في اليوم العالمي لحقوق الإنسان: المرصد السوري يجدّد دعوته المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان إلى احترام مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقوانين الإنسانية

حقوق الإنسان في سورية.. أي حقوق وحرب مستعرة مجنونة لم تشبع وآلة قتل ملطخة لم تهدأ؟

في اليوم العالمي لحقوق الإنسان: المرصد السوري يجدّد دعوته المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان إلى احترام مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقوانين الإنسانية

يبدو أن كل المواثيق والمعاهدات الدولية والويلات التي مرت بها البشرية، ليست بقادرة على الحد من نزعة الشر والعدوان والتسلط لدى الإنسان، هذا المخلوق العجيب الذي لا يعرف حداً لجشعه.
وبرغم كل المآسي التي لا تزال تحط بثقلها على كاهل الإنسانية، تظل هناك إرادة لدى عديد الدول والمنظمات وأحرار العالم للتصدي لكل التجاوزات والجرائم المرتكبة في حق الإنسان ومحاسبة مرتكبيها. وكم هي رائعة ومبعث على التفاؤل والأمل، المواثيق الدولية التي صاغتها البشرية من وحي معاناتها الطويلة عبر العصور، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تحتفل شعوب العالم بذكرى صدوره الثالثة والسبعين في العاشر من شهر كانون الأول/ديسمبر الجاري.

وكم هي موحية ديباجة ذلك الإعلان: “لمّا كان الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم.
ولمّا كان تناسي حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والفاقة.
ولمّا كان من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان لكي لا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم…
ولمّا كان من الجوهري تعزيز تنمية العلاقات الودية بين الدول..
ولمّا كانت شعوب الأمم المتحدة قد أكدت في الميثاق من جديد إيمانها بحقوق الإنسان الأساسية وبكرامة الفرد وقدَره، وبما للرجال والنساء من حقوق متساوية وحزمت أمرها على أن تدفع بالرقي الاجتماعي قدماً وأن ترفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح..
ولمّا كانت الدول الأعضاء قد تعهدت بالتعاون مع الأمم المتحدة على ضمان اطراد مراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية واحترامها.
ولمّا كان للإدراك العام لهذه الحقوق والحريات الأهمية الكبرى للوفاء التام بهذا التعهد.”
فإن الجمعية العامة تنادي بهذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه المستوى المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه كافة الشعوب والأمم حتى يسعى كل فرد وهيئة في المجتمع، واضعين على الدوام هذا الإعلان نصب أعينهم، إلى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات عن طريق التعليم والتربية واتخاذ إجراءات مطردة، قومية وعالمية، لضمان الاعتراف بها ومراعاتها بصورة عالمية فعالة بين الدول الأعضاء ذاتها وشعوب البقاع الخاضعة لسلطانها.

وجاء في المادة الأولى من الإعلان:” يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء”..

مبادئ حقوق الإنسان التي تبدأ من الحرّية لتبلغ تحقيق المساواة التامة بين الجنسين، هي مبادئ عاش الشعب السوري مفتقدا إيّاها بل حالما بتحقيقها منذ عقود من الزمن، فهوة الظلم واللاّمساواة والتهميش والتعذيب كانت الأقوى إلى اليوم بفعل التسلط الذي خلّف الدمار وغذّى الطائفية والصراعات الإثنية بين مختلف المكونات، علاوة على التداعيات التي خلّفتها قرارات كبح تطلعات الشعب في إطار المحافظة على القبضة الحديدية والمُحكَمة ضمن دستور لم يتقبّله السوريون واعتبروه أداة ظلم واضطهاد لمنحه قادة حزب البعث ورفاقهم من الموالين الأولوية في مؤسسات الدولة والمجتمع، ولارتباطه بنظام رافض لكل انفتاح سياسي مع معارضيه منذ ما قبل 2011، حيث تمسّك برفض كل الإصلاحات المقترحة منذ سنوات.
وتقول المعارضة إن الحديث عن الديمقراطية والتعددية طيلة سنوات كان أمرا مضحكا وانتهازيا لكسب الشعبية والشرعية دون وعي بأهمية النهوض بواقع حقوق الإنسان الذي من المفترض أن يترجمه الواقع الاقتصادي.
فالعنف الذي يعانيه السوريون لم يعيشوه منذ الحرب العالمية الثانية، في ظل قتال عنيف وقصف عشوائي في مختلف المناطق منذ10 سنوات متتالية زادتها التدخلات الأجنبية تأزما ودمارا.
وقد شملت قضايا حقوق الإنسان القتل غير المشروع والاعتقال التعسفي والتنكيل بالجثث من قبل النظام والفصائل المسلحة والمتدخلين الأجانب على حد سواء، فضلا عن الاختفاء القسري والتعذيب في السجون وارتكاب مجازر في أثناء فترة الاعتقال في ظروف سيّئة وملوثة لكرامة الإنسان، بما في ذلك الحرمان من الرعاية الطبية وحرمان المعتقلين من المحاكمة العادلة في انتهاك خطير لمبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان.
ولا ننسى الهجمات الجوية والبرّية المتكررة والعشوائية التي طالت المنازل والمدارس والمعاهد ومختلف المؤسسات التربوية الخاصة والعمومية، والمستشفيات والأسواق الشعبية، ومراكز تجميع اللاجئين والنازحين، ما خلّف ألاف الشهداء والقتلى.
وقد وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان استشهاد ومقتل 3654 شخصاً منذ ديسمبر الفائت وحتى مطلع ديسمبر الجاري من العام 2021، حيث استشهد 236 شخصا بينهم 72 طفلا و48 امرأة برصاص وقصف قوات النظام، و300 شخص بينهم 141 طفلا و29 من النساء في انفجار ألغام وعبوات ناسفة، و296 تعرضوا لعمليات قتل برصاص مجهول بينهم 15 طفلا و 19 امرأة، و 76 في ظروف مجهولة بينهم 13 طفلا و9 من النساء ،و49 بانفجار آليات مفخخة هم 4 أطفال و8 نساء، و33 على أيدي حرس الحدود التركي “الجندرما”بينهم 9 أطفال و سيدة، و23 مواطنا بقصف تركي بينهم 10 أطفال و سيدتان، و32 مواطنا على أيدي قوات سوريا الديمقراطية بينهم 4 أطفال وسيدتان، و22 مواطنا على أيدي الفصائل بينهم طفلان وسيدتان، و12 مواطنا على أيدي المتطرفين بينهم طفل وسيدتان، و12 مواطنا بقصف روسي بينهم 6 أطفال و3 نساء، و3 أطفال بسبب تردي الأوضاع الصحية، و5 مواطنين على أيدي قوات التحالف الدولي، و6 مواطنين في قصف إسرائيلي بينهم 4 أطفال، و71 مواطنا على أيدي تنظيم”داعش” الإرهابي بينهم 7 أطفال و 16 امرأة، و 183 شخصا بينهم 22 مواطنة و27 طفلا في ظروف وأساليب مختلفة منها خلافات عائلية وعشائرية وجرائم شرف ورصاص عشوائي.
وقد وثّق المرصد السوري وفاة 52 شخصا بينهم امرأة تحت التعذيب داخل معتقلات النظام الأمنية.
فيما تشير إحصائيات المرصد السوري إلى أن أكثر من مليون شخص بينهم 155002 مواطنة تمّ اعتقالهم منذ بداية الثورة السورية في آذار-مارس 2011 من قبل أجهزة النظام الأمنية.
ووثّق المرصد بالأسماء استشهاد 47512 مدني في سجون النظام من ضمنهم 47109رجلاً وشاباً و339 طفلاً دون سن الثامنة عشر و64 مواطنة منذ انطلاقة الثورة السورية، من أصل أكثر من 105 آلاف علم “المرصد السوري” أنهم فارقوا الحياة واستشهدوا في المعتقلات.
وتفيد إحصائيات المرصد بأن أكثر من 83% جرى تصفيتهم داخل المعتقلات في الفترة الواقعة ما بين شهر أيار/مايو 2013 وشهر تشرين الأول/أكتوبر من العام 2015، فيما تشير مصادرنا ورصدنا إلى أن ما يزيد على 30 ألف معتقل منهم قتلوا في سجن صيدنايا سيئ الصيت، فيما كانت النسبة الثانية الغالبة هي في إدارة المخابرات الجوية.
كما تشير إحصائيات المرصد السوري إلى أن عدد المعتقلين المتبقين في سجون النظام بلغ 152713 شخصا بينهم 41312 امرأة.
فيما بلغ عدد عدد المعتقلين مع المغيبين منذ بداية الثورة 280416، وصلت عدد ملفات محكمة الإرهاب 102453 ملفا.
وأمام هذه الممارسات الفظيعة كرّر المرصد مناشداته المجتمع الدولي للتدخل والوصول إلى مناطق سيطرة النظام والمعارضة والفصائل المسلحة للوقوف على حجم الانتهاكات الجسيمة، وقد وثّق أشكال التعذيب في تقارير متعددة، منها الربط على كرسي حديدي والضرب بعصي كهربائية حتى الإغماء والموت.
وتأتي دمشق في الدرجة الـ 154 من بين 169 دولة في العالم في ترتيب غياب الحريات، لاعتبارها ظلّت محكومة بنظام الشخص الواحد والعائلة الواحدة منذ استلام حزب البعث السلطة عام1963 حين أعطيت الإشارة الخضراء للاعتقال دون أي وجه قانوني ودون قضاء، وتجري المحاكمات السياسية إن وجدت في محكمة أمن الدولة التي تشرف عليها الاستخبارات، لتظل ماكينة التعذيب الوسيلة الوحيدة للاعتراف بما ارتكب وما لم يرتكب، حتى أن السجون كانت ممنوعة على المراقبين المهتمين بوضع حقوق الإنسان، ولم تتحقق على أرض الواقع إصلاحات حقوقية أو سياسية في ظل تلك القبضة، حتى أن النظام قد تمسّك برفضه منح تراخيص للمنظمات الحقوقية الدولية والمحلية للعمل وتفنّن هو وحاشيته في حظر كل نشاط حقوقي وتعذيب كل ناشط حقوقي ضمن منظمات تنشط في السر.
ولا يغيب على متابع للوضع السوري منع النظام سفرَ أي معارض سياسي خارج سورية، بل دفع بمختلف أعضاء المنظمات التي نشطت في فترات ما إلى السجون، ولم يسلم أي معارض من محكمة أمن الدولة والملاحقة، في وقت تُمنع فيه الصحف من التداول في السوق حيث يتم فحصها قبل نشرها.
وحتى الأكراد حرموا من تعلم لغتهم ومنعوا من الاحتفال بأعيادهم ومن ممارسة حقوقهم الإنسانية وكانوا من المكونات الأكثر اضطهادا، وتعتبر الأقليات الدينية محرومة من ممارسة طقوسها.

وبرغم كل هذه التجاوزات التي ارتقت إلى مرتبة جريمة الحرب، في وضع تميز بعدم قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى أماكن الانتهاكات الواسعة والخطيرة، لم يتخذ لا النظام ولا المعارضة بمختلف أشكالها أولى خطوات لكشف المسؤولين عن تلك الجرائم التي طالت حقوق الإنسان، ولم يقع إلى اليوم فتح تحقيق واحد لمقاضاة ومعاقبة المفلتين من العقاب في بلد بات مرتعا للانتهاكات والتجاوزات الخطيرة من قبل مختلف الأطراف المتحاربة.
وقد اجتهد المرصد السوري طيلة عشر سنوات في متابعة وفضح الانتهاكات الأمنية والعسكرية المتكررة التي أدّت إلى المذابح والقتل العشوائي والعنف المفرط بدون حسيب أو رقيب.

ولم تترك الحرب مجالا إلا ودمّرته، فحتى حرّية التعبير لم تسلم هي الأخرى من الانتهاك بعد أو وُضعت قيود صارمة على حرية الصحافة والإعلام وزُجّ بأصحاب الأقلام الحرة في السجون، وقُطعت الإنترنت على مناطق انطلاق الثورة حتى لا يتمكن هؤلاء من نشر الفيديوهات والصور التي توثّق الانتهاكات والتصدي للمارسات القمعية وعمليات التدمير لمقومات الحياة لتركيع المحتجين،إلى جانب منع التجمعات ووضع قيود على التنقّل.
لم يقبل السوريون كل ذلك وتمسّكوا بثورتهم التي انطلقت سليمة قبل أن تتسلّح وتصبح أداة لأكبر حروب القرن21، هؤلاء الذين خرجوا مطالبين بالحرية كحق إلهي كوني وبالمساواة والعيش الكريم حسب ما يضمنه القانون الدولي ومعاهدات ومواثيق حقوق الإنسان ، أصروا على أهمية إقامة انتخابات سلمية حرّة وشفافة وضمان الانتقال السياسي السلس عبر دستور حرّ يضمن التعددية انسجاما مع مبادئ حقوق الإنسان، ويحارب الفساد المستشري ويؤسس لأرضية تحقق المساءلة العادلة وتحارب الاضطهاد بكل وجوهه السيّئة.
وهنا تجدر الإشارة إلى تقرير برنامج الأغذية العالمي الأخير الذي أكّد أن سورية على باب أزمة جوع حقيقية في صورة تمسك الأطراف المتحاربة بخيار الحرب،حيث ينتظر أن يزداد الوضع سوءً إذا استمر انقطاع المساعدات الانسانية، تزامنا مع الأزمة الاقتصادية والخسائر الكبيرة في الغذاء والدخل، حيث بات 80 بالمائة من السوريين يعانون الجوع وما يترتب عنه من أزمات صحية ونفسية، في وقت فقدت فيه الليرة السورية قيمتها بنحو 90 بالمائة حيث يتقاضى الموظف السوري نحو20 دولارا شهريا بينما تعادل السلة الغذائية للأسرة المكونة من أربعة أفراد شهريا قرابة 140 دولارا، خاصة مع الارتفاع الجنوني للأسعار، في وقت يعتمد 80 من السوريين على المساعدات الإنسانية حسب المنظمات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة وهو وضع يبين تدهور الحالة الإنسانية وغياب أدنى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في ضمان حياة آمنة دون جوع وفقر وخوف.

وعرّت الإحصائيات كارثة حقوق الإنسان بمختلف أوجهها في سورية، في وقت تتحكم بعض الأسماء في مصير شعب مكلوم، في حلبة صراع مستمر هدم البلد ومقومات الحياة، ولا يزال السوري الحالم بوضع إنساني أفضل يدفع الثمن باهضا،بل ظلت أحلام الأبرياء معلقة على فوهات البنادق إلى أن تصحو المنظمات الدولية ويتحرك الضمير الإنساني لفرض احترام القوانين الدولية ومواثيق حقوق الإنسان، بينما تظل مصالح الدول الإقليمية والدولية غافلة عن مأساة شعب بأكمله.

وندعو كمنظمة حقوقية، الهياكل المختصة إلى إنشاء آلية مستقلة للكشف عن مصير الآلاف من المفقودين والمختفين قسرا وعن أماكن وجودهم، بل ونشدّد على أهمية تحديد هويّة الرفات البشرية، وتقديم الدعم لأسرهم المكلومة.. كما نوجه مناشدة إلى الأطراف المتحاربة لإيقاف نزيف الموت ورائحة الدمّ والعودة إلى تنفيذ القرارات الأممية واحترام مبادئ حقوق الإنسان والشعوب التي تضمن الاستقرار وتنهي معاناة الشعب السوري الذي عانى الأمرين ودمّرت طموحاته وأحلامه على رفاة بلد منهوب مسروق ومدمّر.
كما ندعو إلى العودة إلى المحكمة الجنائية الدولية، لضمان محاكمات عادلة وشفافة، خاصة فيما يخص الجرائم الخطيرة، لاسترجاع حقوق الضحايا وإنصافهم وجبر معاناتهم.