المرصد السوري لحقوق الانسان

عن طور الموات العربي

دخلت المنطقة العربية منذ ما يقرب العقدين من الزمن في طور سياسي جديد. افتتاح الطور هذا جاء بعد غزو القوات العراقية دولة الكويت، وما تلا ذلك من طرد لهذه القوات، وما تبع ذلك من تداعيات انتهت بالإطاحة بنظام صدام حسين، وفتحت العراق على مجهول سياسي وميداني كان من نتائجه الخراب العظيم، هذا الذي لم تقتصر ارتداداته على الجغرافيا العراقية، بل تقدمتها إلى عموم البلاد العربية، القريب منها والبعيد. أسّس الحدث العراقي للانقلاب في المشهد العربي، وكان بداية تحولاته المديدة، ثم جاءت سنوات «الربيع العربي»، فاستكملت الانقلاب من زوايا مختلفة، لكنها لم تكن بعيدة من الجذر السياسي الذي قامت فوقه العمارة الانقلابية.

الإشارة إلى أساس الأحداث التي عصفت بالوضع العربي، تدل بالأصبع وبالعين وبالفهم، على مسؤولية النظام الاستبدادي العربي الذي أقفل «الأرض والفضاء» على الرعايا الذين قيل إنهم شعوب، وجعل السجن والنفي والموت مستودعاً تخنق فيه كل همهمات السياسة الاعتراضية. ضمن منظومة الاستبداد هذه، احتل الفكر القومي الشمولي منزلة متقدمة، واحتفظ لذاته بأسبقية الحجر على البلدان التي تحكم بها، فمنعها من السير سيراً طبيعياً، وحرص على أن تظل متخلفة وهي تنطق بالضاد والفصحى، و «متخمة» بوهمها وهي تلوك أحلام السراب. تكراراً، شكَّل الاستبداد المتحكم بمصائر شعوبه جسر عبور للتدخلات الخارجية في حالتي السلم والحرب. في السلم استند الاستبداد الداخلي إلى حماية نفسه بسلّة تنازلات وتقديمات «للإمبريالية»، التي قال إنه يتصدى لخططها، ولم يرشق «الاستعمار» بأكثر من بيانات تعبوية، بعد أن قدَّم الولاء السياسي ضمن «نظام التبعية»، الذي قال إنه جاء لكسره.

الاعتماد المتبادل بين النظام الاستبدادي وخصومه، ظلّ الاستثمار الأهم لكلا الفريقين عندما كان السلام رابطة العلاقة ومضمونها، وطرد من جنته، جنة التوظيف والاستثمار، استقرار ونظام البلد المحمي بثنائية الاستبداد والتبعية، عندما رأى مركز الاستتباع خسارة، أو تراجعاً في قيمة الأرباح، في الشراكة القائمة بينه وبين بعض أنظمة القمع ذات الأيديولوجيا الشمولية.

طور الاعتماد المتبادل، الذي عرف تفككه الأهم بدءاً من العراق كما سلف، ما زال يُظهّر قسماته في سورية وفي غيرها، وهو لمّا يضع بعد اللمسات الأخيرة على صورة ما سيكون عليه وضعه في العراق وفي سواه أيضاً.

عدم الوصول إلى المعادلة النهائية للطور السياسي المشار إليه، وطول المدّة التي استغرقها تبلور خلاصاته، أدخل تعديلاً على موازين القوى في الدواخل العربية المستهدفة بأحداث هذا الطور السياسي، وأدخل أيضاً لاعبين جدداً إلى الميدان، ما فرض إدارة التوازن بينهم أيضاً، وطرح مسألة دراسة المصالح المسموح بها لكل لاعب، وكيفية ممارسة الضبط والمنع والسماح، عندما تقتضي «السياسة العليا» اعتماد هذا التكتيك السياسي أو ذاك.

في ظل الإمساك بخيوط الإدارة السياسية من فوق، وفي سياق رعاية التوازنات والتحولات على الأرض، لم يعد أكثر من بلد عربي بلداً بالمعنى الذي كان له، وصار أكثر من نظام سياسي مشتملاً على عدد وفير من عناصر اللانظام. هكذا نقل الطور السياسي الجديد عدداً من البلدان العربية من حالة السكون بالقهر والقسر، إلى حالة «الجنون» والفلتان الذي دفعت إليه مكنونات كل بنية مجتمعية بعينها، بحيث بدا أن الإخوة لم يكونوا إخوة، وأن المواطنين كانوا ما قبل الوطن، وأن الشعوب كانت ما قبل الدولة وما فوقها، بالقول وبالفعل، وبالشعار والطقوس والأيديولوجيا. لقد صار، على ما هو واضح، اللاانتظام العربي سيِّد الدواخل، وبات المقرّر الأول لوجهتها. هذه الحالة يستثمر فيها المتدخل الخارجي، ويعمل بمقتضى ملموساتها.

سياسة العالم الخارجي في الطور الراهن عربياً، أقرب إلى قسمة انتدابية، بحيث يوزع البلد الواحد على عدة مراكز إقليمية، بينما يحتفظ الراعي الأول بميزان «قسمة الجبنة» بين المتدخلين المتنازعين، أي أنه يحتفظ بالجوهري من العائد السياسي لنفسه، ويترك للآخرين أن يلهثوا خلف ما يترك لهم من مردود سياسي هزيل.

المقدمات السياسية التي باتت في حوزة التحليل، تشير إلى أن الحقبة العربية الحالية هي حقبة انتداب جديد يتشارك فيها الدولي والإقليمي. والمقدمات ذاتها تقول إن المعطيات الداخلية العربية غير حبلى بردود قومية واستقلالية تشبه في جوانب منها ما كان للعرب ذات يوم، خاصةً في العقود الأولى من القرن العشرين. لعل الأصح القول إن الوضع العربي مائت عروبةً واستقلاليةً، وهو حيّ وشديد الحيوية في ميدان السعي إلى تأكيد شرذمته واستتباعه وإضعافه… أي تأكيد ما يطيل إقامته في مواته.

 المصدر: الحياة

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول