عن الانشغال بروسيا ودورها في سورية

ثمة انشغال إعلامي وسياسي بطبيعة الدور الروسي في منطقتنا وحدوده وآفاقه وغاياته، ويكاد يصيب البعض منّا الوهم والمبالغة وهو يقرأ هذا الدور بقوله أن الروس يسحبون البساط من تحت أرجل واشنطن في المنطقة ويملأون الفراغ الذي تتركه، ليغدو – وفق هذه القراءة الواهمة – بوتين كأنه يسدد اللكمات لأوباما، وليظهر لافروف بموقع القوي الداهية في مقابل ضعف كيري وتردده وارتباكه الديبلوماسي!

روسيا نفسها تدرك حدود قوتها العسكرية والاقتصادية والسياسية أمام الولايات المتحدة، وهذه المحدودية لا تُسعف موسكو بأن تحل بدلاً من واشنطن في التأثير قي ملفات المنطقة المختلفة والانخراط فيها. استدعاء مبدأ أوباما «القيادة من الخلف» مفيد في هذا السياق، لضبط جموح الخيال السياسي، وهو استدعاء لا يتناقض مع الإقرار بأن الموقع الروسي اليوم في إدارة التناقضات في المسألة السورية وتدوير زوايا الصراع السوري مهم، ولولا انتظار الأطراف كافة من موسكو «شيئاً ما في النهاية» لما كان هذا الإلحاح على زيارة موسكو وقبول دعواتها بالزيارة، ولما قبلت واشنطن لموسكو هذا الدور بالتنسيق معها، بعدما لم تتمكن واشنطن من إنتاج حلول ومبادرات تدفع باتجاه وقف المأساة السورية. هذا التوصيف المركب لا يتناقض، أيضاً، مع قناعة الجميع بأن واشنطن تستطيع عرقلة أي جهود روسية لا ترضى عنها في سورية، وأن موسكو، كذلك، بمقدورها تعطيل أي جهود أميركية في سورية لا تحوز موافقة الكرملين.

لعل أهم ما يكشف عنه الحراك الذي تقوده موسكو حيال المأساة السورية هو تزايد اقتناع الأطراف الإقليمية والدولية بحل سياسي شامل لهذه المأساة في أقرب ما يمكن. وعلى رغم أن الموقف الروسي حيال بقاء بشار الأسد في الحكم أو ضمن أي مرحلة انتقالية مقبلة ينطوي على الالتباس وعدم الوضوح الكافي، فإن هذا الحراك يؤكد أن ثمة تمايزاً في المواقف الروسية عن المواقف الإيرانية. والتحدي الأكبر أمام الديبلوماسية العربية، بخاصة في مصر والسعودية والأردن والإمارات، هو القدرة على إقناع الروس بصيغة مقبولة من قبلهم في ما خصّ مسألة بقاء بشار الأسد. هذا لن يأتي، على الأرجح، بسهولة وفي وقت قريب، بل يحتاج إلى كثير من المحاولات والتراكمات والحوارات، لأن موسكو لن تتنازل عن مسألة بقاء بشار إلّا إذا أحسّت بضغوط قوية عليها في هذا الجانب، ولا تبدو إغراءات المصالح وصفقات الأسلحة العربية قادرة حتى اللحظة على القيام بهذه المهمة، ما يعني أن الأمر يتطلب مزيداً من الإلحاح الديبلوماسي والنجاح السياسي، ومقابلة «الابتزاز» الروسي بعقلية براغماتية، على رغم قسوة هذا الخيار وتعقيده وكلفته الأخلاقية، خصوصاً في التعاطي مع مأساة إنسانية كالمأساة السورية. لا يستطيع أحد حتى اللحظة أن يؤكد أن موقف موسكو من الأسد تغيّر، هناك تكهنات وآمال في هذا الاتجاه، ولعلّ ذلك ما دفع البعض للقول أن تعديل المواقف وقع عبئه الأكبر على الجانب العربي وليس الروسي. أما من ينظر إلى الأمور بدرجة أكبر من التفاؤل فيقول أن من المرجح أن روسيا بصفتها دولة عظمى تولي مصالحها في المنطقة الأهمية الأولى، وإذا ما تعارضت هذه المصالح بسبب التمسك بالأسد، فإن من الطبيعي لموسكو أن تسلك طريقاً آخر. هذا يتفق مع قراءة الرئيس الأسبق للائتلاف الوطني السوري المعارض، أحمد الجربا الذي قال في مقابلة تلفزيونية أنّ موسكو أدركت أنّ «الأسد حصان خاسر، لكنها لا تقول ذلك في العلن وتنتظر نضوج حلّ للأزمة السورية».

 

محمد برهومة

المصدر: الحياة