عجل «الق-اع-دة» في الشمال السوري!

لا يمكن فصل رغبة ومساعي أمير «هيئة تحرير الشام» أبو محمد الجولاني في التمدد والسيطرة على منطقة شمال غربي سوريا عن مساره الطويل الذي بدأ قبل أحد عشر عاماً، معلناً ولادة «جبهة النصرة» في سوريا باعتبارها فرع تنظيم «القاعدة»، هدفها مواجهة نظام الأسد، بدأت مسارها في تفجيرات محدودة النتائج، قام بها عناصرها في دمشق على بوابات اثنين من الفروع الأمنية للنظام.
ومنذ تفجيرات دمشق 2012، أخذ تنظيم «النصرة» مسار تمدد تنظيمي وسياسي، فوسع إطار وجوده وانتشاره في الأنحاء السورية عبر مجموعات علنية أو خلايا نائمة، ونوع عملياته الإرهابية، فشملت، إلى جانب التفجيرات والاغتيالات والحواجز، مواجهات مباشرة مع تنظيمات أخرى في أنحاء مختلفة من المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد، وقام بتوسيع مجال أهدافه، التي كانت في البداية مقتصرة حسب المعلن ضد نظام الأسد، وتجاوزه إلى عمليات ضد تنظيمات من جماعات المعارضة المسلحة، وركز بصورة أساسية على تشكيلات «الجيش الحر»، ثم توسعت أهداف عملياته لتشمل أيضاً الكادرات العسكرية والسياسية والناشطين الإعلاميين ونشطاء المجتمع المدني المناهضين لسياسات التنظيم في مناطق سيطرته شمال غربي البلاد أو ما يسميه البعض تجاوزاً «المحرر».
ولم يكن لهذا المسار، أن يتم على نحو ما حدث، لولا جهود بذلها تنظيم «النصرة» وأميره الجولاني، حيث مضى التنظيم في إجراء تبدلات بعضها شكلي وجزء جوهري، ومن الأولى تبدلات في اسمه وصولاً إلى «هيئة تحرير الشام» وفي قليل من قياداته، وإعلان انفكاكه عن تنظيم «القاعدة»، من دون أن يتخلى عن خطه الآيديولوجي وقواعد عمله ومساره الأساسي، وفي الثانية تغييرات في حجم تنظيماته وتنظيمها وتسليحها، كما أجرى تغييرات في سلوك أميره، خصوصاً في انتقاله من شخص بلا اسم يعطي ظهره للكاميرا إلى آخر، تدور حول اسمه ونسبه وتاريخه الروايات، وتأخذ الكاميرا له صوراً قريبة وبعيدة، منوعة طلته بين مقاتل ما زال يقيم في تورا بورا، وممثل في عروض إعلانية قادم من هوليوود عاصمة صناعة السينما الأميركية.
وكما أنه لا يمكن فصل مساعي الجولاني من أجل سيطرة منفردة على شمال غربي سوريا عن تاريخه ومسارات تنظيمه، فإنه لا يمكن فصل ما حصل عن تأثيرات البيئة المحلية والإقليمية والدولية التي أحاطت بالقضية السورية في العقد الأخير، وما شهدته سوريا من جماعات مسلحة بينها «داعش» و«النصرة» المتشابهين إلى حد تنافسهما العلني في تمثيل «القاعدة» بسوريا، وقد حسمه التنظيم الأم في حينها لصالح «النصرة»، كما هو معروف بسبب ما بدا على «داعش» من ثوران دموي، يناقض التطرف العميق والمدروس لـ«القاعدة».
الأهم في شروط البيئة المحلية المساعدة لبقاء «النصرة» وتمددها، أنها جاءت في سياق عسكرة الصراع في سوريا وأسلمته وتسنينه، وكلها جعلت قبوله أمراً ممكناً، وربما تفوق في هذا من خيار اسمه من بين التشكيلات الإسلامية، فقد كان السوريون بحاجة ولو اسمياً لمن ينصرهم في مواجهة ما لحق بهم من ظلم وجرائم نظام الأسد، ولو كانت «جبهة النصرة» أكثر الكاذبين في تلبية ذلك.
وحيث إن الأمر انطلى على قطاع شعبي، فقد كان من الطبيعي، أن يتأثر به قادة بارزون في المعارضة ناصروا «النصرة»، بينهم من كان رئيساً للمجلس الوطني السوري، وآخر كان الرئيس الأول للائتلاف السوري، بل إن أسلحة تم تسليمها لجماعات مسلحة في المعارضة، تم تسريبها إلى «جبهة النصرة» على سبيل الدعم أو البيع في سياق عمليات فساد، وجرى السكوت عن استيلاء «النصرة» على مستودعات هيئة أركان «الجيش الحر» ونهب سلاحها واعتقال ضباطها، وهذا بعض من مؤشرات صراع داخل قوى المعارضة حول الموقف من «جبهة النصرة»، التي كان إرهابها وتطرفها متخفياً وراء واجهة سلاحها وإسلاميتها وسنيتها ومعاداة نظام الأسد يقربها من التنظيمات الإسلامية السياسية والمسلحة، وقد صار أغلبهم في عداد أهداف «النصرة» لاحقاً.
وحازت «جبهة النصرة» وتسمياتها التالية دعماً قوياً وفعالاً من المحيط العربي – الإسلامي، ولم يقتصر الدعم على الإعلام، خصوصاً الشبكات الأكثر تأثيراً ونفوذاً، التي وضعت نفسها في دائرة الداعم لثورة السوريين، بل امتد إلى المجالين السياسي والمادي، فتدفقت المساعدات المالية والعينية من دول وجماعات سياسية وجمعيات مدنية وأهلية، وجرى إعطاؤها تسهيلات عبور للأفراد والأموال والمساعدات علناً أو عبر تواطؤ وغض نظر، وعندما تم توصيف «النصرة» باعتبارها جماعة إرهابية، لم يعدم الداعمون سبل الالتفاف على ما يفرضه الأمر من قيود على مساعدة ودعم «النصرة» بتسمياتها اللاحقة، وكله جرى عبر أجهزة مخابرات الدول، التي كانت تعرف وتتابع ما تقوم به الأجهزة الدولية الصديقة الأوروبية – الأميركية والروسية من التفاف في التعامل مع دول وجماعات موصوفة بالإرهاب وداعمة له بينها نظام الأسد وإيران وكوريا الشمالية.
بين التأييد والدعم ومعهما التواطؤ والسكوت، مضت «النصرة» بتسمياتها اللاحقة إلى ما صارت إليه في الواقع وفي طموحات الإمساك بورقة شمال غربي سوريا بالرعاية التركية أو من دونها، لكن أمراً كهذا، يكاد يقارب المستحيل لأسباب أولها الطبيعة الوظيفية للجماعة، التي يمكن تكثيفها في القيام بمهمات تكتيكية في التعبير عن اتجاه «إسلامي» إرهابي ومتطرف، والقيام بإحداث تبدلات في موازين القوى المحلية من أجل إنتاج نموذج يناسب قوى التأثير والحل الممكن للصراع في سوريا وحولها، إضافة إلى وظيفتها المشاركة في ملء فراغ سياسي قائم.
والسبب الثاني، أنه من غير المسموح لجماعة وظيفية، أن يتم اعتمادها بوصفها جماعة آيديولوجية موصوفة بـ«الإرهاب والتطرف»، حسبما يقال عنها في العالم، وأن يصير لها كيان مستقل أو شبه مستقل، وثمة كثير من الأمثلة لعل أبرزها وأقربها مثال دولة «داعش».
وسط واقع الحال، فإن «هيئة تحرير الشام» بلغت المستوى الأقصى لما يمكن أن تصل إليه جماعة مماثلة، كما حال «القاعدة» الجماعة الأم، والشقيقة «داعش» والمنافسة «قوات سوريا الديمقراطية» و«المعادية»؛ «حزب الله» اللبناني، حيث بلغ تمددها الحد الأقصى، ما يعني أن عليها المراوحة في المكان بانتظار تحول عميق، يأخذ سوريا إلى تسوية، لن تكون الهيئة في خريطتها، وحتى يحين ذلك الوقت فإن وجود الهيئة في الشمال سيبقى طالما رغبت تركيا في استخدامها لضبط المنطقة وإدارتها بعد فشل أصدقاء أنقرة الآخرين، وقد يتمدد دور الهيئة في المنطقة إلى مشاركة في حرب ضد «قوات سوريا الديمقراطية» عدو تركيا الرئيسي، التي تصفها تركيا بأنها «جماعة إرهابية»، كما هي الصفة التركية لـ«هيئة تحرير الشام».

الكاتب : فايز سارة
المصدر : الشرق الأوسط