المرصد السوري لحقوق الانسان

عن الأسديتين

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي المرصد السوري لحقوق الإنسان

ـ لو سألت أي سوري، طردته الأسدية بالقوة من قريته أو بلدته أو مدينته، عن أحواله، لأخبرك بحسرة إنه لم ينل شيئا مما كانت ثورة الحرية قد وعدته به، وقدّم من أجله الغالي والرخيص، ولم تدركه الحرية والعدالة والمساواة، كما لم تحترم كرامته الإنسانية. ولو استعلمتَ عن السبب، لوصف لك معاناته اليومية بلغةٍ تقشعر لها الأبدان، فإن لفت نظره إلى أولي الأمر من قادة الفصائل المسلحة، ووضع المناطق الخاضعة لهم، لأبلغك إن السلاح الذي وعد بتحريره هو الذي يستعبده، ولهزّ رأسه أسفا على ما آل إليه حاله بين أسديةٍ أمامه وأخرى خلفه، فلمن يشكو وكيف ينجو بنفسه وأحبابه.

ـ قبل اغتياله بأيام، نشر الإعلامي حسين خطاب، المعروف بدفاعه عن المواطنين وانتقاده ما يمارس عليهم من تسلط واستبداد بالسلاح، ويعانونه من الفساد والإذلال، بيانا وجهه إلى شرطة بلدة قباسين، قال فيه: بعد مرور أربعة أيام على محاولة قتلي، وتقديمي شكوى ضد من حاولوا قتلي، وعلى رأسهم أحمد المحمود العبدالله، لكن أحدا لم يحرّك ساكنا إلى الآن، والمجرمون ما زالوا ينعمون بالأمن والأمان في منازلهم في منطقة ترحين، بينما اضطررت لمغادرة المنطقة وترك منزلي خوفا على حياتي، وإنني أحمّل الشرطة كامل المسؤولية في حال حدث لي شيء، لأن من يُشهر السلاح لا خوف عنده من الله .. إذا كانت الشرطة لا تستطيع أن تدخل مخيما لإحضار مطلوبين بمحاولة قتل، فما الفائدة من وجودها.. أصبح المجرم ينعم بالأمان، والمعتدى عليه يترك منزله وأولاده، خوفا على حياته وحريته”. 

كتب الإعلامي المحبوب شعبيا هذا البوست، لاعتقاده أنه سيلفت الأنظار إليه، ويتكفل بحمايته، لكن القتلة اغتالوه بعد يومين، ثم أتوا إلى منزله، وحملوا جثمانه إلى الحفرة التي دفنوه فيها، والشرطة ترى وتسمع، والذين قدّم حياته دفاعا عنهم مكتوفو الأيدي لا يجدون في أنفسهم الجرأة على التصدّي للقتلة، أو طردهم من الجنازة، كي لا يلاقوا مصير الإعلامي الشهيد. 

هل يليق هذا المصير بالمخلصين للثورة، المدافعين عن الشعب وحقوقه، الذين ضحّوا بكل شيء، ليتخلصوا من الأسد وينعموا بالحرية، فإذا بهم اليوم في قبضة أسديةٍ موازية، عنيفةٍ ومسلحة، بنت في مناطقها نظاما لا يقل فسادا وإجراما عن نظام الأسدية في دمشق، حتى ليعتقد أهل هذه المناطق أن من ينكّلون بهم تدرّبوا على أيدي أجهزتها، فلا عجب في أنهم أسّسوا، بقوة السلاح، أجهزة لا تقل ضراوةً ووحشيةً عن نظيرتها في المناطق غير المحرّرة، وتحمل قدرا من العداء للشعب، لا يقل أو يختلف عمّا تحمله الأجهزة المناظرة لها هناك، في دمشق، علما أنها تمارس دورها العدواني من دون التفاتٍ إلى شرطة حكومة الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية وقضائه، وترتكب جرائمها جهارا نهارا. لذلك صنفت منظمات دولية ما فعله عديدون من قادة الفصائل بمواطني مدينة عفرين من الكرد جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فكأن هؤلاء ينافسون أسدية دمشق على ترويع الشعب، ويواصلون حربها على السوريين، ويوهمون أنفسهم، في الوقت نفسه، أن العنف والتخويف كفيلان بحجب حقيقتهم، حتى إن كان القمع والإذلال يطاول كل فرد في مناطقهم المحتلة، خصوصا إن كان من النساء.

يتساءل السوريون عن الجريمة التي ارتكبوها، حين طالبوا الأسدية، سلميا ومدنيا، بحرّيتهم، أسوة بسواهم من الشعوب التي نالت حريتها من دون أن تتعرّض مثلهم لعقاب جماعي، برزت فيه المجازر والمذابح، وعمليات مخطّطة استهدفت اقتلاعهم من جذورهم: مجتمعا وأفرادا، وأبادت مئات آلاف منهم بالرصاص أو أبقتهم معلّقين بين الموت والحياة على يد الأسدية بفرعيها، الدمشقي والإدلبي، اللذين أوشكا على إنجاز مهمتهما: جعل دولة سورية ومجتمعها أثرا بعد عين.

 

 

 

الكاتب: ميشيل كيلو – المصدر: العربي الجديد

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول