المرصد السوري لحقوق الانسان

عُمان عندما تعيد سفيرها إلى دمشق

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي المرصد السوري لحقوق الإنسان

تثير إعادة تعيين سلطنة عُمان سفيراً جديداً لها لدى نظام الأسد تساؤلات عديدة، تطاول الغاية منها، والسياق الذي تدخل فيه، والدلالات التي تحملها، كونها تعدّ الدولة الخليجية الأولى التي تعيد إرسال سفيرها إلى دمشق، منذ قرّرت دول مجلس التعاون الخليجي في 15 مارس/ آذار 2012 إغلاق سفاراتها في سورية، “تأكيداً على موقفها الرافض لتمادي النظام السوري في القتل والتنكيل بالشعب السوري الأعزل، وتصميم النظام على الخيار العسكري”، حسب ما أعلن في ذلك الوقت الأمين العام السابق للمجلس، عبد اللطيف الزياني. وإذا كانت عُمان، في الواقع، لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية واتصالاتها السياسية مع نظام الأسد، إلا أن خطوتها إرسال “سفير مفوض وفوق العادة” إلى دمشق تجاوزت ما قامت به كل من الإمارات والبحرين اللتين أعادتا فتح سفارتيهما في دمشق أواخر العام 2018، واكتفيتا بتعيين “قائم بأعمال السفير” لدى سلطات النظام. ولم تتجاوزا ذلك تحت ضغوط من الولايات المتحدة، وتحذيرات الأخيرة من مغبة التطبيع مع نظام الأسد، الأمر الذي يثير التساؤل عن موقف الإدارة الأميركية من الخطوة العُمانية، خصوصا أنها تأتي في ظل استمرار الولايات المتحدة في تشديد عقوباتها على النظام السوري والأطراف الدولية الداعمة له، على الرغم من أنه لا يمكن وضع الخطوة العُمانية في سياق موقف مغاير للتوجهات والسياسات الأميركية، الساعية إلى تغيير سلوك النظام نحو القبول بحل سياسي من أجل إنهاء الكارثة السورية.

تأتي الخطوة العُمانية تتويجاً لاتصالات وزيارات لم تنقطع بين المسؤولين العمانيين ونظرائهم في نظام الأسد

وملاحظ أن الخطوة العُمانية سبقتها اتصالات بين وزيري خارجية السلطنة، بدر بن حمد البوسعيدي، وروسيا، سيرغي لافروف، تناولت الدور العُماني في مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية بشأن دعم بشار الأسد، لذلك تبدو كأنها تدخل ضمن المسعى الروسي الحثيث من أجل إعادة تأهيل نظام الأسد عربياً، ومحاولات إعادته إلى جامعة الدول العربية التي قرّرت تعليق عضويته في 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2011، لكنه تعليق لم يمنع هرولة أنظمة عربية عديدة إلى التطبيع مع نظام الأسد.

ويمكن اعتبار الخطوة العمانية أيضاً تتويجاً لاتصالاتٍ وزياراتٍ لم تنقطع بين المسؤولين العُمانيين ونظرائهم في نظام الأسد، وجاءت في وقتٍ يعاني فيه الأخير من العزلة السياسية ومن العقوبات الأميركية والأوروبية. وبالتالي من الطبيعي أن يستثمر النظام هذه الخطوة، ويحاول تصويرها كسرا للقطيعة العربية والدولية، واختراقا دبلوماسيا في جدران العزلة التي يعاني منها، على الرغم من عدم رغبة السلطات العُمانية تسليط الضوء عليها، كونها اعتادت على التحرّك خلف الأبواب المغلقة، وبعيداً عن عدسات الإعلام، لكن ذلك لم يمنع تباهي نظام الأسد بالعلاقة المميزة مع السلطنة، وتفاخره بمواقفها التي يريد تصويرها كأنها تعتبر بشار الأسد على حق!

تأتي الخطوة العمانية في ظل استمرار الولايات المتحدة في تشديد عقوباتها على النظام السوري والأطراف الدولية الداعمة له

وسبق أن دخلت عُمان على خط الوساطة السرّية مع الولايات المتحدة من أجل التوصل إلى حل للأزمة السورية في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2015، من خلال استقبالها رئيس الائتلاف الأسبق، خالد خوجة، وزيارة وزير الخارجية العماني السابق، يوسف بن علوي، دمشق. وقبلها بنحو شهرين، زار وزير خارجية النظام، وليد المعلم، مسقط، لكن الوساطة لم تثمر عن شيء. وبعد ذلك وقّعت عُمان مذكرة تفاهم اقتصادية مع نظام الأسد في 2017، من أجل توسيع آفاق التعاون المشترك في مجالات النفط والغاز، وشملت مجالات في الصناعة وتأهيل وتدريب الكوادر وإقامة مشروعات مشتركة. 

ولم تقطع عُمان اتصالاتها وتوسطاتها مع نظام الأسد، بل عاد بن علوي إلى دمشق في يوليو/ تموز 2019، ليقدم عرضاً للأسد، يقضي بإنهاء الصراع في سورية، والمضي في تثبيت الاستقرار بتوافق إقليمي دولي، تدعمه كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، مقابل إعلان الأسد إنهاء الحرب في سورية والطلب من إيران مغادرتها، لكن هذه المحاولة فشلت أيضاً.

دخلت عُمان على خط وساطة سرّية للتوصل إلى حل للأزمة السورية

ويحاول ساسة عُمان تصوير بلدهم كمنتدى دبلوماسي مهم، باتباعهم نهجاً سياسياً يقوم على مبدأ الحياد الإيجابي الذي يقتضي القيام بمهمة التدخل والتوسط مع أجل تقريب وجهات النظر بين أطراف الأزمات الإقليمية والدولية، من دون أن تكون هي طرفاً فيها. وعلى هذا الأساس، دخلت في وساطات إقليمية ودولية عديدة، لعل أهمها دورها في رعاية المفاوضات السرّية بين إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما والنظام الإيراني، والتي أسهمت في إنجاز الاتفاق النووي الذي تخلت عنه فيما بعد إدارة الرئيس ترامب. وحافظت عُمان على علاقات جيدة مع النظام الإيراني، على الرغم من حالة العداء بين السعودية وطهران، وتمكّنت من النأي بنفسها عن الأزمة بين قطر وكل من السعودية والإمارات ومصر. ولم تنضم إلى التحالف العسكري العربي بقيادة السعودية الذي تدخّل في اليمن لمواجهة جماعة الحوثيين التي تحتفظ بعلاقات جيدة معهم ومع إيران. كما حافظت على علاقات مع إسرائيل، إذ استقبل السلطان الراحل قابوس في مسقط رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2018.

وعلى الرغم من أن السلطنة حاولت، منذ بداية القضية السورية، الحفاظ على المسافة نفسها مع نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين، ومع الدول الداعمة للمعارضة السورية، إلا أن المرجّح أن خطوة إعادة سفيرها الجديد إلى دمشق تدخل في سياق توجيهها رسالة إيجابية إلى الروس والإيرانيين أكثر مما هي موجهة إلى نظام الأسد، كونها تدرك مدى نفوذهما في سورية، وتريد منها أن تصّب في خدمة أهدافها طويلة الأجل لتأمين احتياجاتها السياسية والاقتصادية. واللافت أن خطوة عُمان ودورها في سورية وفي سواها، لا تلاقي أي اعتراض من دول مجلس التعاون الخليجي.

 

 

 

الكاتب:عمر كوش – المصدر: العربي الجديد

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول