… عن حقيقة مشاركة العلويين بالثورة

رأى البعض في ما خصّ خروج العلويين من الثورة السورية أنهم لم يدخلوا الثورة كي يخرجوا منها. وتبدو هذه المقولة محقة إلى حدٍّ ما، بخاصة عند النظر إلى حقيقة التوزع الديموغرافي للمشاركين في الثورة منذ اندلاعها في آذار (مارس) 2011 وحتى هذه اللحظة. لكن على رغم الحقيقة العددية الإحصائية التي تمتلكها هذه المقولة، فإنها ذات بعد تسطيحي إلى حدٍّ كبير، ولا تأخذ المسألة من جوانبها كلّها.

قد تكون المشاركة العلوية في الثورة ذات حجمٍ ضئيلٍ جداً، ويبدو أن السبب في ترويج هذا الاعتقاد نابع من كون المناطق العلوية، بأحيائها في المدن وقراها في الريف، لم تشهد أيّة حركة احتجاجية داعمة للثورة ورافضة للأسد على الإطلاق. بل شهدت تفاقماً للدعم العسكري في قوات الجيش والأمن والشبيحة لقمع كل تجليات الثورة وناشطيها. إلاّ أن من السذاجة بمكان قصر المشاركة العلوية أو أيّة مشاركة لأية طائفة على ظهور احتجاجات كهذه في المناطق التي تمتلكها وتشكل فيها غالبية. فمثلاً، كما أننا لم نشهد تظاهرات في أحياء كالزهرة ووادي الذهب في حمص، كذلك لم نشهد تظاهرات في الأحياء ذات الغالبية المسيحية كالحميدية وبستان الديوان. وكما لم نشهد تظاهرات في قرى كالقبو أو الشيخ بدر، كذلك لم نشهد تظاهرات في قرى مرمريتا أو مشتى الحلو.

إذاً ليس من المحق قصر المشاركة في الثورة على مشاركة كامل الجماعة بشوارعها وقراها. فلا أحد قادراً على نكران العدد الكبير من العلويين الذين شاركوا في التظاهرات والاعتصامات، وحتى العمل العسكري المسلح، كما لا يمكن أحداً نكران وجود قسم كبير من المعتقلين السياسيين من الطائفة العلوية في سجون نظام الأسد، سواء في مراحل سابقة في الثمانينات، أو في المراحل الحالية من الثورة. لكن السؤال الذي يطرح الآن هو: لماذا نشأت هذه المغالطة عن عدم وجود مشاركة للعلويين في الثورة؟

بالنظر إلى الخلفيات السياسية والاجتماعية الاقتصادية لغالبية الناشطين والمتظاهرين والمسلحين والمعتقلين الذين انخرطوا في الثورة وكانوا من أبناء الطائفة العلوية، يتضح لنا أنهم، باستثناءات قليلة، يتحدرون من خلفيات ومرجعيات سياسية معظمها ينتمي الى اليسار الثوري أو اليسار الليبرالي كحزب العمل الشيوعي وحركة 23 شباط والحزب الشيوعي – المكتب السياسي وغيرها. هكذا لم يدخل علويو الثورة فيها بمرجعيتهم الدينية كطائفة أو اجتماع بشري واحد له أهدافه وتطلعاته ورؤاه الخاصة عن سورية المستقبل، إنما دخلوها ببرنامج سياسي واضح له عمق في تاريخ سورية الحديث، وله عمق في معارضته لنظام البعث وحكم الأسد لأكثر من أربعين عاماً. وهم لم يتمكنوا بناءً على انتمائهم الطائفي أن يحدثوا خلخلةً او حتى إرباكاً في بنية المنظومة العلوية كطائفة متشكلة، ولم يتمكنوا من جر حتى الأعداد القليلة من أبناء الطائفة للانخراط معهم في مشروعهم السياسي أو حتى في أيّ مشروع ثوري آخر غير مشروع الأسد.

وعلى ما يبدو فهذا ناجم عن سببين رئيسين دفعا بالطائفة العلوية للتصلّد أكثر وأكثر حول سورية الأسد، هما: تذرير الطائفة العلوية خلال العقود الخمسة التي حكم فيها البعث سورية، والأثر الرجعي للتيارات الإسلامية، وعلى رأسها حركة الإخوان المسلمين، في سورية.

لقد بدأ تذرير الطائفة العلوية، وفي شكل ممنهج، مع بداية انقلاب 8 آذار 1963، وتحديداً في 1966 ووصول حافظ الأسد إلى منصب وزير الدفاع، حيث كان يتم تفريغ الكثير من كوادر الطائفة العلوية لمصلحة التطوع والانضمام الى صفوف الجيش. ونجح حافظ الأسد في بناء كتلة من الضباط العلويين الذين سيشكلون في مرحلة تالية البطانة الفاسدة التي ستعزز حكمه بعد انقلاب 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1970 الذي عرف بـ «الحركة التصحيحة»، بالإضافة الى فصل رجالات الدين والعقل في الطائفة عن إمكاناتها وامتيازاتها الأهلية وفضائها المعرفي. فقد بات لأجهزة الأمن والاستخبارات دور المصانع الجديدة للعقيدة العلوية الأسدية، والتي ستتمحور على فكرة الاضطهاد التاريخي السنّيّ وبناء سرديات المظلومية القائمة عليها. وسيتم تخريج رجالات الدين والطائفة الجدد أيضاً من هذه المصانع، بحيث سيكون لرجل الأمن دور مضاعف، فهو حامٍ للجماعة من «الوحش السنّي» التاريخي، وعارف بالكليات في نهج الطائفة وأسرارها الباطنية.

وتعزز هذا الدور في ظل غياب أي كادر آخر من الشبيبة العلوية المناهضة لحكم الأسد في الثمانينات، بسبب القسوة الوحشية والتدميرية التي مارستها أجهزة الاستخبارات بالاعتقال والتنكيل والنفي، ما دفع باقي أفراد الطائفة إلى كم الأفواه ذاتياً والامتثال اجتماعياً واقتصادياً وحتى معرفياً للكتلة الأسدية والتصلد حولها.

لم يكن التذرير هو وحده السبب في هذا التصلد. فالقوى الإسلامية الرجعية، متمثلة بحركة الإخوان المسلمين والطليعة المقاتلة بالمذابح التي أنزلتها بكوادر وضباط ورجالات من الطائفة العلوية، جعلت من أبناء العلويين، وحتى الأقليات الأخرى، ترى في الأسد ضرورة موضوعية للحماية والبقاء. هذا الأثر يعود الآن ليطفو على السطح في ظل الانفلاش الواسع لقوى إسلامية راديكالية تكفيرية من «نصرة» و»داعش» و»أحرار الشام» وغيرها. وهذا يجعل مسألة مشاركة العلويين ككتلة واجتماع بشري، وليس كقوى سياسية ممأسسة ومنظمة، أمراً في غاية الصعوبة، لا بل ضرباً من المستحيل.

لذا تنهض أمام الثورة السورية، إن كانت هناك بقايا لها في جوف هذا الاحتراب الذي لا ينتهي، ضرورة موضوعية تكفل استخراج الطائفة العلوية، وحتى الأقليات الأخرى، من الاستلاب المضاعف الذي مورس ولا يزال يمارس من قبل الأسد ومنظومته الأمنية الاستخباراتية التشبيحية من جهة، ومن قبل قوى الرجعية الإسلامية التكفيرية والإقصائية من جهة ثانية. وتبقى مسألة مشاركة العلويين في الثورة من عدمها، مسألة شائكة لا يمكن تبسيطها بأرقام أو دلالات إحصائية فقط.

 

 

علي ملحم

الحياة اللندنية