غرب حماة…حضارة سرقتها العشرات من ورشات التنقيب عن الآثار وبيعت لتجار أتراك وعراقيين وغربيين بأدوات أولها تجويع السكان وتفاقم البطالة

86

لم يكفِ البلاد تدميرها، تدمير حاضرها وتفخيخ مستقبلها، وإحاطته بهالة من الغموض والخوف واللا استقرار، من قبل القوى المتصارعة على النفوذ على مساحة 185 ألف كلم مربع، بل تعدى ذلك إلى إمحاء تاريخها وسرقته، فتحول نهب حضارتها وتاريخها إلى مهنة يمارسها كل من أراد، دون روادع تحول بينهم وبين تنفيذ مهامهم التي صرَّفت التاريخ السوري في أسواق محلية وإقليمية ودولية، ففي ظل غياب الرقابة والانفلات، تحول التنقيب في المواقع الأثرية إلى عمل يمارسه مئات الأشخاص، دفعهم إليها المردود المادي الكبير من عمليات التنقيب التي تؤتي أُكلها، والتي تعرض الكثير منها للتدمير نتيجة عمليات القصف الكبيرة التي تعرضت لها معظم المناطق السورية، ولم تقف صرخات استنكار التنقيب والمتاجرة بتاريخ البلاد، كحاجز أمام الممتهنين لها، بل كان العاملون في هذا المجال، بأذن من طين وأخرى من عجين.

ظاهرة التنقيب العشوائي عن الآثار طفت على السطح، مع تقسم مناطق سيطرة القوى المتصارعة، وتصاعدت بشكل متباين بين الفترات الزمنية، وبين منطقة وأخرى، ورصد المرصد السوري لحقوق الإنسان عمليات التنقيب عن الآثار في القطاع الغربي من ريف محافظة حماة، والتي بدأها المرصد السوري من قلعة آفاميا التي تتخذها قوات النظام كمقر عسكري لها، على اعتبار أنها تقع على مرتفع يطل على منطقة قلعة المضيق، وتطل على أجزاء واسعة من ريفي إدلب وحماة، حيث كانت القلعة هذه وجهة سياحية قبيل اندلاع الثورة السورية في العام 2011، ورغم تمركز قوات النظام فيها منذ العام 2012، إلا أن محيط القلعة، لم يسلم من عمليات التنقيب التي نجم عنها العثور على الكثير من اللقى الأثرية من تماثيل وقطع نقدية وذهبية تعود للعصر الروماني، ورصد المرصد السوري عملية البحث عن الآثار والتنقيب عنها، من خلال مجموعات يطلق عليها تسمية “الورشات” التي بلغ تعدادها ما يزيد عن 150 ورشة يعمل في كل واحدة منها من 3 – 8 أشخاص، ويشرف عليها أحدهم ويطلق عليه اسم “صاحب الورشة”، حيث يتمثل دوره في تزويد الورشة بالمعدات اللازمة من أدوات الحفر وجهاز كشف الآثار، وتزويد العاملين بالمياه والطعام خلال ساعات العمل، فيما يقوم صاحب الورشة في حال العثور على لقى أثرية، ببيعها والدفع لأفراد الورشة وفقاً لاتفاق سابق على نسبة معينة متفق عليها بينهمان بحيث يكون النصيب الأكبر له، كما أن المصادر الموثوقة أكدت للمرصد السوري أن التجار الذي يشترون القطع الأثرية، هم تجار من جنسيات سورية وعراقية وتركية، حيث يجري التخلص من هذه القطع عبر بيعها لتجار أوروبيين وغربيين، إذ تجري عملية البيع بمبالغ كبيرة تصل لحد الخيال في بعض الأحيان، بما يخص قطع نادرة من تماثيل أو قطع أثرية فريدة من نوعها، فيما يكون الخاسر الأكبر من هذه الصفقات، هم الورشات وأصحابها والعاملين فيها.

الموقع الثاني لعمليات التنقيب عن الآثار التي رصدها المرصد السوري لحقوق الإنسان، هو منطقة جبل شحشبو الممتدة من ريف إدلب الجنوبي الغربي وحتى ريف حماة الشمالي الغربي، حيث يحتوي هذا الجبل على مواقع كثيرة تحتوي على دفائن ولقى أثرية شاهدة على حضارات تتالت على المنطقة، ورصد المرصد السوري لحقوق الإنسان تركز هذه الآثار في قريتي حورتة وأم نيرن واللتين تشتهران في الأوساط الأهلية بكثرة اللقى الأثرية والتماثيل والدفائن، حيث أكدت المصادر الأهلية للمرصد السوري أن امتهان التنقيب عن الآثار، تصاعد خلال العام الأخير 2018، وأكد بعض الأهالي أن الظروف المادية تجبر المدنيين على امتهان التنقيب عن الآثار، رغم معرفة الكثير بمدى تأثيرها على إمحاء حضارة البلاد رويداً رويداً، كما أن زيادة البطالة ساهمت بشكل كبير في توجه الكثير من الشبان من أجل تأمين لقمة العيش في ظل غياب المنظمات الإنسانية والإغاثية عن تأمين المستلزمات بحدها الكامل، وأكدت المصادر أن عمليات الحفر تجري في بعض الأحيان لعدة أمتار في عمق الأرض، كما أكد السكان أن عمليات التنقيب تجري بداية بتأمين جهاز للكشف عن الآثار والذي بات يباع بعدة مئات من الدولارات، في مناطق سيطرة الفصائل المقاتلة والإسلامية و”الجهادية”، إذ جرى تعديل جهاز الكشف عن المتفجرات والألغام وفقاً للمصادر المتقاطعة، وتصييره ليكون جهازاً كاشفاً للآثار، كما شهدت عمليات البحث عن الآثار مخاطرات كبيرة وبخاصة في أسفل قلعة آفاميا، حيث أن أي تحرك كان يستهدف من قبل قوات النظام، المتمركزة في القلعة المشرفة على المنطقة، والتي بدأت منذ سنوات، كما يجري العمل بعيداً عن أعين السكان وخلال ساعات الليل، فيما تحتوي منطقة ريف حماة الغربي على العديد من خبراء الآثار الذي يتلقون مبالغ مالية مقابل الإفصاح عن قيمة اللقى الأثرية وتاريخها، فيما تحدثت بعض الورشات عن أن أكثر من 90% من اللقى الأثرية كانت ذات أثمان بخسة، باعتبارها قطع نحاسية وأخرى معدنية، تحمل رسومات تعود للعصر الروماني، فيما عثر في الوقت ذاته على تماثيل وقطع ذهبية خالصة، والتي كانت ذات أثمان باهظةن وجرى بيعها للتجار آنفي الذكر، والذي دورهم مرروها غلى تجار أكبر بمبالغ أكبر

المصادر الموثوقة أكدت للمرصد السوري أن بعض الورشات العاملة في المنطقة، كفت عملها وانكفأت، نتيجة لتصاعد صعوبة العمل ضمن المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، فيما أصدرت مجالس محلية في المنطقة قرارات وتعميمات منعت بموجبها العمل في التنقيب عن الآثار، محذرة من مصادرة اللقى الأثرية وتعريض المنقبين عنها للمساءلة، ما حد من مستوى التنقيب العشوائي، إلا أنه لا يزال مستمراً حتى يومنا هذا، فلا يزال التنقيب يشمل أسفل منطقة قلعة أفاميا ومنطقتي حورتة وأم نير بالإضافة لمنطقة تل القرقور في سهل الغاب بشمال غرب حماة، بالتزامن مع ازدياد عدد الورشات بدلاً من تناقصها، كذلك أكدت المصادر الموثوقة للمرصد السوري أن عمليات التنقيب في منطقة جبل شحشبو تجري من بعد بداية الثورة السورية في العام 2011، على الرغم من أنها كانت تجري قبل اندلاع الثورة السورية، إلا أنها كانت بشكل سري وبوتيرة خفيفة، كذلك يعمد المنقبون، لنبش القبور والخرائب والمغر الأثرية في منطقتي حورتة وام نير على وجه الخصوص وفي مناطق أخرى من جبل شحشبو، على اعتبار أن غالبية العاملين في هذه المنطقة هم من أبناء جبل شحشبو، حيث يقومون بأعمالهم بوتيرة مريحة بعض الشيء وبأوقات متفرقة، على عكس العمل في المناطق التي تخضع لسيطرة وانتشار كبير للفصائل والقوى الأمنية للفصائل المعارضة و”الجهادية”، فيما أكدت المصادر الموثوقة أن معظم القطع الأثرية المستخرجة من هذه المنطقة يجري بيعها لتجار أتراك، الذين يبيعونها بدورهم إلى هواة جمع الآثار من دول خليجية وغربية

المصادر الموثوقة أكدت للمرصد السوري لحقوق الإنسان أن الكثير من سكان القطاع الغربي من ريف حماة، ومناطق سيطرة الفصائل المقاتلة والإسلامية و”الجهادية”، يناهضون عمليات التنقيب عن الآثار في مناطقهم، وناشدوا مراراً الجهات المحلية من الجهات العسكرية والأمنية، بالإضافة للجهات الخدمية، بوضع حد لسرقة التاريخ السوري الذي بات عبارة عن قطع أثرية تعرض في منازل الأثرياء حول العالم، وطالبوا بوضع حد لكل من يريد غمحاء هذا التاريخ الذي يمتد لآلاف السنين، حملوا الجهات ذاتها المسؤولية عن ضياع التاريخ واختفائه نتيجة سكوتهم عن مجابهة عمليات تنقيب هدمت ماضي السوريين كما هدم نظام بشار الأسد وقوى الصراع على أرض البلاد لحاضرهم وفخخوا مستقبلهم

أيضاً فإن المرصد السوري لحقوق الإنسان قام بسلسلة من الجولات على مدار أشهر متواصلة، وتمكن من جمع معلومات هامة مع صور وأشرطة مصورة، تؤكد عمليات النهب هذه، فمحافظة إدلب، تعد واحدة من أغنى المحافظات بالآثار، والتي تعود لحقب زمنية تتبع لحضارات متلاحقة عايشتها المنطقة، بعضها يصل للألف الخامس قبل الميلاد، بدءاً من العصر الحجري الحديث “النيوليت”، مروراً بمملكة إيبلا والحقب الحثية والآرامية والآشورية واليونانية والرومانية والبيزنطية، وصولاً للعصر الإسلامي بمختلف مراحله حتى العهد العثماني، حيث تحتضن محافظة إدلب، أكثر من 400 موقع أثري من ضمنها 200 على الأقل، من التلال الأثرية، وتنتشر الآثار في محافظة إدلب ومحيطها، ضمن مناطق بابسقا وباب الهوى جسر الشغور ومعرة النعمان وريفها وباب النيرب وقميناس وسهل الغاب، بالإضافة لمناطق أخرى متناثرة داخل المحافظة، كما أن هذه المواقع تراوحت ما بين محفوظ بشكل كامل وبين قرى لم تبق منها سوى أطلال، بالإضافة لقلاع أو أوابد متناثرة، ومع بدء تبعثر الأمن الاجتماعي وتناثر المسؤولية بين طرفين تمثلا بالمعارضة والنظام، وغياب مسؤولية الطرف الأسبق وهو النظام، بدأت المواقع الأثرية هذه تتعرض للسرقة والنهب والتنقيب، دون رقابة أو سلطة لأحد، على من يمارسون هذه الأعمال، إذ كانت البداية مع أساليب بدائية في الحفر والتنقيب، حيث جرى نهب قطع أثرية ونقلها إلى تركيا، وبيعها لتجار مختصين بمثل هذا النوع من العمليات الربحية، فيما بدأت تتطور -مع مرور الأيام وتصاعد وتيرة التنقيب، وتوسع قاعدة الباحثين عن هذه الآثار- أساليب البحث والتنقيب عن الآثار، فتحولت من قضبان نحاسية وقراءة العلامات الموجودة على الصخور المجاورة للمواقع الأثرية، إلى أجهزة تنقيب حديثة، وأجهزة بحث عن معادن مدفونة، وفرض هذا الفلتان وعدم القدرة على ضبط عمليات التنقيب عن الآثار، استشراء هذه الأعمال بين سكان محافظة إدلب، وبات العاطلون عن العمل، يشغلون أنفسهم بالبحث عن لقى أثرية أو كنوز أو قطع أثرية مهمة، فيما لم يعتري أي أحد من المنقبين الخوف، من البحث عن هذه الآثار، لغياب الرقابة

بصمات الأصابع المحلية والإقليمية والدولية على آثار مهد الحضارات تفضح الاتجار الواسع بتاريخ البلاد

عمليات التنقيب لم تقتصر على المدنيين وجهات محددة تمتهن هذا العمل، إنما تعدى الأمر لإقحام بعض الفصائل العسكرية لنفسها في هذا المجال، نتيجة ضعف التمويل، وبحثاً عن مصادر لتمويل نفسها، عبر التنقيب ضمن مناطق نفوذها، في حين أن الكثير من الأشخاص المشرفين ليس لديهم خبرة أو معلومات حول القيمة الأثرية التي يجري العثور عليها، إذ لجأ بعضهم إلى تحطيم القطع لأثرية الفخارية أو الحجرية، فيما عمدوا لأخذ القطع الذهبية أو الأحجار الثمينة، ورصد المرصد السوري لحقوق الإنسان تنفيذ 3 من أكبر عمليات التنقيب عن الآثار في محافظة إدلب، تركزت في 3 مناطق رئيسية، إضافة لعمليات تنقيب أخرى رصدها ووثقها، وكان لبعض الفصائل السورية وغير السورية، وقيادات عسكرية وعناصر تابعين لهم، اليد الطولى في عمليات التنقيب الرئيسية منها والفرعية، والكبيرة منها والصغيرة، وتوزعت هذه العمليات على الشكل التالي.

عملية التنقيب في بابسقا::

منطقة بابسقا الواقعة عند الحدود مع لواء إسكندرون، في الريف الشمالي لمدينة إدلب، تعرضت لأولى عمليات التنقيب الضخمة، حيث تضم هذه المنطقة، مواقع أثرية هامة، وأوابد تاريخية، وتبلغ مساحة المنطقة نحو 15 كلم مربع، وجرى السيطرة عليها من قبل الفصائل المعارضة للنظام، في أوائل العام 2012، فالمنطقة تضم آثار بابسقا وباب العمود والخطيب والخزانات إضافة لمواقع أخرى، والفصيل الذي كان مسيطراً عليها هو حركة أحرار الشام الإسلامية، التي استحضرت آليات وجرافات وسخرت العشرات من العمال في عملية التنقيب هذه، في المواقع الأثرية، بحثاً عن كنوز ودفائن ولقى أثرية، لتحصيل تمويل عسكري كبير، حيث جرى تجريف كل من بابسقا وباب العمود بشكل كبير جداً، وتم استخراج آثار ودفائن ثمينة، ومع الاقتتال الأخير بين حركة أحرار الشام الإسلامية وهيئة تحرير الشام، تمكنت الأخيرة من السيطرة على المنطقة، وبدأت بعمليات التنقيب بحثاً عن دفائن لم تتمكن أحرار الشام من العثور عليها، وأكدت مصادر موثوقة للمرصد السوري لحقوق الإنسان أن قيمة الموجودات في منطقة بابسقا وجبلها، بلغت نحو 200 مليون دولار، من ذهب وآثار، إذ أكدت المصادر أن العمال تلقوا أجور تنقيبهم فقط، دون الحصول على نسبة من الموجودات التي عثر عليها، حيث حولت المبالغ المالية إلى خزينة حركة أحرار الشام الإسلامية، كذلك جرى التنقيب في مناطق قريبة من بابسقا وجرى العثور فيها على كنوز ودفائن، وبيعت بمبالغ مالية كبيرة، فيما جرى تحويل المنطقة لمعسكرات تدريب للمقاتلين في وقت لاحق

عملية جسر الشغور::

لم تكن هذه العملية بالعادية قطعاً، إنما كانت مختلفة من حيث العائدات ومن حيث الجهة المنفذة ومن حيث حجم التنقيب، فكانت الأكبر على الإطلاق، ونفذت بأيادي الحزب الإسلامي التركستاني، فالأخير وبعد سيطرته على منطقة تل القرقور في الريف الغربي لمدينة جسر الشغور، بدأ بأعمال الحفر والتنقيب في المنطقة الأثرية، وبحسب مصادر موثوقة تواجدت في المنطقة خلال عمليات التنقيب، أنه جرى العثور على كميات ضخمة من الذهب الخام ومن التماثيل الأثرية، التي يرجح أنها مخزون لإحدى الدول الحاكمة للمنطقة في وقت سابق، وبلغت قيمة المستخرج من الآثار والذهب، أكثر من 800 مليون دولار، جرى توزيع قسم منها على عناصر الحزب والعمال، فيما حول الباقي إلى خزينة الحزب، وأكدت مصادر للمرصد السوري لحقوق الإنسان أنه ونتيجة للكميات الضخمة التي عثر عليها من قبل الحزب التركستاني، لم يجد الأخير تجاراً في إدلب، يشترون الكمية كاملة، فاضطر لبيعها على دفعات

عملية تنقيب قميناس::

العملية في هذه المرة لم يستفرد بها من قبل فصيل معين، بل كانت نتاج تعاون بين هيئة تحرير الشام والحزب الإسلامي التركستاني، حيث جرت عملية التنقيب لتل دينيت الأثري، في منطقة قميناس، وجرى إزالة قسم كبير من التل، واستخراج الدفائن والكنوز الأثرية، وأكدت مصادر متقاطعة للمرصد السوري أن كمية المستخرجات كانت ضخمة، وجرى تحويل عائدات بيعها إلى كل من تحرير الشام والحزب التركستاني، كما أن عمليات التنقيب الكبرى، تبعتها وتزامنت معها عمليات تنقيب متفرقة، بعدها حظي المنقبون بلقى أثرية وآثار ثمينة، وبعضها الآخر ذو قيمة عادية، وبكميات متفاوتة، حيث جرت عمليات تنقيب عن الآثار في منطقة جبل الزاوية، إذ رصد المرصد السوري عمليات تنقيب متفرقة ومن ضمنها التنقيب في منطقة النخلة وتلتها الأثرية، والتي تخضع لسيطرة فصيل صقور الشام، حيث تجري عمليات التنقيب تحت حماية عسكرية من قبلها، كذلك أكدت مصادر موثوقة للمرصد السوري أن تلال جسر الشغور والغسانية يعمل بداخلها منقبون من العناصر المغاربة والخليجيين، فيما تجري عمليات تنقيب من قبل أتراك وبوسنيين ومغاربة في قلعة الشغر، إضافة لعمليات التجريف التي نفذها العناصر التركستان مثلما جرى في تلال مشمشان والقرقور بريف جسر الشغور

كما أن المصادر الموثوقة أضافت للمرصد السوري أن سوق تصريف هذه الآثار والتماثيل والذهب وغيرها من المستخرجات، يتم عبر طريقين رئيسيين أحدهما إلى تركيا ومنها إلى دول أوروبية وغربية، وثانيها نحو لبنان ومنها إلى دول أوروبية، وفي بعض الأحيان يجري التوجه إلى دول آسيوية، والتي نشطت فيها عملية الاتجار بالآثار السورية، إضافة لنقلها إلى صربيا وروسيا وإلى أيادي مافيات عالمية، تمتهن هذا النوع من التجارة، فيما يعمد التجار لدفع مبالغ خيالية لقاء الحصول على قطعة أثرية نادرة، كما في حالة دفع أحد التجار لمبلغ 300 ألف دولار أمريكي مقابل الحصول على قطعة فضية تزن 41 غراماً من العهد الروماني، فيما يعمد التجار لشراء كل ما هو نفيس وحقيقي، من أواني وفخار وتماثيل وقطع عاجية وذهب خام وتماثيل أو لقى ذهبية، ولوحات فسيفسائية تعود إلى فترات زمنية قديمة، ونتيجة لتصاعد عمليات التنقيب، عمد البعض بحب مصادر أهلية إلى استئجار أو شراء أراضي والبحث والتنقيب فيها عن الآثار، وما أثار استياء الأهالي ليس فقط عمليات البحث والتنقيب، التي طالت المواقع الأثرية، وفرغت البلاد من تاريخها، إنما تعمد الإساءة لهذا التاريخ، عبر تحويل مناطق أثرية إلى قواعد عسكرية، كما هو الحال في منطقة إيبلا التي حولتها تحرير الشام لمعسكر لعناصرها، وحذا حذوها فصيل فيلق الشام، بتحويل منطقة مرديخ إلى موقع مماثل للتدريب العسكري، وتعمد تحويلها من قبل سكان إلى مناطق لجمع المواشي أو السكن فيها خوفاً من عمليات القصف الجوي التي كانت تطال محافظة إدلب بشكل مكثف، بالإضافة لقيام آخرين بقص الأحجار الأثرية وتحميلها وبناء منازل بها، كما جرى في بعض مناطق جبل الزاوية.

المرصد السوري لحقوق الإنسان رصد كذلك حالات فردية، جرى توثيقها، لأشخاص عثروا على لقى أثرية وكنوز مدفونة أسفل منازلهم، إذ أكد (ح.م) من منطقة معرة النعمان، في القطاع الجنوبي، أنه عثر على مدفن خلال حفره لملجأ له في ريف إدلب الجنوبي، حيث عثر عليه خلال عملية الحفر، ما دفعه لبيع كل ما فيه وكسب مبلغ وصل لأكثر من 700 ألف دولار، الأمر الذي رفع من مستواه المعيشي، وأردف الرجل قائلاً:: “حرام كون فقير وبأرضي في كنز”، فيما ذكر (ع.أ.ح) أنه عثر في إحدى المغر خلال تنظيفها، على سرداب بهما جرتان ممتلئتان بالذهب، وقام ببيعها، وأرجأ سبب بيعها، لعدم وجود سلطة يمكنه تسليم الجرتين إليها، وأنه في حال سلمها لأية جهة كانت فإنها ستقوم ببيعها، فيما تحدث مواطن آخر (ع.ا.ش) أنه بحث مراراً وبشكل موسع إلا أن كل ما عثر عليه لم يتعدى مبلغ ألف دولار، كما أن عمليات التنقيب العشوائية، لم تقتصر على فترة سيطرة الفصائل المتواجدة في محافظة إدلب، وإنما سبقها عمليات تنقيب من قبل جهات عسكرية ومتنفذين في نظام بشار الأسد، حيث جرى نهب الكثير من محتويات متحفي معرة النعمان وإدلب، من قبل ضباط في قوات النظام، وجرى تبديلها بآثار مزيفة، وهذا ما كان باكورة عمليات التنقيب عن الآثار، التي امتنع النظام في كثير من الأحيان لتأمين عمل البعثات الدولية الأثرية، للتنقيب عنها.