هناك قاضياً ومحامين وانه ستجري مناقشة الجريمة، ولكنهم جاؤوا بنا 4 مرات الى المحكمة، وفي المرات الأربع كانت كلمتنا واحدة وكانت جلسة مغلقة صامتة كاتمة للصوت، ليقف القاضي في الجلسة ويقول: الآن نقرأ الحكم، فيفتح مغلفاً أُرسل إليه من الخارج مغلقاً ويخرج القرار من داخله، ويقرأ: باسم الشعب العربي في سورية. وأذكر انني قلتُ له: هل تسمح بكلمة؟ فأجاب: تفضل، وسألته هل يحق للقاضي أن ينطق بالحكم على متهَم قبل مناقشته بالجريمة، اذ لم يحدث في أي جلسة ان سئلنا وأجبنا، وقدمنا أنا وغيري مرافعات لم يهتم بها أحد، والإعلام لم يُسمح له بنشر أي شيء. وردّ عليّ: الآن انتهى كل شيء والآن نقرأ الحكم. وهكذا حُكمت 10 سنوات (سجن). كانوا يجمعون ما نقوله على أساس انه إذا اعتقلونا من دون جريمة أو تهمة فعلى الأقل يمكن أن يلتقطوا مما نقوله بالصوت شيئاً يشبه الجريمة، ونحن تحديناهم ولم يجدوا في كل ما قلناه أي ممسك قانوني لاعتقالنا».

 

المصدر: الراي