المرصد السوري لحقوق الانسان

عن «المرتزقة السوريين» في ليبيا

هنالك مقطوعة كلها حماسة ومجد للموسيقار الألماني ريتشارد فاغنر، تستوحي أسطورة الحوريات اللواتي يخدمن الآلهة في الميثولوجيا الاسكندنافية، ويتخصصن باختيار من يموتون في المعركة، ليحملنهم إلى مستقرّهم الأخير. وقد وضع المخرج الأمريكي كوبولا تلك المقطوعة في خلفية هجوم سرب الهليوكوبترات الأمريكية على القرى الفيتنامية آتياً مع موج البحر، وموقعاً برصاص رشاشاته مئات الضحايا من الأهالي المسالمين. والمؤلف المذكور معروف أيضاً بأنه كان المفضل لدى أدولف هتلر، وباسمهنّ – الفالكيريات- هنالك رواية للكاتب البرازيلي باولو كويلهو أيضاً.
اختار ديمتري أوتكين، وهو جنرال متقاعد خدم في السابق قائداً للوحدات الخاصة للمخابرات العسكرية الروسية؛ اسم فاغنر ليكون اسمه الحركي متفائلاً به وبهتلر، ثم استخدمه أيضاً في تسمية مجموعته العسكرية، التي تشكل الذراع الفعالة للشركة الأمنية، التي قام بتأسيسها في ما بعد. كان هذا الجنرال ضيفاً في عام 2017 على الكرملين، حيث مُنح وسام الشجاعة، وهو من جهة أخرى تحت الرعاية المالية لبريغوجين، المعروف باسمه الحركي أيضاً «طباخ بوتين».

الضجة الكبيرة التي يثيرها استخدام السوريين في ليبيا على الجبهتين يتحمل مسؤوليته المباشرة من نظّم تلك العملية وقادها

تتألف تلك المجموعة من محترفين روس وصرب وبيلاروس وأوكرانيين وغيرهم، وكانت وما زالت فاعلة بقوة في الحرب السورية، تخدم الحكومة الروسية، والديكتاتور الأسد. ولطالما تبرأ بوتين من علاقته بها، رغم ما يُقال عكس ذلك هنا وهناك. ويعود اسم المجموعة بقوة حالياً ليظهر في الحرب الأهلية الليبية، في جهة قوات الشرق التي يتزعمها الجنرال خليفة حفتر. وما يهمنا في الحقيقة من كل هذا هنا هو أنها قامت بتجنيد عدد مهم من المقاتلين السوريين، من خلال علاقاتها في سوريا مع مقاتلين إلى جانب الأسد، أو من معارضيه السابقين الذين عقدوا تسويات معه عن طريق الوساطة الروسية. يقال إن عددهم عدة مئات، قد يصل إلى 2000، حملتهم طائرات شركة «الأجنحة» التي يملكها أثرياء حرب مقربين من الأسد، في عشرات الرحلات السرية – المكشوفة. تسرب هذا الأمر مثلاً في تقرير أممي لصالح لجنة الأمم المتحدة لمراقبة حظر الأسلحة، في الأسبوع الأخير من إبريل الماضي. تقوم مجموعة فاغنر، مع غيرها أيضاً، بتجنيد «المرتزقة السوريين» للعمل إلى جانب قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة الجنرال خليفة حفتر..
على الجانب الآخر، تقوم شركة «صادات» التركية، بتجنيد «المرتزقة السوريين» أيضاً للقتال إلى جانب حكومة الوفاق، التي يتزعمها فايز السراج، ويقال أيضاً إن عدد المقاتلين السوريين الذين أحكمت تدريبهم وجندتهم هذه الشركة يقارب الخمسة عشر ألفاً. وحول هذه الشركة الخاصة وغير الخاصة، يقول مؤسسها الجنرال التركي عدنان تانريفردي – الذي خدم سابقا في وحدة عسكرية خاصة، ويقال بالمناسبة، إنه ليس بعيداً عن الرئيس أردوغان- إن فكرتها ابتدأت لديه من خبرته بتجربة الحرب البوسنية منذ يوليو 1996. يقول في موقعه الإلكتروني الرسمي: «لقد تم إيقاف الحرب البوسنية التي بدأت بالإبادة الصربية في تاريخ 1 مارس 1992 عن طريق «اتفاقية دايتون» التي أبرمت في تاريخ 14 ديسمبر 1995». لقد قامت حرب البوسنة والهرسك بلفت الانتباه إلى أن الأوروبيين والأمريكيين أظهروا هويتهم الصليبية مرة أخرى، وأن المؤرخين والمحللين الأوروبيين أنفسهم اعترفوا بذلك، وأن الغرب بهذه الحرب عاد إلى هويته الاستعمارية التي كانت موجودة في القرن التاسع عشر.
لقد دفعتني- والمتكلم ما زال تانريفردي- هذه الذكرى لأقوم ببحث «شركات الاستشارات الدفاعية الخاصة» التي تسيطر عليها الإمبريالية الغربية عن قرب، ورأيت أنه يوجد حوالي «70 شركة استشارات دفاعية دولية»، تقع تحت سيطرة الدول الغربية المتطورة والتي تقوم بالخدمة عن طريق السيطرة على العلاقات الخارجية للدول بالتوازي مع السيطرة على قواتها المسلحة».
تم تأسيس شركة صادات للاستشارات الدفاعية الدولية والإنشاءات الصناعية والتجارية المساهمة، من قبل 23 مساهما مؤسسا متقدما وبدعم 64 ضابطا وضابط صف، خدموا بنجاح في مراحل متنوعة في القوات المسلحة التركية، وهم يحترمون الدول الإسلامية، ويهدفون للخدمة في المجالات اللازمة، والمساهمة في تكوين وسط للتعاون الدفاعي، والتعاون في الصناعات الدفاعية، وخدمة التحالف الإسلامي بدون الحاجة للدول الاستعمارية ذات الفكر الصليبي».
وواضح أن هنالك رائحة براغماتية صرفة أكثر في «مجموعة فاغنر»، وأيديولوجية أكثر نسبياً في «صادات»، وليس هذا غريباً، لأنه ينسجم مع شخصية المستفيد منهما أو المحرّك لهما. المهم لدينا- نحن السوريين- أن الطرفين يقومان بتجنيد المرتزقة من بين المقاتلين السابقين، بغضّ النظر قليلاً عن الجهة التي كانوا فيها أثناء «الحرب الأهلية» السورية، التي تحولت إلى مستنقع راكدٍ أو نصف راكدٍ حالياً.
تتحدث بعض الدراسات الأممية، عن عتبة الفقر من جهة، وعن حدّ الفقر المدقع أو المطلق من جهة أخرى. ويتحقق هذا الأخير عند انتفاء اثنين فقط من مؤشرات الفقر والمجاعة التالية: الغذاء فوق ثابت محدد، والمياه الصالحة للشرب، متاحة وقريبة المنال، وتوفر مرافق الصرف الصحي، والعلاج للأمراض الخطيرة وعند الحمل، والمأوى بمعدل أقل من أربعة أشخاص في الغرفة، والتعليم في المدارس، والوصول إلى المعلومات بوسائل الإعلام، والحاسوب والهاتف، وإمكانية الوصول إلى الخدمات في حقل الصحة والقانون والمجتمع والائتمان… ولم يجر التأكّد من توصيف المحرومين من أكثر من اثنين من هذه العوامل، يكون توفّر الغذاء واحداً منها دائماً، أو أكثر بكثير.
وفي الحقيقة والواقع، وابتداءً من منتصف عام 2011، أخذنا بتفسير حمل السلاح على أنه لحماية المدنيين وتجمعاتهم السلمية، وكان كذلك بالفعل. قام بضع شباب في البداية بحمل سلاح فردي مخبأ تحت الثياب لحراسة مداخل الحيّ وتأمين المتظاهرين. ثم تكاثر المنشقون من أولئك العسكريين والأمنيين، الذين رفضوا مواجهة أهلهم بالنار والحديد، وكان ذلك طبيعياً ومبرراً.. وحين تصاعد العنف، التجأ الناس إلى الله بالشكوى، ووجد العقل الديني، والإسلام السياسي والتشدد المتصاعد، مدخلاً إلى الساحة والميدان. حاول بعضنا أيضاً تفسير نجاح القوى الأكثر تشدداً، بأنها مجرد رد فعل على تطرف النظام، وبأنها تتألف من سوريين يبادرون إلى حماية قراهم أو أحيائهم من العدوان. وما يهمنا في هذا المقام هو رؤيتنا لنموّ وهيمنة التطرف المسلح، كمنتجٍ مباشر لظهور فتيان محرومين من المدارس، وشبانٍ عاجزين عن إعالة أهلهم ما لم يتوجهوا إلى تلك الجماعات الجهادية، التي تتوفر لديها موارد مفتوحة من غير مكان. فكان الجهل والعَوَز الشديد السببين الأقرب إلى متناول اليد.. أو اللسان.
حالياً، أصبحت هنالك أعداد مهمة من المقاتلين المحترفين الذين لا يعرفون أو نسوا أشكال تأمين الدخل الأخرى، وتعايشوا مع أعدادٍ مهمة من المقاتلين الأجانب، الذين يحتاجون – معاشياً أو أيديولوجياً- إلى ميادين جديدة. هذا يشمل جانب النظام أيضاً، بمقاتليه الأهليين والغرباء.. وعلى الطرفين أصبح هنالك مصدر للمقاتلين المرتزقة، لم يجر استنفاده بعد.
تُطلق الآن صفة «المرتزقة السوريين» على أولئك الذين تدربهم وتوظّفهم شركات كالشركتين المذكورتين أعلاه، ولحسابات وتوظيفات سياسية خاصة بالحكومات المعنية. وفي الواقع، لا يشكل فعل الفرد الموظّف في إطار المقاتلين المرتزقة جريمة محددة تحت طائلة القانون الإنساني الدولي؛ ولا المحكمة الجنائية الدولية، ولكن، يعود للسلطة التي تحتجزهم أن تعاملهم على هذا الأساس. ورغم أن من قام بتجنيد المرتزقة في سوريا في البداية،، كان النظام الإيراني، الذي لم يترك شكلاً يستطيع استخدامه مستعيناً بالأيديولوجيا التي يرفع عقيرته بها، إلا واستخدمه، من الأفغان واللبنانيين والعراقيين والباكستانيين وغيرهم؛ إلا أن الضجة الكبيرة التي يثيرها استخدام السوريين في ليبيا على الجبهتين هو موضوع الساعة، ويتحمل مسؤوليته المباشرة من نظّم تلك العملية وقادها، والحكام الذين يقفون وراءها.. من دون أدنى شك. في حين تعود المسؤولية الأخلاقية على الموظّفين جميعاً مباشرة في تلك العمليات، ولا تعفيهم من ذلك لا المجاعة ولا الموت الواقف على الأبواب، ولا أيضاً حرارة الشعارات التي تهلهلت وفقدت كلّ لون وطعم.

الكاتب:موفق نيربية – المصدر:القدس العربي

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول