عن مؤتمر المعارضة السورية في الرياض

من المحتمل أن «المفاوضات» التي سبقت مؤتمر الرياض بين المعارضين السوريين وكياناتهم السياسية، كما تلك التي من المتوقع أن تدور في أثنائه، قد لا تقل صعوبة من المفاوضات المرتقبة بينهم وبين النظام، مطلع العام القادم، وفقاً للأجندة المعلنة لاجتماع فيينا الثالث. فالكيان الأبرز للمعارضة، الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، شهد نزاعاً حاداً على حجز المقاعد في المؤتمر كما ظهر بوضوح في «حرب القوائم» بين رئيس الائتلاف وهيئته السياسية. بالمقابل كان الجدل حول دعوة رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم من عدمها، مادةً لصراعات أخرى انتهت إلى إقامة مؤتمر مواز في المالكية ـ شمال سوريا، في التوقيت نفسه مع انعقاد مؤتمر الرياض، بمباركة روسية ـ إيرانية وربما أمريكية أيضاً.
وتشي لوائح المدعوين التي تم توسيعها، أكثر من مرة، لتلافي تشويش متوقع من غير المدعوين، بأن الوصول إلى تفاهمات بين هذا الطيف الواسع من الشخصيات والكيانات السياسية والعسكرية، قد لا يكون من السهولة بمكان. ونفهم من تصريح أحد شخصيات الائتلاف المعارض بأن اجتماعات الرياض يمكن أن تمتد لأسبوع، أن الأمر لا يتعلق بوضع لمسات نهائية على اتفاقات حاصلة، بل بصراع بين مختلف التوجهات والمصالح وصولاً إلى توافقات عامة يؤمل أن ينتهي إليها المؤتمر إذا أراد مواكبة ما وصل إليه حال سوريا من صراع دامٍ بلا أفق، فيها وعليها ومن حولها.
فإذا انطلق المؤتمرون من هذا الأساس، بنوايا وطنية صادقة، بعيداً عن المصالح الشخصية أو الحزبية أو الفئوية الضيقة، فلا بأس من تباينات مشروعة في الرؤى تتنافس على أرضية المصلحة الوطنية الجامعة لتقديم أفضل الممكن في إطار الشروط المحلية والدولية القائمة.
استحقت المعارضة السورية، بكل أطرها، الكثير من النقد الذي استهدفها في السنوات الماضية، وفي مقدمتها الائتلاف الوطني الذي يتمتع باعتراف أكثر من مئة دولة. لكنه اليوم بحاجة إلى كل التأييد من قبل السوريين المعارضين لنظام الكيماوي والبراميل القاتلة، لأن مؤتمر الرياض هو تمهيد لمواجهة سياسية كبيرة مع النظام المذكور، مع داعميه الإيرانيين والروس وغيرهم. وفي هذا السياق لا بد من تشكيل وفد مفاوض منسجم في رؤاه السياسية بدلاً من تمثيلية مفترضة لمختلف الكتل السياسية أو الفئات الاجتماعية. فالتفاوض مع النظام لا يحتمل أي تشويش جانبي داخل الوفد المعارض. هذا إضافة إلى إطار مساند من مستشارين من أصحاب الخبرة والاختصاص، قادر على تقديم المساعدة التقنية (غير المسيسة، الخالية من الخلافات) للوفد المفاوض. هذه هي باختصار أهم التحديات المطروحة على المؤتمرين السوريين في الرياض.
ويأتي مؤتمر الرياض في إطار مسار فيينا الذي توافقت عليه القوى الاقليمية والدولية الفاعلة في الصراع السوري، وتكفلت السعودية بموضوع جمع مختلف أطياف المعارضة السورية، مقابل التزام الأردن بوضع قائمة توافقية للتمييز بين «الإرهابيين» و»المعتدلين» من التشكيلات المسلحة المقاتلة على الأراضي السورية. مع استبعاد مسبق لداعش وجبهة النصرة، بإجماع أركان فيينا، من أي مسار تفاوضي ومن وقف إطلاق النار المفترض أن يتزامن مع إطلاق المفاوضات بين النظام والمعارضة. ومن المتوقع عقد جولة جديدة من المباحثات بين أركان فيينا حول المسألة السورية في نيويورك، كما أعلن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، في الثامن عشر من الشهر الجاري. يفترض هذا الاجتماع إنجاز كل من الرياض وعمان المهمتين اللتين وعدتا بإنجازها: تشكيل وفد معارض إلى المفاوضات مسلح برؤية سياسية واضحة، وفرز المجموعات المسلحة المعتدلة المؤهلة للمشاركة في العملية السياسية. وإذا كان مؤتمر الرياض يتم بصورة علنية، فقوائم فرز التشكيلات العسكرية يتم العمل عليها بعيداً عن الأضواء، ومن المرجح أنه يخضع لضغوط مختلف الدول الفاعلة وتجاذباتها. ففي حين يعتبر المحور الروسي ـ الإيراني كل معارضي النظام إرهابيين، تعمل القوى الاقليمية المناوئة للنظام على إنقاذ أكبر عدد ممكن من التشكيلات المسلحة المعارضة للنظام من قائمة المجموعات الإرهابية، في مناخ دولي ترتفع فيه أسهم «الحرب المطلقة على الإرهاب». ويبدو أن أياً من القوى الاقليمية والدولية ليس بصدد طرح إرهابية الميليشيات الشيعية متعددة الجنسيات التي تقاتل دفاعاً عن النظام الكيماوي. فقط الائتلاف الوطني المعارض يطرح ذلك ربما بتشجيع غير معلن من السعوديين والأتراك، ولا يجد من يصغي إليه.
اعترضت إيران، من حيث المبدأ، على عقد مؤتمر المعارضة في الرياض، وذلك في سياق عدائها المعلن للسعودية وصراعها، بالوكالة، معها في اليمن. وهذا ما دفعها إلى فبركة المؤتمر الموازي في المالكية، في محاولة مكشوفة لإفشال أي توحيد لقوى المعارضة في مواجهة الاستحقاقات السياسية لمسار فيينا. فمن المفيد، من وجهة نظر المحور الروسي ـ الإيراني، استباق الفشل المتوقع للمفاوضات بين النظام والمعارضة، بإفشال الطرف المعارض وتحميله المسؤولية، بدلاً من النظام الذي أعلن بصراحة رفضه لأي انتقال سياسي، هو جوهر المفاوضات وغايتها، وفقاً لمرجعية جنيف1 وحتى مرجعية فيينا الأحدث والأقل تشدداً بهذا الصدد.
على رغم التدويل العميق للمشكلة السورية، وتحويل أرض سوريا إلى مكان للي الأذرع بين قوى اقليمية ودولية كبيرة، وعلى رغم النفوذ المتفاوت لهذه القوى في صفوف المعارضة السياسية والعسكرية، أو كما نقول عادةً، باختصار، «خروج مصير سوريا من يد السوريين»، يبقى أن مؤتمر الرياض محطة مهمة جداً في تاريخ المأساة السورية. ومختلف الدول المنخرطة في الصراع على أرض سوريا، تبقى بحاجة لغطاء يمنحها الشرعية في تدخلها، تماماً كتبرير روسيا لتدخلها العسكري المباشر بـ»طلب» النظام الكيماوي لهذا التدخل. لذلك تركز عيون الدول على مؤتمر الرياض لمعرفة ما سينتجه من قرارات. ليس على المعارضة انتظار توجيهات من الدولة المضيفة أو سفراء الدول الداعمة، بل إملاء قراراتها المستقلة عليهم، من غير أن يعني ذلك التخلي عن العقلانية والاتزان المطلوبين من السياسيين.

٭ كاتب سوري

بكر صدقي

القدس العربي