في الذكرى 16 على تأسيسه.. المرصد السوري لحقوق الإنسان يجدد التزامه الحقوقي الكامل بالدفاع عن المدنيين السوريين والعمل الجاد لتقديم مجرمي الحرب إلى المحاكم

سورية
وسط فترة من التعتيم الإعلامي الكبير، وبعدما تم طي العديد من الملفات السرية والإجرامية على حساب المئات من الأرواح الطاهرة، كان لابد للأمل أن يتجدد وأن تعود الحقيقة لتضرب بأعلى صوتها، لتعيد فتح الملفات وتُنقب في الأماكن المحظورة بهدف تعرية المخطئ وحماية المظلوم وذلك على يد رجلٍ آمن أن للإنسان حقوق ومكانة يجب احترامها وحفظها، وأن الديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة أساس الحياة في أي مكان وزمان، وعلى هذه المبادئ لف صوت الشعب السوري جميع بقاع الأرض بالرغم من كل القيود والسلاسل التي سعت لإسكاته، وتم فتح وتوثيق الكثير من الملفات والقضايا التي شكلت جرحاً في قلب الكثير من سكان الوطن، ففي مثل هذا اليوم من العام 2006 أي منذ ستة عشر عاماً، أبصر المرصد السوري لحقوق الإنسان النور بإمكانات وموارد محدودة، واستطاع أن يوثق ويرصد هموم الشعب السوري وأن يبحث في ملفات الفساد وأن يُقدم الأدلة والإثباتات التي طالت العديد من رموز الفساد بالرغم من جميع الضغوطات والتحديات التي سعت لإسكاته، ليكون المرصد منذ عام 2006 الجهة الإعلامية الوحيدة التي تمكنت من اختراق أقبية السلطة بالرغم من السرية التي تميزت بها على مدار عقود.
ومن مرصد مهتم بإثارة قضايا الفساد وتجريد الفاسدين من رداء الفضيلة لأهم مصدر للخبر ومصدر للحقيقة بعد اندلاع الثورة السورية، ففي عام 2011 كرس المرصد السوري لحقوق الإنسان جل اهتمامه وجهده لتوثيق ما عاناه الشعب السوري من تقتيل وتهجير ونفي، وذلك بالتعاون مع المنظمات الحقوقية وجميع الجهات الدولية المُستقلة بهدف كشف الحقيقة كما هي، ليتحول المرصد وبالرغم من كل التحديات والصعوبات التي واجهته لأهم مؤسسة حقوقية تستشهد بإحصائياتها وأخبارها أهم المواقع والصحف والمحطات الإخبارية العربية والعالمية، كالغارديان والتايمز ووكالة رويترز الذين استندوا على المرصد السوري في غالبية أخبارهم التي تخص الشأن السوري، وذلك للشفافية والمصداقية التي اتسم بها فلا خبر يُنشر ولا إحصائية تُعتمد ما لم يوثقها المرصد بالتعاون مع المنظمات الحقوقية أو من خلال مراسليه في أرض الميدان.
ومن شخص واحد هارب من سورية بعدما تم اعتقاله ثلاث مرات بسبب آراءه ومواقفه السياسية الحرة لمنظمة يتجاوز تعدادها مائتي ناشط حقوقي سوري تمسكوا بأرضهم وخاطروا بحياتهم مؤمنين بضرورة إيصال وتوثيق الحقيقة، فالحقيقة بالنسبة لهم هي الأداة الأفضل لرسم مستقبل سوري أساسه حقوق الفرد والمجتمع، فانتشروا في أرجاء البلاد وكانوا الشاهد الأول في خطوط التماس والصراع مما أدى لارتقاء ستة شهداء منهم في سبيل الكلمة مؤمنين أن الفجر قادمٌ لا محالة.
ولم يكن النجاح الذي وصل له المرصد السوري لحقوق الإنسان وليد اللحظة بل جاء بعد تجاوز العديد من التحديات والصعوبات التي واجهته بشكل دائم، كان أهمها صعوبة التواصل بين الناشطين ومقر الوكالة الذي يقع في العاصمة البريطانية لندن، فكل المناطق التي عانت من الصراع المسلح تم قطع وسائل التواصل عنها فكان الوصل لها أمر شبه مستحيل، إلا أن الجهد الذي بذله المرصد لتأمين المعدات اللازمة لتصوير وتوثيق جرائم الحرب التي تم رصدها أكد مدى جدية المرصد في ضرورة إيصال الحقيقية وأنه المنبر الذي تكفل بمهمة توفير جميع الأدلة والشواهد التي تُدين المجرم حينما تأخذ العدالة مجراها، فحاول الناشطون دائماً الوصول والتواجد في أي منطقة مهما كانت متوترة، فتعرض الكثير منهم للإصابات ومنهم من استُشهد على أمل مجيء غدٍ أجمل.
وبالرغم من كل الأطراف والجهات الخارجية التي شاركت في حرب مفتوحة ضد الشعب السوري إلا أن المرصد السوري لحقوق الإنسان أعلن رفضه لأي تدخل خارجي في الشأن السوري، وتُرجم ذلك بشكل واضح بعدما تم طرد أحد العاملين فيه حينما طالب بالتدخل الأجنبي، معلناً المرصد بشكل واضح وصريح أنه يرفض تخريب البلاد أو النيل من شخصيات محددة أو عودة الاستعمار والانتداب، بل يسعى لأن ينال الشعب السوري كرامته وأن يعيش على المبادئ التي تبناها المرصد منذ البداية.
وكأي منظمة ترى الإنسان بعينه ولا تنظر للونه أو انتمائه، سعى المرصد بشكل دائم لتوثيق ضحايا الحرب بغض النظر عن انتمائهم أو مكان تواجدهم، فأي شخص أُصيب أو قُتل في هذه الحرب هو إنسان يجب علينا حفظ حقوقه، ومن هذا المنطلق سعى المرصد التزام الحياد وتوثيق جميع الأحداث ورصد ضحاياها ومعرفة مرتكبيها بغض النظر عن انتمائهم، ليكون المرصد بهذه القيم المنارة التي أضاءت بأثيرها شعلة الحقيقة.
واليوم وبعد مرور ستة عشر عاماً من العمل والسعي وتوثيق أبشع وأفظع الجرائم، مازال المرصد يؤكد التزامه بمبادئه من خلال مواصلته لعمله بنفس الروح والحيوية التي بدأ بها منذ اليوم الأول، ومهما تعالت أصوات الباطل سيبقى صوت الحق هو الأعلى والأصدق ولعل المعلومات والوثائق والحقائق التي مازال يقدمها المرصد هي ما يثبت ذلك، فلا حقٌ ضاع ولا ظلمٌ دام وعلى هذا الأمل سيستمر السعي.
وحاول المرصد بمختلف وسائله محاربة التضليل الحقوقي والإعلامي حيث بات المنظمة الأولى عربيا والأكثر مصداقية وانتشارا في المنطقة وعالميا، وسعى للمساهمة في نشر السلم والسلام وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان والدفع للإيمان بها، وقد حاول مؤسسه رامي عبد الرحمن تقريب وجهات النظر الحقوقية والسياسية للسوريين والمشاركة في اللقاءات التي تدعو للحل السياسي السلمي في دمشق عبر مشاركاته في بعض المؤتمرات حيال الثورة، وعمل مناهضا لثقافة الإقصاء حيث سعى إلى الوصول إلى عدد كبير من السياسيين والحقوقيين والنشطاء السوريين عبر فسح المجال لهم لإبداء ارائهم عبر حوارات صحفية منمّقة، بمواقف كانت كلّها منتصرة لحقوق الإنسان التي جاء المرصد من أجل خدمتها، وقد لاقت تلك اللقاءات استحسانا واسعا بين صفوف المعارضة خاصة التي باتت تتواصل مع المرصد من أجل تبليغ رسائلها إلى المجتمع الدولي إيمانا بمصداقية وحيادية ومهنية المرصد السوري.
وبرهن المرصد السوري منذ 2011 مع انطلاق الثورة السورية على تمسكه بالقضية العادلة للسوريين، من خلال التوثيق لفضح مختلف الممارسات المشينة والانتهاكات التي مسّت حقوق الإنسان، فضلا عن مهمة الرصد المستمرّة التي تعتبر من أبرز مهام المرصد منذ بعثه، ولا يمكن أن ننسى الحرب التي تشن ضد المرصد من قبل عدة أطراف وماهي إلّا أكثر الأدلة على نجاح المنظمة في هدفها.
وسعى المرصد إلى إيصال كل الدعوات السياسية والحقوقية لصنّاع القرار والمجتمع الدولي لإيقاف نزيف الانتهاكات المستمرة ضد السوريين وتضميد جراح الثكالى واليتامى وإيصال معاناة النساء والأطفال في مختلف بقاع البلد الذي يشهد أقوى حروب القرن 21 وأشرسها والأشنع منذ مذابح روندا وفق توصيف الأمم المتحدة.
وقد حذّر مرارا المرصد من العواقب الأمنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتنموية والإنسانية للمأساة السورية كما نلقبها ونبهنا من نتائجها التي لا تحصى ولا تعد على الجيل الحالي والأجيال القادمة في سورية، خاصة الجيل الحالي الذي ولد وعايش فترة الحرب المجنونة التي جاءت على الأخضر واليابس ومسّت كل فئات المجتمع ودمّرت البلد وفككته وقسمته وخلقت هوة بين أفراد الشعب الواحد بل زرعت الكره والمحسوبية وعدم قبول الاختلاف في بلد طالما تعايش فيه السوريون بألوان كثيرة.
وكان أبرز هدف جاء من أجله المرصد التوثيق الحقوقي لمأساة اضطهاد السوري في ظل النظام الديكتاتوري، حيث وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان، (بالأسماء) مقتل واستشهاد 50069 شخص منذ انطلاقة الثورة السورية في 2011 من أصل ما لا يقل عن 610 آلاف تأكد المرصد السوري من مقتلهم على مدار 11 عاماً.
واستشهد 160927 مدني، توزعوا بين 120331 ذكور و15259 إناث و25337 أطفال ، وقد قضي منهم – 49363 تحت التعذيب داخل معتقلات النظام الأمنية، و 52525 القصف البري ورصاص قوات النظام، و استشهد 26403 باستهدافات جوية من قبل سلاح الجو التابع للنظام و 8683 بقصف القوات الروسية و 2504 قضوا باستهدافات جوية لم يتسنى التأكد إذا ما كانت روسية أم تابعة للنظام، فيما توفي 2322 على يد الفصائل المسلحة و900 على يد الجهاديين و 1086 بظروف مجهولة.
ووثّق المرصد السوري استشهاد 453 إعدام ميداني و 1767 في استهدافات متنوعة أبرزها الرصاص والآلات الحادة و1028 أسلحة محظورة، وتوفي 925 بسبب الجوع وتردي الأوضاع المعيشية و 4204 بتفجيرات و 2676 على يد التحالف الدولي.
واستشهد 17 سوريا بالقصف الإسرائيلي و 4577 على يد تنظيم “الدولة الإسلامية” و873 على يد قوات الاحتلال التركي و420 على يد قوات سوريا الديمقراطية والقوات الكردية و 201 غير ذلك.
ووثّق المرصد السوري 339142 قتيل من غير المدنيين، من ضمنهم 91319 من قوات النظام، و67263 من المليشيات الموالية للنظام وايران روسيا و1712 من حزب الله اللبناني و8628 من الميليشيات الموالية لإيران وروسيا من جنسيات غير سورية، و80050 من الفصائل المقاتلة والإسلامية و3589 من المنشقين عن قوات النظام وقتل 10908 من قوات سوريا الديمقراطية، و3228من الوحدات الكردية و 41127من أبناء تنظيم “الدولة الإسلامية”، وقضى 27974 من المجموعات الجهادية.
ووثٌّق المرصد مقتل 241 من المقاتلين الأتراك و266 من المرتزقة غير سوريين موالين لروسيا و2837 من مجهولي الهوية وغير ذلك.
ولم يتمكن المرصد من توثيق الخسائر في صفوف قوات التحالف الدولي بسبب التكتم الشديد.

وللإشارة فإنّ الإحصائية للخسائر البشرية والتي وثقها المرصد السوري لحقوق الإنسان عبر جهود متواصلة، لا تزال لم تشمل أكثر من 55 ألف مواطن استشهدوا تحت التعذيب في معتقلات نظام بشار الأسد وسجونه، كان حصل المرصد على معلومات عن استشهادهم خلال فترة اعتقالهم، ولا تشمل أيضاً أكثر من 3200 مقاتل من حزب العمال الكردستاني ممن قتلوا على مدار السنوات خلال قتالهم إلى جانب قسد في العمليات العسكرية، كذلك لا تشمل المئات من عناصر من حزب الله اللبناني لم يتمكن المرصد من توثيقهم حتى اللحظة، كما لم تُضمَّن مصير أكثر من 3,200 مختطف من المدنيين والمقاتلين في سجون تنظيم “الدولة الإسلامية”، إضافة لأنها لم تشمل مصير أكثر من 4,100 أسير ومفقود من قوات النظام والمسلحين الموالين لها، وما يزيد عن 1,800 مختطف لدى الفصائل المقاتلة والكتائب الإسلامية وتنظيم “الدولة الإسلامية” وهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، بتهمة موالاة النظام، بينما قدَّر المرصد السُّوري لحقوق الإنسان، العدد الحقيقي لمن استشهد وقتل لا يزال أكثر بنحو 54 ألف، من الأعداد التي تمكن من توثيقها، نتيجة التكتم الشديد على الخسائر البشرية من قبل كافة الأطراف المتقاتلة، ووجود معلومات عن شهداء مدنيين لم يتمكن المرصد من التوثق من استشهادهم، لصعوبة الوصول إلى بعض المناطق النائية في سورية، كما أسفرت العمليات العسكرية المتواصلة وعمليات القصف والتفجيرات عن إصابة أكثر من 2.1 مليون مواطن سوري بجراح مختلفة وإعاقات دائمة، فيما شرِّدَ نحو 13 مليون مواطن آخرين منهم، من ضمنهم مئات آلالاف الاطفال ومئات آلاف المواطنات، بين مناطق اللجوء والنزوح، ودمرت البنى التحتية والمشافي والمدارس والأملاك الخاصة والعامة بشكل كبير جداً.

الديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة، على هذه المبادئ السامية تم تأسيس أول مرصد حقوقي مهتم بالشأن السوري، فكانت البداية عام 2006 بإمكانات وموارد محدودة وعلى يد شخص واحد فقط، ومع مرور الوقت وبالرغم من كل الصعوبات والتحديات التي واجهته تحول المرصد لأهم وكالة تستشهد بإحصائياتها وأخبارها أهم المواقع والصحف ومحطات الأخبار العربية والعالمية، كالغارديان والتايمز ووكالة رويترز الذين استندوا على المرصد السوري في غالبية أخبارهم التي تخص الشأن السوري، فلا خبر يُنشر ولا إحصائية تُعتمد ما لم يوثقها المرصد بالتعاون مع المنظمات الحقوقية، ولم يكن ذلك النجاح والانتشار بالصدفة بل كان نتيجة حتمية لجهود أكثر من مائتي ناشط سوري تمسكوا بأرضهم وخاطروا بحياتهم مؤمنين بضرورة إيصال وتوثيق الحقيقة، فالحقيقة هي الأداة الأفضل لرسم مستقبل سوري أساسه حقوق الفرد والمجتمع.
ويجدد المرصد السوري لحقوق الإنسان التزامه التام الأخلاقي والحقوقي بمواصلة العمل من أجل الدفاع عن الشعب السوري في افتكاك حقوقه الشرعية التي تقرّها المراسيم الدولية وبنود الإعلان العالمي لحقوق الانسان، ويؤكّد أنه لن يتوانى يوما عن خدمة قضايا حقوق الإنسان برغم كل الصعوبات والعراقيل التي تتصدى لعمله من أجل ‘ الإنسان’، ويشدّد على إيمانه العميق بالقضية السورية العادلة وبمختلف الدعوات التي تطالب بالحق في العيش الكريم والكرامة وبالحرية كما ولدنا أحرار دون قيود ورقابة.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد