عن الواقعية والمبدئية في الثورة السورية

39

بعد نقاش طويل على الإنترنت مع صديق ناشط في مجال استعادة الإطار المدني في سورية، كتب لي ناصحاً: «نحتاج إلى وقفة مع ذواتنا ومسامحة لأنفسنا ولبعضنا. ولكننا لا نحتاج لأن نستمر في تسمية الجدار الذي ننطحه منذ خمس سنوات أفقاً». دفعني هذا التعليق للتفكر في موقفي، وموقف الكثيرين مثلي، من الوضع الراهن في سورية وما إذا كنا فعلاً ننطح جداراً ونراه أفقاً. ومن هناك عاد بي التفكير إلى بداية الثورة ووضوح الأفق حينها: ثار الناس تأثراً بثورات الربيع العربي بعد عقود خمسة من السكوت المهين وطأطأة الرؤوس لنظام استبدادي، ولكي يطالبوا بالكرامة والحرية (على ما في هذين المصطلحين من التباس وفضفاضية). كان رد الفعل الطبيعي تأييد الثورة، فالأخيار والأشرار في المعادلة واضحان. وكما كتبت أنا نفسي في «الحياة» (الجمعة، 17/8/2012): «ردّ الفعل الأخلاقي المبدئي على الثورة السورية لا يمكن أن يكون سلبياً مهما كان التخوف من تبعاتها ونتائجها. يمكن للمرء أن ينتقد تصرفات بعض الثوار أو ينبه إلى الأخطاء أو يستنكر بعض المواقف والتصريحات أو يستقرئ الأحداث ويتنبأ بسوء مآلها، ولكنه لا يمكنه أن ينزع عن الثورة غطاءها الأخلاقي كثورة على الظلم المتطاول، ثورة تجد صداها في التراث الإنساني العميم من الصراع بين العدل والظلم، بين الحق والباطل، وبين الناس ومضطهديهم».

جرت مياه كثيرة تحت الجسر منذ ذلك التاريخ. تعسكرت الثورة وتأسلمت وتدولت، بل ربما سُحب بساطها من تحت أرجل الثائرين السوريين وسرقها شذاذ آفاق قروسطيو التفكير وعنيفو الفعل، قدموا من كل فج عميق وتمولهم شبكة من المصالح غير واضحة المعالم. أما النظام فما زال على حاله: يقاتل كما لو كان في حرب بقاء مع عدو خارجي وليس مع غالبية شعبه. زاد من استخدامه للأسلحة الفتاكة والمحرمة دولياً وفتح سورية لحلفاء مذهبيين يجارون في عنفهم عنف الجهاديين التكفيريين وفي خطابهم عنصريتهم وطائفيتهم وضيق أفقهم. ثم دخلت روسيا على خط النظام لكي تجرب أسلحتها الجديدة على لحم السوريين بحجة محاربة الإرهاب. وتيتمت الثورة وخرب البلد وهجّر الناس، ومن بقي منهم ضاقت به الحال وبلغ به اليأس أن صار كثيرهم يلعن الساعة التي بدأت فيها هذه الثورة، ليس عن عداوة لها أو مخالفة لمرادها ولكن عن إحباط بمآلاتها.

من هنا نبع بعض الواقعية السياسية التي نشاهدها اليوم لدى حركات المعارضة، حتى بعضها المسلح والمتأسلم، التي قبلت بمبدأ التباحث مع النظام من دون الشروط التي أصرت عليها في السنوات الخمس الماضية وعلى رأسها ذهاب الطاغية بشار الأسد الذي قاد القمع العنيف والوحشي منذ اليوم الأول.

هذه الواقعية ضرورية بل منطقية في ظل معادلات القوى السائدة في العالم والمنطقة وفي ظل المعاناة الهائلة للسوريين الفقراء في مناطق القصف والحصار والتجويع والتدعيش معاً. لكن التفكير الواقعي يجب أن يكون مسيجاً بجملة مبادئ واستراتيجية محكمة ولكنها مرفقة بتكتيك مرن، يضع في الاعتبار احتمالات المتغيرات في المستقبل المنظور والبعيد معاً. من هنا بدا لي تصريح مسؤول ملف المباحثات في الائتلاف الوطني لقوى المعارضة، الجبهة السياسية الوحيدة الواقفة في وجه النظام، قبل أيام من أن «المباحثات خيارنا الاستراتيجي» قلباً للمعادلة. فهو يقدم استراتيجية مرنة وتكتيكاً جامداً: المباحثات وفقط المباحثات.

هذا التصريح يذكرنا بالعبارة الشهيرة التي رددها حافظ الأسد وأركان نظامه في التسعينات: «السلام خيارنا الاستراتيجي»، حين لم يصدر عن إسرائيل أي تصريح معادل عن جنوحها للسلام كخيار استراتيجي مع إعلانها عن استعدادها الدائم للانخراط في أي «عملية» سلام (من دون أفق حقيقي) واستعدادها الدائم، والفعال طبعاً، للحرب. عبارة حافظ الأسد عنت فعلياً أن سورية لن تحارب، وبالتالي قدمت لإسرائيل مكسباً لم تضطر أن تدفع ثمناً له قبل بدء بازار التفاوض. أي أن الأسد خسر المفاوضات قبل بدئها، على رغم سمعة الدهاء والحنكة التي تمتع بها، وبقيت عقدة الجولان من دون حل إلى اليوم.

أنا أخشى أن يكون الائتلاف الوطني بهذه الاستراتيجية خسر المفاوضات قبل بدئها أيضاً. فالخيار الاستراتيجي للائتلاف يجب أن يكون نابعاً من المبادئ الأساسية التي تمثل مطالب السوريين الذي قاموا بثورة حقيقية قبل خمس سنوات، أي التحرر من نظام الاستبداد. هذا هو الأساس الذي يجب أن يؤطر أي تحرك سياسي معارض عند انخراطه في المباحثات مع غريمه، النظام السوري، المتشبث ليس فقط ببقاء رئيسه على رأس وظيفته حتى نهاية ولايته الحالية بل بحقه في الترشح لدورة قادمة «بعد السلام»؟

فالواقعية السياسية هي أن تأتي إلى المفاوضات مسلحاً بجملة من المبادئ التي تحدد هدفك من التفاوض وجملة من المعطيات التي يمكن لك أن تفاوض عليها. ثم تدخل المفاوضات للتفتيش عما يمكن الاتفاق عليه مع الطرف الآخر، وعما يمكن مبادلته مما لديك من نقاط رابحة مع نقاط رابحة في يد الخصم مما يمكن أن يدفع قضيتك إلى الأمام مع إبقاء كل الخيارات الأخرى قائمة. هكذا كانت المفاوضات بين حركات التحرر الوطني والمُستعمِر في الخمسينات والستينات. أما أن تصبح المباحثات هدفاً استراتيجياً بذاتها، كما حصل في كل المفاوضات العربية مع إسرائيل، أي أن تتخلى قبل بدء التفاوض عما يمكن أن تفاوض عليه، وهو في حالة سورية الثورة ذاتها وما آلت إليه من احتراب مسلح، فهو الجدار الذي ستتكسر جمجمة المعارضة عليه. فالسياسة على الطريقة الأميركية المسيطرة اليوم هي لعبة زيادة الربح وتقليل الخسارة من دون التضحية برأس المال. والأفق الوحيد الذي يمكن للسوريين أن يرنوا إليه هو أفق التحرر والعدالة والمساواة والديموقراطية، أي المبادئ نفسها التي قامت لأجلها الثورة السورية المسروقة.

 

ناصر الرباط

الحياة