عام على “نبع السلام”: خارطة نفوذ جديدة.. وكارثة إنسانية متفاقمة.. وانتهاكات تركية يومية.. وصمت مستمر من المجتمع الدولي

102

عام يمر تلو الآخر دون نتيجة، فالمشهد السوري لا يشهد إلا مزيدا من التعقيدات مع مرور كل يوم جديد على الأحداث في سورية، وكانت سمة العام الأخير الذي بدأ من التاسع من أكتوبر/تشرين الأول 2019 وحتى التاسع من أكتوبر 2020، هي التدخل التركي الجديد تحت اسم “نبع السلام”، وهي العملية العسكرية التي أطلقتها تركيا بصحبة ما يسمى بـ”الجيش الوطني السوري” في مناطق شمال وشمال شرق سورية ضد قوات سوريا الديمقراطية.

العملية العسكرية، التي انطلقت بعد انسحاب أميركي من الحدود السورية التركية بقرار من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تسببت في فقدان قوات سوريا الديمقراطية مناطق عدة كانت تخضع لسيطرتها، كما تسببت في تغيير خارطة الصراع في مناطق شمال وشمال شرق سوريا، بعد أن لجأت “قسد” إلى روسيا لإبرام اتفاقات لمنع تركيا من التوغل بشكل أكبر داخل الأراضي الخاضعة لـ”قسد”.

 

خارطة جديدة

منذ لحظة انطلاق العملية العسكرية التركية في الشمال السوري في 9 أكتوبر/تشرين الأول، تقدمت القوات التركية والفصائل الموالية لها بغطاء جوي وبري مكثف في إجمالي مساحة تقدر بـ4875 كم2 (9.2% من إجمالي مساحة المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية)، أي ما يزيد على ربع مساحة لبنان. وفي الوقت نفسه، دخلت قوات النظام بموجب اتفاق بين “قسد” و”النظام” بوساطة روسية، إلى منطقة تقدر مساحتها بـ18821 كم2 (35.6% من إجمالي مساحة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية)، ما يعني أن قوات سوريا الديمقراطية فقدت السيطرة على 23641 كم2، بعد أن كانت تسيطر على مساحة قدرها 52916 كم2 (28.6% من إجمالي مساحة سوريا) قبل انطلاق العملية العسكرية “نبع السلام”، ما يعني أن “قسد” لم تعد تسيطر سوى على 15.7% من مساحة سوريا.

 

كارثة إنسانية

تسببت العملية العسكرية التركية في كارثة إنسانية أخرى تضاف إلى سلسلة أزمات السوريين التي يعانون منها منذ 10 سنوات، فقد تجاوز عدد النازحين نتيجة تلك العملية العسكرية 300 ألف مدني نزحوا من بلداتهم ومدنهم وقراهم في تل أبيض ورأس العين والدرباسية وعين العرب وعين عيسى ومناطق أخرى شرق الفرات عند الشريط الحدودي مع تركيا، وسط أوضاع إنسانية صعبة تعيشها المنطقة من التصاعد الكبير في أعداد النازحين ووجهتهم.

ولم تتوقف تداعيات التدخل التركي عند حد النزوح، بل تسبب في سقوط عدد من القتلى والشهداء دون تفريق لمن هو مدني ومن هو غير مدني، فقد بلغ عدد الشهداء المدنيين الذين سقطوا منذ انطلاق العملية العسكرية التركية 146 شهيدا بينهم 7 سيدات و4 أطفال، فيما بلغ تعداد القتلى في صفوف قوات سوريا الديمقراطية والمجالس العسكرية وقوى الأمن الداخلي جراء قصف جوي وبري تركي واشتباكات مع القوات التركية والفصائل الموالية لها منذ بدء العملية العسكرية التركية أكثر من 510، إضافة إلى مقتل 28 عناصر من قوات النظام وإصابة آخرين جراء استهداف صاروخي نفذته القوات التركية والفصائل الموالية لها على محاور شمال غرب منبج وشرق بلدة عين عيسى في مواقع انتشار قوات النظام. وبلغ تعداد قتلى الفصائل السورية الموالية لـ”أنقرة” وقتلى الخلايا الموالية لتركيا خلال استهدافات واشتباكات مع “قسد” خلال الفترة ذاتها إلى 279، من بينهم 21 من خلايا موالية لـ”أنقرة” قتلوا في اشتباكات مع “قسد”، بالإضافة إلى مقتل 10 جنود أتراك.

 

انتهاكات واسعة

وعلى مستوى التعامل الداخلي، شهدت المناطق التي خضعت لسيطرة فصائل “نبع السلام” انتهاكات واسعة، بداية من سرقة المنازل مرورا باختطاف المواطنين لطلب مبالغ مالية للإفراج عنهم وصولا إلى ارتكاب أبشع أنواع التعذيب بحق السوريين بحجة التعامل مع الإدارة الذاتية التي كانت تحكم المنطقة سابقا. وفي الخامس والعشرين من سبتمبر، عملت شاحنات تابعة للفصائل الموالية لتركيا على نقل المواد المسروقة من منازل الأهالي كالحطب ومواد علفية في قرى ريحانة وقاسمية وقاسمية أزيزا وقاسمية شرابيين وقاسمية سمعيلة إلى مدينة رأس العين.

وإلى جانب سرقة متعلقات المواطنين وممتلكاتهم، شنت فصائل ما يسمى بـ”الجيش الوطني السوري” حملات مداهمة واعتقالات في قرى أسدية وأسدية شرقية وسفح وسلام عليك وتل خنزير ودهماء ضمن مناطق “نبع السلام”، إضافة إلى سرقة هواتف نقالة من المواطنين بحجة أنها تستخدم للتواصل مع “قسد”، كما تعمد تلك الفصائل إلى مداهمة المنازل في قرية قاطوف في ريف رأس العين (سري كانييه) الجنوبي ضمن مناطق “نبع السلام” بريف الحسكة، واعتقال 5 شبان بتهمة التعامل والتخابر مع “قسد”.

ومن بين الانتهاكات أيضا، إجبار مسلحي “فرقة الحمزات” الموالية لأنقرة أصحاب عدد من المحال التجارية على إغلاقها تحت تهديد السلاح، في مدينة رأس العين، وذلك بعد قيامهم بتوزيع منشورات ورقية في المدينة تطالب بالإضراب ضد المجلس المحلي في المدينة. وفي سياق متصل، اعتدى مسلحو “الحمزات” على مواطن بعد رفضه إغلاق محله التجاري وانهالوا عليه بالضرب المبرح، حيث تحاول “فرقة الحمزات” إجبار أهالي “رأس العين” على الخروج بمظاهرات ضد المجلس المدني في مدينة “رأس العين” بسبب رفض المجلس لهيمنة شقيق “فرقة الحمزات” على المعبر الحدودي مع تركيا.

وتواصل الفصائل الموالية لتركيا فرض إتاوات على المواطنين المارين على حواجزها، حيث فرض حاجز قوس بلدة تل حلف التابع لفرقة الحمزة مبالغ تصل إلى 3 آلاف ليرة سورية، على السيارات والدراجات النارية المارة من والى مدينة رأس العين. كما يهددون المارة باستهدافهم بالرصاص الحي وسجنهم بتهمة التعامل مع “قسد”، لإجبارهم على الدفع.

كذلك، تواصل الفصائل الموالية لتركيا سرقة وتصدير القمح من مناطق “نبع السلام” إلى أنقرة تحت غطاء شرائه من قبل مؤسسة الحبوب التركية بالليرة التركية عبر بوابة تل أبيض الحدودي مع تركيا، حيث تتجمع عشرات الشاحنات وآلاف الأطنان قرب المعبر، تمهيدًا لنقلها إلى تركيا. وكانت المجالس المحلية في تل أبيض ورأس العين قد حددت سعر شراء الحبوب بألف و300 ليرة تركية لطن ‏القمح الواحد. كما استحوذت الفصائل الموالية لتركيا على المحاصيل الزراعية للأهالي في مناطق “نبع السلام” في ريفي رأس العين وتل أبيض.

وفي محاولة للضغط على السكان، تعمدت القوات التركية إيقاف محطة “علوك” التي تغذي مدينة الحسكة عن العمل لأكثر من 25 يوما، ما تسبب في استياء شعبي واسع بسبب انقطاع مياه الشرب عنها، وتعد هذه المرة الثامنة التي تقطع فيها المياه عن المنطقة، بعد أن أوقفت القوات التركية عمل مضخة مياه الشرب في “علوك”، التي تغذي تلك المناطق بشكل كامل منذ بداية شهر أغسطس/آب 2020 بحجة الصيانة، كما طلبت القوات التركية زيادة في القدرة الكهربائية لتغذية مناطق “نبع السلام” بالطاقة الكهربائية، الأمر الذي رفضته “الإدارة الذاتية”، ما أدى بدوره إلى انقطاع مياه الشرب بشكل كامل.

 

تغيير ديمغرافي

تواصل تركيا عملية التغيير الديمغرافي ضمن المناطق التي بسطت سيطرتها عليها شمال سورية خلال عملية “نبع السلام”، حيث جرى توطين عدد كبير في مدينة رأس العين (سري كانييه)، غالبيتهم من محافظة إدلب. وفي إطار التغيير الديمغرافي أيضاً، تواصل الفصائل الموالية لأنقرة مساعيها لإجبار من بقي في المناطق التي سيطروا عليها في الشمال السوري للرحيل وعدم السماح لأهالي المناطق بالعودة. وكانت مصادر موثوقة أكدت أنه يتم نقل عدد من سكان الشمال السوري إلى مدينتي “تل أبيض” و”رأس العين” اللتان خضعتا لسيطرة القوات التركية والفصائل الموالية لها ضمن عملية “نبع السلام” العسكرية التركية.

 

اقتتال ومظاهرات وعنف

على مدار الأشهر القليلة الماضية، تفاقمت الخلافات الداخلية بين فصائل “نبع السلام” ما تسبب في حالة اقتتال داخلية بين تلك الفصائل، كان آخرها اشتباكات داخل مدينة رأس العين (سري كانيه) بين الفصائل الموالية لتركيا، بسبب خلافها على تعيين مدير معبر رأس العين، حيث دارت اشتباكات بين درع الحسكة وعشيرة الموالي المدعومة من فرقة الحمزة، ما أدى إلى وقوع 3 قتلى و5 جرحى من الطرفين.

وشهدت مدينة رأس العين وريفها، غضبًا واستهجانًا من قبل الأهالي، بسبب محاولة الفصائل والقوات التركية إقصائهم عن إدارة مناطقهم، بعد تعيين المدعو “أحمد بولات” ابن مدينة بزاعة بريف حلب الشمالي، بدعم من شقيقه قائد فرقة الحمزة الموالية لتركيا مديرًا لمعبر رأس العين التجاري. وتجمع المواطنين عند البوابة الحدودية بين سوريا وتركيا في بلدة رأس العين (سري كانييه) ضمن مناطق عملية “نبع السلام” في الريف الشمالي للحسكة، حيث طالب المتظاهرون الجانب التركي بالتدخل للحد من انتهاكات الفصائل المستمرة بحقهم.

لم تكن الانتهاكات التي جرت على مدار عام كامل لتصبح ممكنة لولا تغاضي المجتمع الدولي عن الانتهاكات التركية وانتهاكات الفصائل الموالية لها، بداية منة غض الطرف عن العملية العسكرية التركية والانتظار عدة أيام حتى بدء مفاوضات الوساطة لوقف إطلاق النار، مرورا بالصمت على الانتهاكات اليومية التي تجري بحق المواطنين، ووصولا إلى الاعتداءات والاقتتال الداخلي والفشل الإداري للمناطق التي خضعت لسيطرة ما يسمى بـ”الجيش الوطني السوري”. إن المرصد السوري لحقوق الإنسان وإذ يحيي الذكرى الأولى للعملية العسكرية التي قلبت موازين القوى والتحالفات في شمال شرق سوريا، فإنه يؤكد أن المجتمع الدولي يتحمل العبء الأخلاقي لوقف الانتهاكات التركية والفظائع التي ترتكبها الفصائل الموالية لتركيا تحت مرأى ومسمع السلطات التركية، التي بدا واضحا أنها تتغاضى بل وتوجه بتنفيذ تلك الانتهاكات بهدف إجبار من تبقى من السكان على الرحيل، لاستكمال عملية التغيير الديمغرافي التي تسعى تركيا لإنهائها سريعا.