عن رامي مخلوف والأسد وروبرت فورد

57

عادت «السياسة» إلى «سوريا الأسد» بوصفها صراعات بين أقطاب النواة الصلبة في النظام، وهي نواة ذات طابع عائلي، لتتجلى اليوم بين رامي مخلوف وأسرة بشار الأسد بالمعنى الضيق وتمثلها أسماء الأسد. هذا هو الشكل الوحيد للسياسة في بلد محكوم بنظام سلالي كسوريا الأسد، وذلك بخلاف الدول «الطبيعية» التي تعني فيها السياسة تعبيراً عن مصالح اجتماعية متباينة وتيارات سياسية متنافسة تعكسها وسائل إعلام تتمتع بدرجات متفاوتة من الحرية والاستقلالية عن الفاعلين السياسيين.
أقول عادت السياسة لأن الحرب انحسرت إلى حد كبير بمعناها المباشر، وبدأ التنافس على الغنائم النهائية لما بعد ما يراه أقطاب النظام نصراً. وقد بدأت الحملة على عائلة مخلوف وأباطرة فساد أقل منها شأناً منذ أواخر الصيف الماضي، واستقر المقام بالأب محمد مخلوف وابنه حافظ مخلوف في روسيا، في حين يدير رامي استثماراته في الإمارات العربية المتحدة ولديه صلات قوية بالعائلة الحاكمة هناك. الحملة الجديدة على شركة سيرياتل ومنظمة راماك المملوكتين من رامي، وردة فعل الأخير عليها ببث مقاطع فيديو ، تشيران إلى أن العلاقة بين العائلتين، الأسد ومخلوف، وصلت إلى حد القطيعة التامة. وإذا كان مقطع الفيديو الأول قد عبر عن نوع من الاسترحام على أمل ضعيف بإصلاح ذات البين، فالمقطع الثاني الذي نشر بعد يومين يعبر عن تهديد مبطن. جاء في كلامه مثلاً:
«والله إذا استمرينا بهده الحالة سيكون وضع البلد كتير صعب، وسيكون هناك عقاب إلهي، حتمي… فقد بدأ الآن منعطف مخيف»!
ولكن ما هي الأدوات التي يملكها رامي في صراعه ضد النظام؟ فهو لا يحتل موقعاً سياسياً، ولا يملك قوة عسكرية، وليست هناك دولة أو دول داعمة له على رغم التكهنات الكثيرة التي نقرأها في وسائل الإعلام بهذا الخصوص. نجد الجواب، بصورة غير مباشرة، في كلام رامي نفسه، وعنيت به ما يخص حديثه عن (الفقراء) الذين يزعم انحيازه لهم بدلالة ما توزعه مؤسساته «الخيرية» من مساعدات على بعض الأسر المحتاجة، وتوكيده المتكرر على كونه «مُسخّراً» لإدارة الأموال التي هي «من الله» وليس من ابتلاعه لـ60 في المئة من الاقتصاد السوري بفضل مؤهلاته الفذة المتمثلة في صلة القرابة مع الأسرة الحاكمة. بل إنه اشترط على بشار الأسد أن يشرف شخصياً على توزيع ما ستحصله وزارة المالية منه من مستحقات ضريبية على الفقراء، شرطاً ليفي هو بتلك المستحقات. هو إذن «مكلّف» و«مسخر» من العناية الإلهية لرعاية مصالح الناس ومساعدة «الفقرا». تعبيرات ذات حمولة دينية كثيفة، تتضافر مع مظهر الورع والتقوى الباديين على رامي، ومع تعابير دينية صريحة أخرى، هي المناخ الذي أراد رامي إيصاله إلى جمهوره طلباً لدعمه في وجه الضغوط التي يتعرض لها. هذا هو «السلاح» الذي يظن رامي أنه يمكن أن يكون فاعلاً في حمايته، مما قد يرغم النظام على البحث عن حلول وسط معه. وتزداد أهمية الحمولة الدينية لكلام رامي إذا ربطنا ذلك بحديثه عن «الآخرين» الذي قد يفهم منه معنى طائفياً، بصرف النظر عن قصده الحقيقي منه. فالمهم هو كيف يتلقى الناس هذا الكلام، وهنا فقراء الطائفة المحسوبة على النظام، أي تلك الشريحة الموالية التي كانت تتلقى مساعدات جمعيات مخلوف الخيرية. فالآخرون بالنسبة لهؤلاء هم أهل السلطة من غير الطائفة، وتحديداً من السنيين. يتقاطع هذا التفسير مع ما بات معروفاً من صراع بين رامي مخلوف وأسماء الأسد «السنية» تحديداً. أما أجهزة المخابرات التي يشتكي رامي من ظلمها له من خلال القاء القبض على كبار موظفي شركاته و«تعديها على حريات الناس» (كذا!) فهو يعبر عن خيبة أمله بها لأنه «من أكبر داعميها ورعاتها ومموليها» كما يقول في أحد مقطعي الفيديو.

ما هي الأدوات التي يملكها رامي في صراعه ضد النظام؟ فهو لا يحتل موقعاً سياسياً، ولا يملك قوة عسكرية، وليست هناك دولة أو دول داعمة له على رغم التكهنات الكثيرة التي نقرأها في وسائل الإعلام بهذا الخصوص

هناك تكهنات ربطت بين ظهور الصراع الأسدي – المخلوفي إلى العلن والحملة الإعلامية الروسية التي قادتها وسائل إعلام مقربة من الكرملين على الأسد ونظامه، لا شيء يشير إلى احتمال صحتها. وكما لم تستطع القيادة السعودية أن تساعد رفعت الأسد، في الثمانينيات، على رأب الصدع بينه وبين أخيه حافظ، لا يحتمل أن تنجح القيادة الإماراتية في مهمة مماثلة بين رامي وبشار. ولن يثور فقراء العلويين على النظام من أجل لص يزعم أنه محسن إليهم، أما أجهزة المخابرات فولاؤها مضمون لرأس النظام ما دام يتمتع بشرعية دولية مهما كانت متواضعة، وأعني بها الحليفين الصريحين، روسيا وإيران، والدول المهمة الأخرى التي لا مانع لديها من استمراره في الحكم، وأخيراً مظلة الأمم المتحدة. فإذا فقد الشرعية المذكورة وفقد معها ولاء الأجهزة، فمن المحتمل أن يكون رامي مطلوباً للعدالة، وليس بديلاً مقبولاً عن النظام.
هناك قراءة لافتة لهذا الصراع قدمها السفير الأمريكي السابق إلى سوريا، روبرت فورد، في مقالة نشرها في صحيفة الشرق الأوسط. يبدأ فورد مقالته بالحديث عن دعوة تلقاها من رامي للعشاء في بيته، يصف فيها رامي بالبخل الشديد (كان الطعام رائعاً، ولكن لم يقدم له سوى طبق صغير جداً). أما زوجة رامي فيقول عنها إنها كانت أنيقة الملبس لكنها لم تنطق بكلمة واحدة طوال مأدبة العشاء. وأبوه محمد مخلوف كان مهتماً بإطلاق تنبؤات مبنية على تاريخ ميلاد فورد وزوجته.
لست في وارد التشكيك في كلام فورد، لكني أتساءل عن التوظيف السياسي لهذه التفاصيل. فرامي مخلوف، وفقاً لتلك التفاصيل، ليس فقط رمز الفساد في المملكة الأسدية، بل كذلك شخص بخيل جداً على رغم ثرائه الفاحش (يقول فورد «منزل رامي ضخم جداً، إلى درجة أننا احتجنا إلى خمس دقائق للوصول من البوابة الخارجية إلى باب المنزل في سيارة تتحرك بسرعة 20 كلم في الساعة»)، وزوجته ذات حضور باهت على رغم مظهرها الخارجي الأنيق، وأبوه يؤمن بالخرافات. أما بشار الأسد، بالمقابل، فهو يظهر، في مقالة فورد، على أنه كان مرغماً على إرضاء «أوغاد المخابرات» على حد تعبيره! نعم، الرجل الذي أمضى حياته في العمل الدبلوماسي ويتقن اللغة الدبلوماسية كما تفترض مهنته، لا يتورع عن استخدام كلمة الأوغاد! لكي يعيدنا إلى تلك «النظرية» المضجرة التي شاعت أيام ما سمي بـ»ربيع دمشق» بصدد وجود «حرس قديم» يعرقل الخطوات الإصلاحية المفترضة لـ»الرئيس الشاب»!
فهل شعر فورد، مرة أخرى، بالخطورة على نظام بشار لتكون قراءته للمشهد بهذه الطريقة؟

الكاتب:بكر صدقي – المصدر:القدس العربي