عمليات “الدولة الإسلامية” في سورية.. رسائل واضحة تثبت قوة التنظيم على الرغم من خساراته الفادحة

يواصل تنظيم “الدولة الإسلامية” عملياته المكثفة في البادية السورية، وتهديد مناطق أخرى في محاولات مستمرة لإثبات وجوده عبر خلاياه النائمة بعد الخسائر الضخمة التي تكبّدها خلال السنوات الأخيرة بفعل العمليات العسكرية والتي استهدفت أبرز معاقل التنظيم المتطرف وفلوله والتي أفضت إلى إنهاء نفوذه كقوة مسيطرة على مناطق.
ولطالما حذّر المرصد السوري لحقوق الإنسان من العودة المرعبة لهذا التنظيم الإرهابي الذي يسعى إلى تجميع ما تبقى من فلوله للتمركز من جديد برغم كل الخسائر في صفوف قياداته فضلا عن الخسائر المادية الضخمة التي كان يعتمد عليها والتي قدّرت بملايين اليوروهات.
كما ينبه المرصد، كمنظمة حقوقية، إلى مخاطر استهداف التنظيم للمدنيين ومنازلهم وخاصة الأطفال وخطف النساء مقابل الفدية، ويؤكد مساندته للأهالي في تلك المناطق غير الآمنة ويحذّر من شراء ذمم أبرياء مستغلا الوضع المزري الذي يجعل منهم لقمة سائغة لهذا لتنظيم الإرهابي.
وتحدث المرصد السوري لحقوق الإنسان عن محاولات تنظيم “داعش” لتأكيد حضوره بالأراضي السورية، خلافا لإعلان قيادة التحالف الدولي هزيمته في شهر مارس/آذار من العام 2019، حيث بدت الآن واضحة عودة التنظيم من خلال العمليات المتصاعدة التي ينفذها ضمن مناطق نفوذ النظام وقوات سوريا الديمقراطية، مستغلا كل فرصة سانحة لإثارة الفوضى وتنفيذ عملياته في رسالة صريحة مفادها أن التنظيم لم ينته، وأنه لا يزال يملك القوة الكافية لمحاربة النظام وحلفائه، حيث تنتشر بؤر التنظيم على نحو 4000 كلم مربع انطلاقاً من منطقة جبل أبو رجمين في شمال شرقي تدمر وصولاً إلى بادية دير الزور وريفها الغربي، بالإضافة إلى تحركاته في بادية السخنة وفي شمال الحدود الإدارية لمحافظة السويداء.
المرصد السوري لحقوق الإنسان، وثق خلال العام 2021، مقتل 880 شخص في العمليات العسكرية ضمن البادية السورية، هم: 484 من عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” (83 منهم قضوا باستهدافات واشتباكات مع قوات النظام، والبقية -أي 401- قتلوا بقصف جوي روسي)، و396 من قوات النظام والميليشيات الموالية لها قتلوا في استهدافات وهجمات وتفجيرات وكمائن لعناصر التنظيم.

كما رصد ووثق نشطاء المرصد السوري لحقوق الإنسان خلال العام 2021، أكثر من 344 عملية قامت بها خلايا التنظيم في مناطق نفوذ “الإدارة الذاتية” ضمن كل من دير الزور والحسكة وحلب والرقة، تمت تلك العمليات عبر هجمات مسلحة واستهدافات وتفجيرات.
ووفقاً لتوثيقات المرصد السوري، فقد بلغت حصيلة القتلى جراء العمليات آنفة الذكر خلال العام 2021، 229 شخص، هم: 93 مدني بينهم 5 أطفال و9 نساء، و136 من قوات سوريا الديمقراطية وقوى الأمن الداخلي والدفاع الذاتي وتشكيلات عسكرية أخرى عاملة في المنطقة.

المرصد السوري لحقوق الإنسان، التقى الخبير الاستراتيجي ماجد القيسي، الذي أوضح أن أمورا كثيرة حدثت منذ أن خسر تنظيم “داعش” آخر منطقة من معاقله في بلدة الباغوز السورية، وبرغم مقتل زعيمه أبو بكر البغدادي من قبل القوات الأمريكية في شمال سورية، وتعيين زعيم جديد هو أبو إبراهيم القرشي، إلا أن التنظيم لا يزال يشكل خطرا كبيرا في سورية بانتقاله من مرحلة التمكين والسيطرة على المدن الكبيرة مثل دير الزور والرقة إلى مرحلة (صراع البقاء) ويسعى في مراحل لاحقة للظهور بشكل قوي مستفيدا من العوامل الطائفية والسياسية.. وبرغم فقدانه الكثير من المقومات التي كان يمتلكها كالأموال والقيادات الميدانية وقيادات الصف الأول إلا أن التنظيم لايزال يقوم بعمليات داخل سورية وتحديدا في المنطقة الواقعة ما بين شرق حمص وتدمر والسخنة وصولا إلى البادية السورية الغربية شرق الفرات وإلى مناطق الحسكة، ونزولا إلى الصفا. وبلغت عملياته منذ عام 2020 بعد انتزاع الباعوز منه الى نهاية عام 2021 حوالي 950- 975 عملية وكان النصيب الأكبر منها في دير الزور بحدود 550 عملية تليها الرقة بـ ( 150 ) عملية ثم الحسكة ب ( 135) عملية، في حين توزعت عملياته الباقية بين حمص ودرعا وحلب، أما في العاصمة دمشق فحدثت ( 4 ) هجمات، وجميع هذه العمليات أعلن عنها التنظيم وأدعى مسؤوليته عن تنفيذها.
وأفاد القيسي بأن البيانات المذكورة يمكن أن توصل إلى استنتاجات مفادها أن التنظيم لديه حضور في دير الزور والرقة والحسكة وبعض الخلايا النائمة في مناطق حمص ودرعا وحتى دمشق. وتشير التقارير الاستخباراتية وتقارير أجنبية إلى أن التنظيم يمتلك مابين 13 ألفا إلى 15 ألف عنصر في سورية، بينهم ما بين 2500 – 3000 عنصر نشط وما تبقى هي عناصر خاملة لم يحن دورها بعد.
ووفق محدثنا يعتمد التنظيم على القيادة اللامركزية وعلى مجاميع خفيفة تعتمد على حرب العصابات وتقوم بعمليات ضد القوات السورية والمليشيات بين مناطق دير الزور والبادية الغربية مستفيدة من الوضع الجغرافي.. وفي الحسكة وبرغم وجود قوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي هناك إلا أن التنظيم استفاد من عوامل عملياتية منها تراجع دور التحالف الدولي بقيادة أمريكا واستنزاف قوات سوريا الديمقراطية التي تمددت في مناطق واسعة أثرت على قدراتها القتالية لتغطية المنطقة من القامشلي إلى شرق دير الزور وصولا إلى الباغوز، كما استفاد من الخلافات بين قوات قسد والعشائر الموجودة في الرقة ودير الزور، وكذلك من الصراع بين إيران وروسيا ونظام بشار من جهة والتحالف الدولي وقوات سورية الديمقراطية للسيطرة على حقول النفط والطاقة في الشدادي وكونيكو وحقل عمر والورد والتنك والتي تعتبر ذات أهمية استراتيجية.

في حين يرى الخبير في الجماعات المتطرّفة حاتم بوعليك، في حديث مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، أنّ الزيادة في وتيرة الضربات من قبل التنظيم مؤخرا خاصة في البادية السورية والمنطقة الشرقية تدلّ على مساعيه لتجميع ما تبقى من صفوفه التي شُتّتت بفعل الحرب عليه، مشدّدا على أن تلك الهجمات عبارة عن مؤشرات لفهم طبيعة أنشطته في الفترة المقبلة خاصة في ظل تواصل اللاّ استقرار في سورية وعدم التوافق للمضي نحو الحلّ السياسي الوحيد القادر على إضعافه على خلفية أن التنظيم يتحرّك بصفة أسرع مستغلا أي فراغ في واقع التقسيم والتشتت وغياب الأمن الجماعي بالصفة الكافية لحماية مختلف المناطق.
وأكد محدثنا أن عدم تغيّر الوضع في سورية برغم كل المفاوضات والمشاورات والأخذ والردّ سنوات طويلة، ساعد التنظيم في إعادة تنظيم صفوفه مجددا وقد تكون أكثر دقة وتوازنا مستفيدا من حالة العشوائية التي عاشها سنوات الحرب ضدّه.
وكان المتحدث باسم التحالف الدولي قد حذّر مؤخرا من تصعيد تنظيم “داعش”من هجماته ضد المدنيين باستخدام العبوات الناسفة والأسلحة الخفيفة لتقويض إمكانية استقرار الأماكن المحررة من الإرهاب.
بدوره اعتبر المحلّل السياسي، آلان بكو كيكي، في حديث مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن التنظيم الإرهابي عاد إلى الظهور في مناطق عديدة من سورية خاصة بعد الغزو التركي عام 2019 لشمال شرقي البلاد واحتلال مدينتي سري كانييه/رأس العين، وكري سبي /تل أبيض، بالتزامن مع انسحاب قوات التحالف من شرقي الفرات واستغلال تركيا حدوث الفراغ الأمني لإعطاء التعليمات إلى خلايا “داعش” النائمة للظهور مرة أخرى حتى تستغل الأوضاع الحالية وتتمدد قدر الإمكان في الأراضي السورية، إلا أن محدثنا لاحظ أن”الأمر لم يكن بتلك السهولة بفضل معرفة قوات سوريا الديمقراطية لهذا المخطط وتصديها لتلك الهجمات ومضاعفة جهودها القتالية للحيلولة دون عودة داعش”.
وأكد كيكي أن المستفيد الأكبر من عودة تنظيم “داعش” واستعادتِه نشاطًه هو الدولة التركية وأردوغان، مشيرا إلى وجود جماعات مسلحة تأتمر بأمر تركيا وأغلب عناصرها من “داعش” بعد تحرير مناطق الرقة ودير الزور، كما أن أغلب قيادات التنظيم متمركزة في مناطق تحت النفوذ التركي كإدلب والباب وجرابلس وسري كانييه /رأس العين وكري سبي/ تل أبيض، حيث أكدت قوات التحالف الدولي في بيانات رسمية قيامها باستهداف العديد من تلك القيادات في سورية ضمن مناطق النفوذ التركي، لافتا إلى أن عودة “داعش” لا تشكل خطرا فقط على مناطق الشمال والبادية بل قد يصل الخطر هذه المرة إلى أبعد مما كان متوقعا لا سيما أن تركيا مستمرة في دعمها ماديا ومعنويا ولوجستيا .
من جهته، يرى المعارض السياسي البارز، الدكتور إبراهيم الجباوي، في حديث مع المرصد، أن التنظيم الإرهابي سيبقى يشكل خطرا على الكثير من المناطق وليس على البادية السورية فحسب لأن “داعش” في الأساس ما هو إلا أداة رعب وابتزاز بأيدي مشغليه لتنفيذ أجندتهم في كل الجغرافيا السورية.
وأضاف: “في البادية السورية هو أداة رعب وابتزاز في يد روسيا تسلطها على رقبة النظام من أجل أن يبقى مستكينا للهيمنة والسطوة الروسية، وبالمقابل هي أيضا أداة رعب روسية على الميليشيات الإيرانية ليبقى هو المتحكم الوحيد في سورية. ولم يعد خافيا أن “داعش” هو من صنع مخابرات عالمية مشتركة ساهم النظام الإيراني في إنتاجه،مؤكدا أن تنظيم “داعش” ما هو إلا “بعبع” كما ولد ينتهي بقرار شفهي من مشغّليه.

أما المعارض أحمد مظهر سعدو، فيقول في حديث مع المرصد السوري، إن القضاء على تنظيم “داعش” في الأراضي السورية لم يكن نهائيا ولا حاسما كما أنه لم يكن يراد له ذلك كي يبقى كـ”مسمار جحا” ذريعة لاستمرار التدخل الأمريكي والتحالف الدولي وأيضا كي تبقى “قسد” وحدها تحظى بالرعاية الأمريكية المفترض أن تكون طويلة الأمد، ومن أجل أن تستمر عملية شيطنة فصائل الثورة السورية العسكرية بمجموعها من قبل بشار الأسد ومن يدعمه، مشيرا إلى عوامل استمرار التنظيم لا تزال قائمة وأهمية وجوده ودوره يخدم أجندات أطراف عديدة وخاصة لصالح كيان الإحتلال الاٍسرائيلي والولايات المتحدة
وخلص محدثنا إلى القول:”يبدو أن هناك بالفعل بعض الأطراف الخارجية والداخلية التي تأمل في عودته لتنفيذ مصالح تريدها وتعمل على أساسها، وأعتقد أن الروس أيضا مازالوا يتحدثون عن دورهم المراد، كما يمكن القول إن استمرار البقاء الايراني في الجغرافيا السورية هو الآخر يتساوق مع بقاء “داعش” بالضرورة.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد