في الذكرى الخامسة للثورة: هل تقبل سوريا القسمة على أربعة؟

تصادف غداً الذكرى الخامسة للثورة السورية التي انطلقت في 15 آذار/مارس 2011 من مدينة درعا الجنوبية، وسبقتها إرهاصات في دمشق، وتبع ذلك انتقالها إلى كافة المحافظات والمناطق السورية على شكل مظاهرات سلميّة عارمة وصولاً إلى ما آلت إليه اليوم من مشهد عنيف مؤلم ومعقّد.
نشهد في هذه الذكرى اجتماعاً جديداً لجلسات جنيف للتفاوض بين المعارضة السياسية والنظام، ويلفت النظر ما سبقها من تصريح لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري بأن كلام مسؤولي الحكومة السورية حول أن الرئيس بشار الأسد «خط أحمر» يمثل استفزازا، وأن على روسيا وإيران إثبات أن الحكومة السورية «تحترم» ما تم الاتفاق عليه، موجهاً حديثه للقيادة الروسية بالقول: «ينبغي أن يشعر بوتين بالقلق بسبب حقيقة أن الرئيس الأسد يغرد خارج السرب ويرسل وزير خارجيته كي يتصرف كمخرب ويسحب من على طاولة المفاوضات ما وافق عليه الرئيس بوتين والإيرانيون، وهو ما يعني، عملياً، أن روسيا وإيران اتفقتا على أن الأسد لم يعد «خطّاً أحمر»، وأن عليهما ممارسة نفوذهما لإثبات «احترامهما» لهذا الاتفاق بإلزام الأسد بالرحيل.
يلفت النظر أيضاً تصريح لوزير الخارجية الروسيّ سيرغي لافروف يقول فيه إن الأتراك يتخندقون داخل العمق السوري من الحدود، وبأن تركيّا صارت تطالب بحق سياديّ لها باستحداث مناطق عازلة في الأراضي السورية، مشيراً إلى أن روسيا، «هي البلد الوحيد الذي تعمل بموجب دعوة رسمية من السلطات الشرعية في دمشق» وأن جميع الدول الأخرى، بما فيها الأعضاء في تحالف واشنطن «تنشط هناك بلا أي أساس شرعيّ»، منوّها من جديد بضرورة دعوة الأكراد (أي حزب «الاتحاد الديمقراطي»، فرع حزب العمال الكردستاني التركيّ في سوريا) للمفاوضات.
وقد سبقت ذلك تصريحات روسيّة عن إمكان استبدال نمط الدولة المركزي في سوريا بنظام اتحاديّ، الأمر الذي وافقت عليه أمريكا في تصريحات لاحقة، وهو ما فهمه السوريون باعتباره مقدّمة لتقسيم بلدهم كما حصل في ثلاثينات القرن الماضي حين قام الفرنسيون بجعل سوريا عدة دول بأعلام وجيوش مختلفة، ويوحي الدعم الأمريكي ـ الروسيّ لـ«وحدات الحماية الكردية» وحزب الاتحاد الديمقراطي، وكذلك التصريحات التركيّة والفرنسية عن كون روسيّا تجهّز دويلة علوية في الساحل السوري، أن هذه الطروحات لا يمكن إغفالها ولا تجاهل مآلاتها الممكنة.
قياس الحال السورية على المسطرة الروسيّة لا يستقيم، فروسيا بلد شاسع يشكّل تجمّع أمم هائلا مقسّما فدراليا إلى اثنتين وعشرين جمهورية تضم عشرات الأقوام واللغات، فيما أن سوريا هي بلد تم اقتطاعه، بعد الحرب العالمية الأولى، من باقي أطرافه التي تشكّل فلسطين والأردن ولبنان مجالها الحيوّي، واللغات القوميّة الموجودة فيه، باستثناء الكرديّة، لا تشكّل وزناً سكّانياً كبيراً (الآرامية، على سبيل المثال، تحكى في قريتين فحسب)، ولابد أن فكرة «الاتحاديّة» التي يراد تطبيقها على الواقع السوريّ هي قد تكون أقرب منها إلى الوضع الفلسطيني ـ الإسرائيلي منها إلى الوضع الروسيّ.
فالدولة الكرديّة التي يروّج لها «الاتحاد الديمقراطي» ويعبّر الروس عن «تفهم» لها، ليست إلا فرعاً لشأن كرديّ ـ تركيّ منها لنزوع قوميّ كرديّ ـ سوري حقيقيّ، وهي، لهذا السبب ليست إلا رديفا (مرحليّا) للنظام السوري وروسيا في حربهما المزدوجة على الثورة السورية، وعلى تركيّا.
بهذا المعنى فإن الدولة «الاتحادية» السوريّة، على الطريقة الروسية، ستكون أقرب لإسرائيل، المدججة بالسلاح والمحميّة من دولة عظمى والتي تسيطر على أجهزة الجيش والدفاع وعلى سوريا «المفيدة» (الساحل والمدن الكبرى)، فيما تترك المناطق الأخرى للتنازع عليها بين كيانين ربما يمكن تشبيههما بـ«فتح» (المعارضة السياسية) و«حماس» (المعارضة العسكرية)، فيما تكون المناطق التي تسيطر عليها «وحدات الحماية الشعبية» الكرديّة وسيلة مستمرّة لمزيد من تعقيد المشهد والضغط على تركيا وإضعاف من يواجه النظام.
غير أن السؤال يبقى: هل يمكن تقسيم سوريا على أربعة؟

رأي القدس