عن التراجع الإيراني

31

من الصعب تقويم مدى التراجع الإيراني في المنطقة، أو عدمه، من دون أخذ الوضع الداخلي في الإعتبار. الإيرانيون اليوم يتظاهرون يومياً نتيجة غلاء الأسعار وانخفاض قيمة العملة الإيرانية. وعلى رغم أن الحكومة الإيرانية تتهم الولايات المتحدة بالوقوف وراء هذا الحصار الخانق، يبدو أن لأخطاء طهران في السياسة المالية حُصّة معتبرة في التدهور الحالي.

بيد أن المصرف المركزي ارتكب وفقاً للخبراء الاقتصاديين خطأ جسيماً قبل فترة بإطلاق حملة على السوق السوداء للعملة، بالتزامن مع تثبيته سعر الصرف، دون أن يملك احتياطات كافية لرفد السوق بحاجته من العملات الصعبة. كما أن هناك مجموعةً من المحظيين، تقع خارج نطاق الملاحقات.

وهذا الواقع أنتج 3 أسواق موازية للعملات في إيران. يزيد من حدة هذا الوضع المزري تضارب التوقعات (جميعها سلبي) حيال مصير الاقتصاد الإيراني. فالسياسة المالية تعتمد على توقعات بمداخيل البلاد، وهي اليوم غير واقعية في الحالة الإيرانية، في ظل الضغط الأميركي المتصاعد باتجاه وقف استيراد النفط الإيراني في أنحاء العالم.

بعد قرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، يلوح حصار اقتصادي مُحكم في الأفق. ورغم شهور من المحاولات، أثبتت أوروبا أنها غير قادرة وحدها على مواجهة الاندفاعة الأميركية. ومنذ الاعلان الأميركي عن العقوبات المرتقبة (غير المسبوقة تاريخياً كما قال)، أكدت شركة “توتال” النفطية الفرنسية انسحابها من صفقة بمليارات الدولارات مع ايران (معهما شركة صينية) لتطوير حقل “جنوب بارس 11” للغاز.

كانت حُصة الشركة الفرنسية في الحقل مُعتبرة، وتبلغ 30٪، وقررت إيران منحها لشركة صينية. انسحبت أيضاً شركة “مايرسك” لشحن النفط، وأيضاً شركات “بيجو” الفرنسية للسيارات، و”جنرال الكتريك” الأميركية العملاقة وفروعها، و”دوفر”. حتى شركات التكنولوجيا مثل “سيمنز” و”هوني ويل” الدولية أعلنت أنها ستنسحب، رغم حصول الأخيرة قبل أسابيع على عقد مع شركة تبريز للصناعات البتروكيماوية.

واللافت أيضاً أن شركة “لوك أويل” النفطية الروسية أعلنت أنها ستنسحب من ايران نتيجة العقوبات الأميركية المرتقبة، وكذلك شركة “ريلاينس” الهندية. والواقع أن الهند بأسرها، وفقاً لما تسرب بالأمس عن الخارجية الهندية، ستوقف استيراد النفط الإيراني بالكامل. لم يبق إلا بعض الشركات الأوروبية والصينية التي قد يُضطر بعضها للانسحاب لاحقاً، إذ لدى بعضها استثمارات في الولايات المتحدة.

كل ما سبق حصل قبل دخول العقوبات الأميركية القاسية حيز التنفيذ، وهذا سيبدأ في السادس من آب (اغسطس) المقبل. وبإمكاننا فهم مدى تأثير العقوبات أيضاً بالنظر الى آثارها قبل الاتفاق النووي. عام 2010، كانت الصادرات النفطية الايرانية 4 ملايين برميل يومياً، لكنها انخفضت نتيجة العقوبات الأميركية الى 2.5 ملايين برميل يومياً في حلول عام 2013. ثم ارتفعت بعد ازالة العقوبات الى أربعة ملايين برميل يومياً مجدداً عام 2016، ومعها تضاعفت نسبة النمو الاقتصادي مرات.

والواقع أن زيادة الإنتاج الروسي والسعودي للتعويض عن التراجع الإيراني المرتقب (النصف تقريباً)، كفيل بالحفاظ على السعر الحالي والحؤول دون ارتفاعه، وبالتالي رفع منسوب خسارات طهران. عندها لن يبقى أمام الحكومة الإيرانية سوى حلول قليلة من بينها إشعال فتيل الحرب في المنطقة من أجل إخماد حرائق الداخل، وقد يدفع ذلك أسعار النفط صعوداً.

ذاك أن السياسة الإيرانية علّمتنا بأن التشدد والقمع في الداخل، يترافقان عادة مع مغامرات خارجية. واليوم، حتى الرئيس الإيراني (الإصلاحي) حسن روحاني، وهو مُطالب بإبدال فريقه الاقتصادي، بات يتحدث مثل أقطاب الممانعة. في خطاب قبل أيام، دعا الإيرانيين إلى الحفاظ على الوحدة، “وتركيع أميركا”، قائلاً إن أبناء بلاده “سيتحملون المشاكل والضغوط، ولن نُضحي بإستقلالنا”.

يبقى السؤال كيف ستُصعّد إيران وبأي أدوات، وفي العراق أم في لبنان. وربما يتحينون الفرصة المناسبة، أو ينتظرون إعلان الصُهر الرئاسي جاريد كوشنير “صفقة القرن”، للعبور الى التصعيد من بوابة فلسطين.

مهند الحاج علي

المصدر: المدن