عن دوافع هجرة السوريين إلى الغرب

ثلاثة أسباب مستجدة يمكنها تفسير التدفق المحموم للمهاجرين السوريين طلباً للجوء الإنساني في بلدان أوروبا الغربية، وهؤلاء لا يتحدرون فقط من أفواج الهاربين من أتون العنف، وإنما من أسر لا تزال حياتها آمنة نسبياً.

أول الأسباب شيوع إحساس عام لدى السوريين بانسداد الأفق وانعدام الأمل بخلاص قريب، أو على الأقل بتحسن الوضع الأمني واستعادة حياة عامة تهتكت مقوماتها. فكيف الحال وثمة يقين عند غالبيتهم بأن القادم سيكون أسوأ، إن بالعجز عن توفير أبسط مستلزمات العيش، كالغذاء والكساء، وإن بصعوبة التكيف مع شح الماء والكهرباء، وإن بتراجع الخدمات التعليمية والصحية وفقدان فرص العمل؟! وكيف الحال وقد بات هاجس معظم الشباب الهروب من العنف والاقتتال، بينما يتنامى لدى الجامعيين منهم إحساس بعدم جدوى تحصيلهم العلمي مع غياب الإمكانات المرجوة لممارسة اختصاصاتهم عملياً. والأهم شيوع حالة قلق وخوف عامة من انحسار شروط الأمن والسلامة، حيث غدا حامل السلاح هو الآمر الناهي ويمكنه من دون مساءلة تقرير كل ما يتعلق بمصير الناس وحيواتهم وممتلكاتكم، وتتواتر يومياً الحكايات عن حجم تعديات المسلحين وتنوع تجاوزاتهم، إن كانوا مع النظام أو المعارضة، وعن مواطنين أبرياء، يتعرضون ولأسباب تافهة، للإذلال والابتزاز والأذى والقتل، من دون أن يطاول المرتكبين أي حساب أو عقاب؟! فأي خيار يبقى، حين تقتل فتاة لمجرد أنها زجرت مسلحاً حاول استمالتها، وحين تعجز عائلة عن تأمين فدية لاسترداد ابنها المخطوف، وعندما يرى شاب زميله يفارق الحياة في الحرم الجامعي جراء شظايا قذائف الهاون العشوائية؟!.

صحيح أن أسباب نزوح السوريين كثيرة، وأساسها تصاعد العنف المفرط ضد المدنيين، إن بالإمعان السلطوي في الفتك والتنكيل وإن بما تمارسه جماعات إسلاموية متشددة، لكن الصحيح أيضاً أن العنف كان أشد أحياناً، ولم يخلق موجة واسعة من الهجرة إلى أوروبا كالتي نراها الآن، ربما لأن الصراع الدموي قد طاول وأرهق الناس ودمر ما تبقى من مقومات عيشهم، وربما لأن ما كان محتملاً كمحنة موقتة لم يعد يحتمل على المدى البعيد!

في ضوء ما سبق يمكن فهم هذا التنوع الغريب لطالبي اللجوء، من شباب يرغبون في إكمال دراستهم الجامعية ويخشون الالتحاق بالخدمة العسكرية أو بالتعبئة الإجبارية للجماعات الجهادية، إلى أسر كاملة تريد تجنيب أطفالها الصغار الأذى ولتضمن لهم مستقبلاً آمناً ومستقراً، الى بعض الشرائح الميسورة التي أنفقت مدخراتها ولم يعد من خيار أمامها للعيش سوى اللجوء الإنساني، إلى العديد من أصحاب الكفاءات العلمية الذين يبحثون عن فرص، بمن فيهم من يعملون في الخارج ويتحسبون من العودة الى البلاد مع نهاية عقودهم وانتهاء صلاحية وثائقهم، ناهيكم عن ناشطين مدنيين وسياسيين ضاقت بهم السبل مع سيطرة لغة السلاح وباتوا مهددين من قبل كل الأطراف!

السبب الثاني، يتعلق بالمتغيرات التي طاولت حياة اللاجئين القدامى في بلدان الجوار، فقد شكل الأكراد السوريون أكثرية اللاجئين الى العراق، لكنهم لم يحطوا الرحال طويلاً، وتشير المعلومات إلى نجاح معظمهم في الوصول إلى ألمانيا، تطلعاً لشروط حياة أفضل! بينما اتخذ لاجئو الطبقات الوسطى من لبنان، محطة تضعهم على قوائم الهجرة التابعة للأمم المتحدة، وينسحب الأمر نفسه على اللاجئين الذي يعيشون في الأردن خارج المخيمات، بخاصة مع تضييق كلا البلدين على شروط منحهم الإقامة وفرص العمل!

والأهم اللاجئون في تركيا، حيث بدأوا يتحسسون رؤوسهم وتتحرك عندهم نوازع الهجرة من المخيمات أو المدن التركية نحو أوروبا، ليس فقط جراء تراجع فرص العيش والتعليم والصحة مع تراجع المعونات المقدمة من منظمات الإغاثة الدولية بل خشية من مستجدات سياسية أثارتها نتائج الانتخابات التركية وأظهرت تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية! فلماذا لا يتخوف اللاجئون السوريون من هزيمة أردوغان ويتحسبون من قدوم حكومة لا تتعاطف معهم بل تعتبرهم أحد مسببات مشاكل تركيا، بخاصة أن مرارة التجربة التي عاشها أقرانهم في مصر بعد سقوط مرسي لا تزال تحت اللسان حين تصاعدت المضايقات ومظاهر التمييز والإذلال ضدهم ما دفع الكثيرين للهجرة نحو بلدان أخرى كان لأوروبا منهم حصة وافرة؟!

وثالث الأسباب يتعلق بالترحيب اللافت الذي يلقاها اللاجئون السوريين في أهم بلدان أوروبا الغربية وبخاصة في ألمانيا، وتالياً التسهيلات السريعة والمباشرة التي تمنح لهم، وتفضيلهم عن غيرهم من طالبي اللجوء، والسبب ربما تعويض أوروبي عن موقف سلبي ومتخاذل من المحنة السورية، وربما استجابة لضغط شعبي أخلاقي أظهرته الحشود الأهلية المرحبة باللاجئين السوريين في غير مدينة غربية!

وكالعادة، لا يضيع العقل التآمري هذه الظاهرة، فيطل برأسه، مرة، لتحميل الحكومة التركية مسؤولية تسهيل هذه التدفقات المتواترة من طالبي اللجوء السوريين، إما رداً على تمنع الغرب من منحها ضوء أخضر لإقامة منطقة عازلة، وإما رداً على سحب الأطلسي منظومة الباتريوت من أراضيها، وإما رداً على تخفيض المعونات الدولية المقدمة لإغاثة هؤلاء اللاجئين! ومرة ثانية، للطعن بالترحيب الغربي على أنه خطة خبيثة غرضها سرقة الكفاءات والكوادر السورية، وتسهيل التغيير الديموغرافي في البلاد، وتلبية حاجة أوروبا العجوز وألمانيا الهرمة لتجديد دمائها بالشباب السوري! هي فترة قصيرة وتبرد حمى هجرة السوريين إلى الغرب، وبلا شك سوف تتراجع فرص القبول وتكتفي البلدان الأوروبية بمن وصلوا إليها لاستيعابهم ودمجهم بمجتمعاتها، لكن ما أثارته هذه الهجرة وبخاصة مشاهد الموت الجماعي غرقاً، زاد من إلحاح الحاجة لإطفاء بؤرة التوتر السورية ومعالجة جذور الصراع الدائر بما يلبي تطلعات الناس وحقوقهم، ليس فقط للحفاظ على من تبقى من السوريين في بلدهم، بل لتوفير أهم الشروط الأمنية والسياسية المشجعة لعودة الجميع كمشاركين في إعادة بناء وطنهم حراً وكريماً!

 

 

اكرم البني

الحياة