فشل مهمة دي مستورا في سورية

18

أثبت مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية، ستافان دي مستورا، أنه غير قادر على معالجة تداعيات “اللعبة الكبرى” والمستنقع الذي غمست سورية فيه. وبعد فترة أربع سنوات قضاها في سورية، قرر أن يتخلى عن مهمته، وفشل حيث فشل قبله سلفاه البارزان، كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي.
لا يمكن أن يتم اختزال أسباب فشل دي ميستورا في عجز الأمم المتحدة، لأن فشل الأمم المتحدة ليس سوى انعكاس للمواقف المتناقضة للقوى العالمية، وطموحات اللاعبين الإقليميين، واختلال موازين القوة.
يغادر دي مستورا المنصب في نهاية تشرين الثاني (نوفمبر). وكانت نتائج عمله هزيلة ومحدودة. وهي دليل واضح على عيوب الدبلوماسية متعددة الأطراف، وعدم احترام المبادئ النظرية لميثاق الأمم المتحدة بشأن حفظ السلام والحماية الإنسانية.
بدأ تدخل الأمم المتحدة في الحرب السورية في 23 شباط (فبراير) 2012، بتعيين كوفي أنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، “مبعوثا مشتركا للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى الأزمة السورية”، لكن أنان استقال في أقل من ستة أشهر لاحقا.
فبعد إسقاط إعلان المبادئ الذي أعده أنان وبيان جنيف الصادر في حزيران (يونيو) 2012، كشف أنان عن استنتاجه الذي ما يزال صالحاً حتى الآن: “لقد بذلت قصارى جهدي”، ولكن “العسكرة المتزايدة على الأرض والافتقار الواضح إلى الوحدة في داخل مجلس الأمن (التابع للأمم المتحدة) حولا بشكل جذري شروط قيامي بواجباتي بشكل فعال “.
أدى التتابع السريع لتحولات ما بعد العام 2011، من ليبيا إلى بلاد الشام، فضلا عن نزعة المغامرة الغربية، إلى تصلب المواقف على الجانب الآخر. وقد استخدمت موسكو حق النقض (الفيتو) في الأمم المتحدة 12 مرة لحماية حليفها السوري. وكان هذا أحد الأسباب وراء عدم إمكانية العثور على حل ترعاه الأمم المتحدة. 
ولم يكن الإبراهيمي، وزير الخارجية الجزائري السابق، أفضل حالاً من سلفه. وقد استمر في منصبه من أيلول (سبتمبر) 2012 إلى أيار (مايو) 2014، ثم استقال بعد أن أدرك أن الانتخابات الرئاسية السورية التي كانت ستجري في حزيران (يونيو) 2014 وإعادة الانتخاب المتوقعة لبشار الأسد سوف تؤذن بوضع نهاية لجهوده.
في سياق سيطرة روسيا على الملف السوري من خلال الألعاب التي مارسها وزير الخارجية الأميركي جون كيري ووزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، تم تعيين دي مستورا لمواصلة عمل الأمم المتحدة في الملف السوري. وقد اهتم في الغالب بضمان استمرار مهمته ومحاولة سلوك أقصر الطرق وأقلها كلفة.
اشتكى هذا الأرستقراطي المثير للجدل باستمرار من أنه لم يحصل أبداً على أي دعم دولي. ولعل هذا هو السبب الذي جعله يتعاون مع أقوى الأطراف في الصراع السوري، ولا سيما روسيا، التي أصبحت اللاعب الأول في الساحة السورية منذ تدخلها العسكري المكثف هناك في أيلول (سبتمبر) 2015.
يمكن القول بأن عمل دي مستورا في سورية لم يفسد بسبب تعدد وتناقض خرائط الطريق التي اتبعها مختلف اللاعبين في سورية، خاصة بعد أن فرضت روسيا المسار الذي حددته محادثات أستانا في العام 2016. وما يزال بالإمكان الاعتقاد بدلا من ذلك بأن اعتماده على نهج خاطئ تجاه المفاوضات هو الذي تسبب له بالفشل.
شعرت مصادر مقربة من دي مستورا بأنه من خلال السعي إلى إطالة أمد ما تسمى مرحلة بناء الثقة قبل التفاوض، بدا أنه يتبع التوجيهات الروسية والأميركية لإعطاء نظام الأسد الفرصة لمراكمة تفوقه العسكري منذ بداية العام 2016 وحتى معركة حلب.
لكن أسوأ خطأ ارتكبه دي مستورا كان عندما رضخ للضغوط الروسية، وفتح طريقا جديدا لموسكو، مستخدما ذريعة فصل الملف الإنساني عن الملف السياسي. وقد وفر هذا التصرف الغطاء للدفع بترتيب أستانا، الذي سمح بالانتصار العسكري التدريجي والحاسم لنظام الأسد.
وقالت شهادة أخرى أن دي مستورا “خفف من حدة القضية عن طريق توسيع دوائر المشاركين وتجزئة أطرافها تحت ذريعة الرغبة في منح تمثيل لجميع الأطراف المعنية. إنه لم يكن جادا أبدا في التوصل إلى حل، وقد اخترع قضية السلال الأربع، وأمضى الوقت كله في تجنب مناقشة القضية المركزية الخاصة بالمجلس الوطني السوري. ومن خلال القيام بذلك، كان، من دون شك، متوافقاً مع وجهات نظر النظام “.
لم يكن أسلوب دي مستورا وتقنياته وقدراته على المشاركة في “الحرب النفسية” أموراً مفيدة له، ولم يستطع أن يرقى إلى مستوى شخصية مثل لافروف، الذي سيطر على كل تفاصيل الملف السوري.
يختتم دي مستورا فترة عمله بزيارة إلى دمشق لمناقشة تشكيل لجنة تكون مكلفة بصياغة الدستور السوري الجديد. وقد يكون هذا العمل هو العائد الضئيل من مدة خدمته التي بلغت أربع سنوات ونافذة الفرصة الوحيدة لإحراز أي تقدم في العملية السياسية.
مع ذلك، لا تعني هذه الخطوة الكثير حقا، لأن المشكلة الأساسية لا تكمن في النص الدستوري. إنها تتصل بهيكلية النظام الأمني في سورية، الذي لا ينطوي على أي احترام للقوانين والدساتير.
خطار أبو دياب

المصدر: الغد الأردنية