عن هذا الشعب الذي يتابع دفن مستقبله في ماضيه

عندما تغرق الشعوب في وحول أوهامها تنهار مقاييس الأمور المتميزة بصفاتها الموضوعية. تغدو الأحكام المتسرعة هي الغالبة على فعاليات المؤسسات. فليست أخطاء السياسة وحدها المسؤولة عن الانهيارات العامة، إنها أخطاء الإختيارات العابثة التي تشغل فئات القادة، في صراعاتهم الشخصية ما بينهم.
إنها فعاليات بعض الأفراد المتنفذين الذي ينيبون أنفسهم عن جماهيرهم، حتى يصبح القرار الشخصي بمثابة الأمر اليومي المطالب بالطاعة المجتمعية لتوجيهاته. ففي عصر المتغيرات الكبيرة، يصطنع بعض القادة وظيفة الكل لشخصهم المفرد إنهم لا يأبهون للفوارق الشاسعة بين إرادة للجميع وإرادة أخرى للكل. فالأولى تتطلب حضور الأفراد أنفسهم على مستوى مصالح مجتمعاتهم، بينما الإرادة الثانية التي للكل، فهي التي تختصر الجماعة بمصالح بعض رجالاتها.
العرب في نهضتهم المعاصرة ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أي خلال عودتهم إلى خارطة السياسة العالمية، ليس باعتبارهم مجرد شعوب منسية في زوايا التاريخ، إنما هي عودة الكيانات السياسية المشروعة للوجود العربي.. نقول أن تكوين العرب الحديث في قوالب الدول العصرية، لم يكن لتخدم الوجود الجمعي لشعوب العرب، بل يجيء (الكيان السياسي) كأنه إطار مفروض على جماهير سائبة أصلاً، أو أنها كانت أسيرة لمؤسساتها التقليدية فحسب. بمعنى أن أي مجتمع عربي ناهض عصرياً لم يكن ليصنع كيانه السياسي بنفسه، بل يجد ذاته محكوماً بضرورات فوقية لا إرادة له في إنتاجها أو معارضتها.
في هذه المرحلة التي صُنفّت باعتبارها تحرراً وطنياً عاملاً على تأسيس الكيان الدستوري لشعبه، لم تستطع النخب الصاعدة إلى قمم الهرم الاجتماعي أن تفكر وتعمل على مستوى البناء الجماعي للكيان المستقل.
إنها الفردانية في أسوأ مراحلها، عندما تصبح فئات المتفوقين بعامل الصدقة أو الانتهازية، هي الحاكمة الآمرة، وتكون الجماعة هي المطواعة التابعة لرؤوسها.
لا نود هنا أن نسوق اتهامات ضد الفردانية، لكن وقائع التنمية التاريخية الفاشلة إجمالاً، لا تخفي نشاط الإرادات الشخصية التي لعبت أدواراً قدرية بالنسبة للمسيرة الدولانية لأي كيان سياسي عربي ناشئ.
فالإعتراف بخطورة الاتجاه القديم للفردنة سوف يفسر إلى حد بعيد قابليةَ المجتمعات الناشئة للتسلط الفرداني. أي أن الديكتاتورية ليست فرضاً أجنبياً لا فكاك منه فحسب، بل هي بذرة عتيقة كأمنة في تربة التخلف التي يراد لها أن تُنبت أيضاً مُجتمعاً حراً سيداً على نفسه، بالرغم من كل عيوبها المتوارثة. هذا بالرغم من أن الصفة الغالبة على المجتمعات المتخلفة هي سيطرة الروح الجمعانية، وتجانسية مسالك الأفراد. ومع ذلك أثبتت تجارب النهضة العربية المعاصرة أن هذه الروح (الجمعانية) هي المساعدة الأولى على قابليتها للتبعيات، وخضوعها السريع للمتسلطين. حتى أنها قد تشجع الطغيان على المضيّ في علوائه، أحياناً في الوقت الذي تُكبح فيه نوازع المعارضة والاختلاف لدى بعض القطاعات الشبابية المتمردة على بيئاتها الحاضنة.
مجتمعات أخلاق الطاعة المطلقة هي المرشحة أكثر من سواها لانفجار الحركات الثورية أو الإحتجاجية وحتى الفوضوية. ذلك أن أخلاق الطاعة تقف حاجزاً منيعاً ضد الحراك الطبيعي، بل تكون أقرب إلى الجمود عند حالات نمطية خارجة عن سياق التطور التلقائي.
والمتسلطون يكتشفون هذه الآلية في مجتمعاتهم، ويضعونها رهن استثماراتهم السياسية والاقتصادية، فليس من متسلط في التجربة السياسية العربية، لم يستمّد كفايةً من مخزون الطاعة الشعبوية من أجل تعزيز سلطانه. والتعمية على منافذ المخالفة والاحتجاج لدى بعض القوى الغاضبة، والمتمردة على طقوس الطاعة الجمعانية.
ليس غرض هذا التحليل النيل من تفاؤلية ثقافة التغيير، بل لا بد من نبش الآليات العميقة لأسباب النكسات، وهي من منشأ ذاتي وأهلي أولاً، لا بالمعنى التأصيل الخلقي أو الفطري للعلل السلبية، إنما لجعل خلفية المشهد العام جزءاً لا يتجزأ من معروضاته المجسدة في مقدمة المسرح أو الحدث.
فالهزائم السياسية ليست دائماً، ولا كلياً، من طبيعة سياسية خالصة فقط؛ بل ينبغي التنبه، في البحث عن موجبات النكسات العامة. إلى الحوامل الإجتماعية للأحداث السلبية العامة. ولكن من المؤسف أننا اعتدنا ألا نتعلم شيئاً جديداً من كل نكسة مفاجئة تحل بأهدافنا. كأن تكرار البلاء يعفي ضحاياه من محاولة التصدي له، من السعي إلى فهمه وكشف ألغازه هذه هي القدرية البدائية التي تؤول بالمجتمعات المهزومة إلى خَدَر الإستسلام الصامت البائس ليس أمام المصاب، بل في مواجهة تكراره العقيم إلا من توليد صنوف مستجدة من آلية جَلْد الذات، وتقريع عين النفس؛ كأنما لا يتبقَّى للمهزوم إلا الإنتقام من ذاته. من عين لحمه وعظمه، وحدهما.
لم يسبق لنهضة العرب المعاصرة أن تساقطت معظم قواها في مثل هذه الهوة الحالية من عقد الأفاعي المتشابكة ما بين رؤوسها وأذنابها، إنها الحروب على أنواعها، وإنها المؤامرات الدولية والإقليمية والتي تتصارع فيما بينها جهاراً وعنفاً لا هوادة فيه. إنها عقد الأفاعي المتراكمة، والتي يلسع بعضها البعض الآخر، ولكنها تزداد حراكاً إجرامياً في كل اتجاه، عقد الأفاعي هذه لا حلّ لها. كل بداية خط في كوكبتها تؤدي إلى مسارات خطوط أخرى متداخلة معها. أو نابعة منها. وقد يتساوى كبار القوم مع صغارهم في مثل هذه المعضلات الطاغية. كذلك ليست قيادات الغرب في حال أفضل من قيادات إقليمية ومحلية متعثرة هي الأخرى.
هل هو الحل عربياً أو دولياً. هل هو سورياً أو عراقياً أو إيرانياً.. أو روسياً. هذا إذا تصورنا أن أبطال الحل لن يكونوا إلا من سلالة مخترعي الكوارث أنفسهم، بصرف النظر عن المتدخلين الدائمين من أهل الغرب. فكيف يمكن لبعض أو لكل هذا الرهط من القوي الفاعلة داخلاً وخارجاً أن تجتمع لهم كلمة واحدة تتلخص في وقف القتال بأشكاله ومساحاته المختلفة، من هنا العالم الدموي الشرق أوسطي. ولكن هل يمكن وقف القتال إلا بقوة أكبر من قواه كلها. ومن سيكون حامل هذا الامتياز الخارق من بين هذا الطاقم من عناصر المشكلة الكبرى، في حين تساوت هذه العناصر طيلة منعطفات الأزمة، في إظهار عجزها عن اجتراح ما يشبه الممكن المستحيل في آن معاً؛ أي وقف العنف بقوة السلام وحده. كأن هناك من ينصح بترك العنف حتى يستنزف نفسه بنفسه. أصحاب هذا القول دأبوا على استخدامه كحجة سلبية تَدَعُ النار تأكل حطبها حتى لا يتبقى لها ما تأكله إلا دخانها ورمادها.
أصحاب هذه الحجة الخبيثة هم بنوا ورافقوا أوكار عقد الأفاعي، كيما تنتشر وتترعرع داخل كل جرح شرق أوسطي، كان ابتدأ سطحياً صغيراً، ثم تغلغل في صميم الهيكل الكياني لمجتمعات المنطقة العربية حتى أمست موبوءة أكثرها بشياطين القتل والغدر والهدم.
ليس من حيادية ممكنة في أوطان البراكين؛ (والمصلحون) القادمون من أصقاع الأرض الأربعة، ليسوا بالضرورة أعداء نهائيين لأبطال مسارح الشر.. إنهم من نوع حلفاء الضرورة إياهم الذين تحت أسماء الجهاد و القداسة قلبوا المرحلة التاريخية من ربيع للشعوب إلى مسالخ عفنة لشبابها. فهل لا يزال الزمن العربي حافلاً بأسوأ ما في ماضيه. أم أن هذا الماضي أضحى هو الزمن العربي كله، حاضراً أو مستقبلاً!

٭ مفكر عربي مقيم في باريس

مطاع صفدي

 

المصدر : القدس العربي