عودة اللاجئين السوريين من لبنان بند في «خريطة الطريق» للتطبيع مع النظام

30

قفزَ ملف عودة اللاجئين السوريين إلى الواجهة من بوابة قمّة هلسنكي بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين. أُعطيت العودة بُعداً إنسانياً فيما هي سياسية بامتياز، وأحد بنود الاتفاق الذي صيغ حيال المسألة السورية، قضى بإعادة تأهيل النظام السوري، على أقله في المدى المنظور.
البند المتعلق بجنوب سوريا تحت عنوان «حماية أمن إسرائيل» وَجَدَ طريقه إلى التنفيذ سريعاً. وصل جيش النظام إلى الحدود مع الأردن وتبخّرت المعارضة السورية في درعا، مهد الثورة. وانسحبت إيران وميليشياتها الشيعية مسافة 85 كلم من هضبة الجولان لتحلّ محلها الشرطة، وسيُستكمل مسار إعادة سيطرة النظام على المحافظات المتبقية وإن كانت وتيرة ذلك غير واضحة.
اندفاعة موسكو تشي بأن ملف العودة وُضع على نار حامية. الروس أعلنوا رقم مليون وسبعمئة ألف في الحزمة الأولى. والحصة الكبرى ستذهب للاجئي لبنان، 890 ألفاً سيعودون إلى المناطق التي كانوا يعيشون فيها قبل النزاع، وفق الخطة المشتركة التي طرحها الروس على الأمريكيين.
المحادثات الروسية في لبنان آلت إلى اتفاق على تشكيل مجموعة عمل تضم ممثلين عن موسكو وبيروت ودمشق. والسؤال الذي يُطرح في بعض مراكز القرار اللبناني يدور حول ما إذا كان إمساك موسكو بملف العودة سيَنزَع فتيل التوترات السياسية الداخلية المتوقع نشوئها على خلفية هذا الملف. فحلفاء سوريا، بدءاً من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وتياره السياسي والثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) وقوى سنيّة مؤيّدة لبشار الأسد، أعدّوا العدّة لاستخدام أزمة النزوح وسيلة ضغط على مناهضي الأسد من أجل إعادة إحياء العلاقات السياسية اللبنانية ـ السورية، ويعتقدون أن في استطاعتهم ممارسة المزيد من الضغوط بعد نتائج الانتخابات النيابية التي أعطت حلفاء محور سوريا ـ إيران أكثرية برلمانية، كرّست دستورياً اختلال موازين القوى الذي كان مفروضاً منذ العام 2008 عبر فائض قوّة سلاح «حزب الله».
الأكيد أن حلفاء سوريا في لبنان سيواصلون ضغطهم، فإذا كانت ورقة اللاجئين قد فقدت الكثير من قوتها بعد الدخول الروسي على الخط، فإنهم سيلجأون إلى استخدام الورقة الاقتصادية. فما أن بدأ الكلام عن إمكان فتح معبر نصيب على الحدود السورية ـ الأردنية حتى علت، في بيروت، الأصوات المطالبة بمحادثات مباشرة بين الحكومتين اللبنانية والسورية كشرط لاستخدام المعبر في حركة التصدير بين لبنان والدول العربية. وذهبت أصوات أخرى إلى حدّ ربط الحاجة لعودة العلاقات السياسية بإتاحة الفرص أمام اللبنانيين للاستثمار بإعادة الإعمار في سوريا، والتي لن تتوفر، بنظرهم، في ظل علاقات متوترة.
الرهان على موسكو يبدو جلياً في المقلب الآخر المناهض للأسد. فالرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري، حصل على ضمانة بأن عودة اللاجئين لن تكون ورقة ضغط عليه للسير راهناً بالتطبيع مع النظام. الروس تفهّموا محاذير الحريري وموقفه، وموقف الحلفاء معه في هذا المعسكر. فالمسألة برمتها مُبكرة، وإعادة تأهيل الأسد لا تزال تحت الاختبار.
«العودة» هي إحدى نقاط الاختبار، من ضمن نقاط أخرى، كشرط لإعادة التطبيع بين النظام السوري والحظيرة العربية. سبق أن طَلَبَ الأسد العودة إلى الجامعة العربية والمشاركة في القمّة الأخيرة التي عُقدت في المملكة العربية السعودية، من أجل «تحصين» نفسه في معركة الحدّ من النفوذ الإيراني في بلاده التي تخوضها أمريكا وحلفاؤها، فلم يُفلح في سرديته، ووصلته لاحقاً لائحة الشروط المطلوبة لعودة العلاقات العربية مع دمشق مستقبلاً. اللائحة تتضمن بند عودة اللاجئين، فضلاً عن إعلان وقف شامل لإطلاق النار تُستثنى منه التنظيمات الإرهابية، وإعلان عفو عام. في بند العودة، فإن الطموح العربي ـ الغربي اليوم هو في عودة 5 ملايين لاجئ ونازح. مليونا لاجئ من دول الجوار الموزّعة بين لبنان والأردن وتركيا والعراق ومصر وجزء من الدول الأوروبية، وثلاثة ملايين لاجئ ونازح في الحزمة الثانية التي يُفترض أن يبدأ تحريك ملفها بعد انتهاء استحقاق إدلب.
و «العودة» هي المفتاح لإمكان تحقيق حلم إعادة الإعمار، ذلك أن حليفي النظام، روسيا وإيران، فاقدا القدرة على تمويل إعادة الإعمار، وتدرك موسكو أن الغرب والخليج لن يُشاركا في هذه الخطوة من دون بدء ترجمة المقدّمات الآيلة إلى حل سياسي، وبينها الشروط الثلاثة.
ثمّة خبراء في الشأن الروسي يرون أن موسكو تعلم الأثمان الباهظة التي يمكن أن تدفعها في بلادها وفي حدائقها الخلفية إذا سارت في مخطط الأسد الراغب في الإبقاء على التحوّلات الديموغرافية التي فرضتها الحرب، إذ أن تغطيتها لذلك المخطط ستحرّك «الجمر الإسلامي» تحت «الرماد الروسي»، ما يُشكّل تهديداً موصوفاً لأمنها القومي. وثمة من يرى أن الكرملين يعي أن مهمته في سوريا تتطلب تأمين «بنادق» في جيش النظام لا يمكن توافرها من دون عودة ملايين اللاجئين وغالبيتهم من السنّة، بما يُعيد قسطاً من الاطمئنان لدور المؤسسة العسكرية.
خطة عودة اللاجئين إلى سوريا ليست خطة روسية صافية بل خطة مشتركة مع أمريكا ومن خلفها حلفاؤها الأوروبيون والخليجيون مما يجعل التداعيات كبيرة في حال إخفاقها، سواء على الداخل السوري أو على دول الجوار، وفي مقدمها لبنان.
العين في بيروت على خطة العودة، ولكل من حلفاء الأسد ومناوئيه حساباتهم. الحلفاء يُريدون تحصين أوراقهم من خلال إلحاق لبنان سياسياً بسورياً وإحياء نظرية «وحدة المسار والمصير»، والمناوئون يريدون تحصين أوراقهم بالبقاء على مسافة من النظام إلى حين تبلور موقف عربي يُشكّل غطاءً سياسياً لعملية التطبيع، الآتية ولو بعد حين!

رلى موفّق
المصدر: القدس العربي