«غداً نلتقي»

لا يكترث مخرج مسلسل «غداً نلتقي»، رامي حنا، بالشعـــارات الـكـــبرى، ولا يذهب إلى ساحات المعارك، بل يروي الألم السوري بنبرة خافتة تحفر عميقاً في الوجدان.

في فضاء رمادي كئيب، مغلق على الوجع فحسب، يرتّب حنا مع مهندس الديكور ناصر الجليلي، موقعاً للتصوير، وهو عبارة عن بناء قديم في أحد أحياء بيروت، تتجمّع فيه مجموعة من السوريين والفلسطينيين الهاربين من جحيم الحرب. شخصيات من مختلف المستويات والأعمار والمرجعيات… لا شيء يجمع بينها سوى حزن مقيم في القلب، وتوق حارق الى الهجرة نحو المنافي.

هذا الحلم بالفردوس الأوروبي يتداخل مع ذكريات جميلة عن بيوت غادروها، وعن أهل تشتّتوا في بقاع الأرض أو ماتوا، عن الحنين والصداقة والحب، وقبل ذلك كله عن الشام، التي لا تحضر ولو في لقطة عابرة، لكنها تشرق مع كل حوار أو دمعة، بينما تداعب أغنية فيروز «احكيلي عن بلدي» مخيِّلة أرهقتها الذكريات.

مشاهد هادئة بإضاءة معتمة، وصمت مخاتل، مريب سرعان ما ينفجر عن غليان يحرق الروح، ويرمي بها نحو أتون القلق والحيرة والعوز. حوارات أشبه بالنشيج، وبكاء لا ينقطع، ومسامرات تخفق في ترميم الخراب. حكايات الحسرة تتوالد في قلب هذا المكان الذي لا تغيب عنه رائحة الموت، فمن يديره يعمل في جمعية لدفن الموتى، بينما تعمل الشخصية الرئيسة «وردة» (كاريس بشار) في «غسل الأموات»، وهذه الأخيرة، بطيبتها ودفء مشاعرها، ترمز الى سورية الوطن، إذ يتنافس الشقيقان «جابر» (مكسيم خليل) و«محمود» (عبدالمنعم عمايري) المختلفان في توجهاتهما السياسية، على كسب ودّها، ليموت أحدهما انتحاراً والآخر غرقاً، بينما تصل «وردة» فرنسا وهي تنوء تحت ثقل ماض لن تستطيع التبرؤ منه على رغم الرفاهية الطارئة، المشبعة بالضوء.

ستلثغ وردة بالفرنسية في بلد غريب، وستنتظر قدراً غامضاً يبلسم جروحها، كحال كل السوريين الذين توزعوا في أنحاء الأرض، وسنسمع معها في المشهد الأخير موسيقى شارة برنامج «غداً نلتقي»، الذي كان يعرضه التلفزيون السوري الوحيد منتصف الليل قبل انتشار الفضائيات.

المسلسل، الذي حمل العنوان ذاته، يحيل إلى ذاك البرنامج العابق بالرومانسية والذي اختفى تماماً، فلم يعد للعبارة، التي تعد بلقاء جديد في الغد، أي معنى في زمن البثّ المتواصل، ناهيك عن أن هذا الوعد لم يعد مضموناً بالنسبة الى السوريين، الذين يهجسون بـ «الوداع الأخير» كلما همّ أحدهم بعناق الآخر عند الرحيل.

تفاصيل كثيرة، أوردها كاتب السيناريو إياد أبو الشامات، لا يمكن اختزالها. ولكن لا يمكن، إغفال أداء الفنانين من كاريس بشار الى عبدالهادي الصباغ وتيسير إدريس وعبدالمنعم العمايري ومكسيم خليل وضحى الدبس وغيرهم ممن شاركوا في دراما جنائزية توثّق مآسيَ غير مرئية. لكنها تحطّم الروح، وتظهر فجيعة الحرب لا في البيوت التي دمرت، بل في ملامح شخصيات مدمّرة تبحث عن قبس نور ضئيل.

ابراهيم حاج عبدي 

الحياة اللندنية