عن نخاسة ضعيفي النفوس تجاه الطبقة الفقيرة والمهجرة في الرقة

1٬623

تتفاقم الأزمة المعيشية يوماً بعد يوم على المهجرين والنازحين والسكان المحليين، عقب دخول العام الثالث عشر منذ اندلاع الحراك السلمي للشعب السوري، والذي أفرزت آلة الحرب فئات وتصنيفات بين مهجر ونازح وآو وباحث عن الاستقرار وهارب.

الرقة في شمال سوريا التي قسمت لثلاث جغرافيات بحسب تنوع القوى المسيطرة، فكانت مناطق سيطرة قسد البوصلة للمهجرين والنازحين بل والعائدات من مخيم الهول.

عملت عدة منظمات وبرامج على استهداف النازحين والمهجرين وخاصة فئة الأرامل والعائدات من مخيم الهول.

تقول السيدة “أم بلال” وهي عائدة من الهول وتقطن في إحدى الشقق المهدمة “عالعظم” بمنطقة الفردوس مع أخواتها:

لعامين فائتين كانت المشقة الأولى التي واجهتنا هي مسألة السكن حيث الإيجارات الشهرية باهظة الثمن، وشروط العقد والحجج المترتبة كوننا عائدات من الهول، وتلك لازمة جعلت من ضعيفي النفوس يعتبرونني وأختاي “مسوغا للتحرش والنوايا السوداء”.

تتابع أم بلال، تعرف منطقة الفردوس بتجمع المكاتب العقارية التي يقصدها الباحثين عن منازل للإيجار، توجهت ومعي طفلتي إلى أحد أصحاب المكاتب العقارية، وبمجرد أن رآني منقبة، أصبح يتحدث بلهجة المتدين وصاحب الخلق والباحث عن الأجر، وأعطاني رقمه للتواصل، كي يستطيع تأمين منزل بإيجار بسيط، بعد أن أخبرته بأننا أرملتين وقاصر دون معيل.

تضيف أم بلال، بعد فترة قصيرة تواصلت مع الشخص ويدعى “أبو يوسف” وأرشدني لأكثر من عنوان للسكن وبإيجارات خفيفة، لكنها مثقلة علي وعلى أختاي.

وفي أحد الأيام اتصل “أبو يوسف” وقال أن هناك منزلاً يستطيع تأمينه لنا دون مقابل مادي، كونه يعود لأحد أقرباءه وهو مغترب في أوروبا، ونستطيع رؤيته والسكن فيه، واطلعني على أن أمر عالمكتب للذهاب لرؤية المنزل.

تقول:” في البداية ترددت كثيرا، لكن أختاي طمأنني عن أن الموضوع عادي، وإن كان هناك شيء يضير فستكشفه زيارة المنزل”.

توجهت ومعي طفلي ذو الأعوام الأربعة للمكتب، وهناك كان أبو يوسف بانتظاري وبدى هادئاً وبدأ يحدثني عن الوضع المعيشي الصعب، وما يراه من حاجة الناس، كونه يعمل في أكثر من مكتب عقاري، وأن الرقة لم تعد تصلح للعيش، وأن مناطق سيطرة النظام مثل حماه ودمشق وحمص، كونه يتردد كثيرا لتلك المناطق، أن السوريين يجب أن تتظافر لعودة الحكومة وما سواه من تلك المناطق، وأبرز لي وثيقة بيضاء قال أنها لإجراء مصالحة لإزالة النشرات الشرطية والأمنية كي أستطيع السفر إلى مناطق النظام.

قاطعته آنفة وقلت هل تعلم أنني عائدة من مخيم الهول، وأن زوجي قتل في إحدى الغارات 2017، فقال “لا يضير” وبالنسبة لكل ما تحتاجينه سيكون حاضراً، وأنا أستطيع أن أعتبر نفسي مسؤولاً عنك وعن أختيك.

اعتذرت منه وقمت على وجل، وهو يقول أنتظر منك اتصالاً فأنا “أهوى الأعمال الخيرية”.

تتابع “أم بلال”، توجهت لأحد أصحاب أهل الخير في الرقة وتحدثت بما جرى لي فقال لا عليك، واتصل بصاحب المكتب ووبخه على ما حدث من تلميحات واستغلال لحاجتنا وحاجة العديدات، واستطاع تأمين منزل لي ولأختاي في منزل على العظم، وأعمل حاليا على تنظيف المنازل وغسل السجاد وتطريز الثياب.

ناشطو المرصد السوري في الرقة وثقوا عديد من شهادات عائدات من مخيم الهول تعرضن لاستغلال وتنمر من عديد من أصحاب المحلات العقارية، وبعض ممن يدعون الإحسان.

السيدة “أم علياء” وهي مهجرة من منطقة الميادين وتقطن في منزل مهدم في منطقة الحديقة البيضاء في الرقة تقول:

منذ ثلاثة أعوام قدمت وعائلتي 10 أشخاص بعد أن توفي زوجي بحادث عمل في منطقة أورفا التركية، وتوجهت إلى الرقة، حيث بعض معارفي من النازحين في الرقة، عائلتي مكونة من والدة زوجي المريضة، وابنتين وأربعة أطفال وشاب معاق” شلل نصفي ” وطفل صغير”.

قطنت في مدرسة” خديجة المهدمة “في إحدى الغرف الصفية لعامين ونصف، وعملت وابني الصغير وابنتي على أعمال في المنازل من مؤونة وسبل عيش وتنظيف وما سواه، بالرغم من كونني أحمل إجازة “كلية الشريعة”، وعملت سابقا بمجال التدريس، لكن لم أعثر على فرصة عمل، ما اضطرني وابنتي الكبرى على تلك الأعمال في سبيل تأمين لقمة العيش.

تتابع، تواردت علينا عديد من وسائل الإعلام وناشطي المنظمات ووعود بتحسين الحال، لكنها كالسراب كانت، وفي أحد الأيام جاءنا شخص يحمل بطاقة تعريفية لإحدى المنظمات ومعه استمارات عديدة، أخذ معلومات عني وعن أفراد أسرتي، وقام بتسجيل بياناتنا واعداً بتأمين مستحقات شهرية، من خلال منظمته التي يعمل بها.

وتعددت زيارات الشاب، وفي إحدى الزيارات طلب مني أن يتحدث بأمر خاص، وبدأ بالمقدمات وكونه يعمل كثيرا وبعيد عن عائلته كونه من مدينة الحسكة ويعمل في الرقة، فقاطعته بعد آن كان الحديث صاعقا، وضربته ومزقت أوراقه وقلت أن أمثالك هم من كان نكبة على الفقراء والمهجرين وأنتم من قطعتم عرى الإنسانية.

المرصد السوري لحقوق الإنسان يطالب الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية وضع قوانين صارمة ورادعة تجاه ضعفاء النفوس ممن يستغلون أوضاع النساء والعوائل الفقيرة.