في اليوم العالمي لحقوق الإنسان: تفاقم الجوع والقمع.. وشعب ضحية الصراعات

تظل حقوق الإنسان من المبادئ الأخلاقية السامية وحقا طبيعيا لكل إنسان، وإدراكا من البشرية لمدى ضرورة وحيوية هذه الحقوق جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من ديسمبر عام 1948 ليؤسس لمرحلة جديدة من الالتزام الجماعي بصون كرامة الانسان وحقوقه وتطلعاته بغض النظر عن اللون أو العرق أو المعتقد، ولكن تؤكد الوقائع منذ ذلك الإعلان التاريخي الحضاري أن حقوق الإنسان ظلت تتعرض للسطو والتجاوزات الخطيرة من قبل أغلب دول العالم من اضطهاد وتشريد وقهر واستغلال وحروب وحصار وتجويع..

وظلت عديد الأنظمة تمارس على الأفراد والأقليات ولا تعترف بالتداول السلمي على السلطة، واحترام المواثيق الدولية التي هي بمثابة الالتزام الرسمي دوليا.

وهذه المناسبة تذكّرنا مرة أخرى بما يجري في سورية حيث بات أي حديث بعيدا عن ثقافة حقوق الإنسان أو الاتفاقيات الدولية وظل الانسان يلهث وراء أبسط ضرورات الحياة بعيدا عن الرعب والعنف والخطف، حالما بالعيش في بيئة آمنة دون تهجير.

في يوم الاحتفال باليوم العالمي لحقوق الإنسان يعيش الشمال السوري على وقع القصف التركي والتهديدات المستمرة بمزيد اجتياح مناطق أخرى بتعلة حماية الأمن القومي لأنقرة ، في حين أصبحت الأوضاع في مناطق المعارضة مأساوية حيث غاب شبح الحياة الطبيعية وغابت أساسيات العيش، وغادرت الطمأنينة النفوس الحائرة.. فبين الجوع والفقر والعطش يواصل وباء كوليرا الفتك بالناس وسط تكتم كبير عن الأرقام الحقيقية، في وقت أرسلت فيه منظمة الصحة العالمية قرابة مليوني جرعة لقاح.

وتعيش مختلف المحافظات في سورية تزايدا مخيفا في معدل الإصابات بهذا الوباء، لكن مناطق شمال شرقي البلاد تتصدر الخطر بسبب تلوث أجزاء من مياه الفرات، فيما يكابد الأهالي في المخيمات معاناة الوضع المتردي بين المرض والفاقة والبؤس.

كثيرة هي المشاهد والصور المأساوية التي يمكن نقلها في هذا اليوم الذي جاء للتذكير بأن الحقوق تُنتزع ولا تُهدى، وهو حال السوريين الذين يقاومون من أجل حقوق وحرية مسلوبة وفي سبيل فك الحصار عن بلدهم الذي بات محتلا منهوبا تتصارع الأطماع الإقليمية والدولية على جغرافيته ليظل الشعب بكل فئاته ضحية تلك الأطماع .

ويجدد المرصد السوري لحقوق الانسان في هذا اليوم تمسكه بالنضال والمقاومة من أجل فضح مختلف انتهاكات حقوق الانسان في سورية والتنديد بالتجاوزات، ولإيصال أنّات المعاناة ومشاهد العذابات اليومية إلى المجتمع الدولي ، مناشدا الهيئات الأممية مراعاةَ خصوصية القضية السورية التي حُولت إلى حرب بفعل فاعل وأمام مرأى العالم وبدعم من القوى الكبرى.

وتحدث المنسق العام لحركة الإصلاح الكردية في سورية، فيصل يوسف، في لقاء مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، عن وتيرة انتهاكات حقوق الإنسان في سورية منذ أواخر الخمسينات من القرن الماضي وتسلم حزب البعث الحكم في البلاد في بدايات الستينيات، والذي أدار البلد وفقاً للأحكام العرفية الصادرة عن محاكمه الاستثنائية استناداً لإيديولوجيته العقائدية المنافية لأبسط حقوق الإنسان والأعراف الدولية، وكانت من نتائجها تكريس الشمولية والاستبداد وملاحقة المختلفين بالرأي، ومصادرة الممتلكات الخاصة بذريعة الاشتراكية ، وتعميم الفساد وأدلجة التعليم وعسكرة المجتمع في الجامعات والمعاهد والمدارس الثانوية وطلائع مدارس المرحلة الابتدائية، كما تعرضت كل الفئات الاجتماعية (نساء وشباب وأطفال) للانتهاكات الفظة لحقوقهم الاساسية الانسانية، وارتكبت الجرائم بحقهم في المعتقلات ، وظل عديد المتهمين لعشرات السنين دون محاكمات .
وأوضح أن القوميات بقيت محرومة من أبسط حقوقها ، ويحتفظ الشعب الكردي بمخزون من السجلات التي يندى لها جبين البشرية في مجال استهدافه من قبل السلطات الحاكمة بغية صهره قسراً في بوتقة تعريفاته ومصطلحاته في مجال التعريف بالهوية السورية والمواطنة، وجاءت انتفاضة الشعب السوري التي بدأت في أذار عام 2011 كردّ فعل طبيعي على هذه الانتهاكات ، والتي تركزت على المطالبة باحترام حقوق الإنسان السوري والحفاظ على كرامته من موبقات أجهزة النظام الأمنية التي توغلت في إهانة الناس وإذلالهم ، وفي سياق تطورات الانتفاضة التي تحولت إلى ثورة، حدثت تدخلات إقليمية ودولية لم تأخذ في الحسبان سوى مصالحها ،حيث تجاهلت ضرورة مؤازرة الشعب السوري وتحقيق مطالبه العادلة وتنفيذ القرارات الأممية ذات الشأن بالقضية السورية .
ولفت إلى أنّ جميع الحقوق الإنسانية المنصوص عنها في الاعلان العالمي لحقوق الانسان في واد، وحقوق الشعب السوري في واد آخر ، إذ لا تزال لانتهاكات الفردية والجماعية ترتكب دون رادع، وثمة مبادرات من قبل نشطاء سوريين لمحاسبة مرتكبي الجرائم الانسانية وهي موضع تقدير لكنها ليست بالمستوى المأمول إن لم تتشكل محاكم خاصة بدعم أممي وإفساح المجال للضحايا وذويهم للمطالبة بحقوقهم .

وتطرق الأمين العالم لحزب اليسار الديمقراطي عبد الله محمد، في حديث مع المرصد السوري، إلى التقارير التي صدرت عن المنظمات الاقليمية والدولية قائلا إنها عكست واقعا مؤلما لانتهاكات حقوق الانسان السوري من انتهاك الحق في الحياة بالموت جراء التعذيب، والحق في الحرية بفعل الاعتقالات التعسفية وظاهرة المفقودين قسرا، وغياب حق العدل بغياب المحاكمات، وانتهاك حرية الرأي وتكوين الأحزاب السياسية، مشيرا إلى ما أسماه “لامبالاة المجتمع الدولي” إزاء الانتهاكات الجسيمة التي مارسها النظام ضد الشعب، ما يحتّم ضرورة إيجاد آلية جديدة لإدراج أحكام الشرعية العالمية لحقوق الانسان في النظام القانوني السوري الجديد بحيث تكون ملزمة ويمكن إثارة أحكامها أمام القضاء السوري.

وتحدث عن أهمية التغيير السياسي بإرساء مبادئ حقوق الإنسان في المنظومة القانونية لضمان عودة المهجرين واللاجئين الى ديارهم وتفعيل العدالة الانتقالية لعدم الافلات من العقاب لمجرمي الحرب وكذلك ضمانا للوحدة الوطنية وإنقاذا للدولة السورية المهددة بالتفكك.

ووفق محدثنا فإنّ صيانة حقوق الإنسان بسورية لا يمكن أن تكون إلا بنظام ديمقراطي يتبنى دستوره حماية الإنسان السوري وضمان حقوقه كاملة.

بدوره، قال العميد أحمد رحال، في حديث مع المرصد السوري إن من الغريب أن تمرّ انتهاكات حقوق الإنسان مرور الكرام على المجتمع الدولي والحقوقي نظرا لفظاعة ما يحدث، فسورية التي صنفت أسوأ بلد في العالم من حيث العيش والقمع والقهر لا يزال الصورة أقرب إلى مشهد سينمائي دون أن يحرك أي طرف ساكنا.

وأفاد رحال بأنّه من العار أن تداس كرامة السوريين بأقدام النظام والفصائل والاستخبارات، بعد أن انتهجت كل أدوات التنكيل والقتل بمجرد مطالباتهم بحياة حرة وعيش كريم ونظام ديمقراطي .

واستغرب أن يتواصل تعيين مندوب من النظام في إحدى هيئات حقوق الإنسان بمنظمة الأمم المتحدة بعد كل هذه التجاوزات الخطيرة وغير المسبوقة، لافتا إلى أنه بعد استعمال الدبابات والكيمياوي والصواريخ ضد الشعب الأعزل لا يمكن الحديث عن حالة أو ثقافة لحقوق الإنسان بسورية.

وخلص إلى القول: لا أعوّل على منظمات الأمم المتحدة أوما يسمى المجتمع الدولي لحلحلة الأزمة السورية، فهو بعيد عن سماع آلام وصرخات ومعاناة السوريين كجزء من البشرية ، ولا يهتم بغير بمصالحه الأنانية، بينما الخراب والقمع والجوع والتشرد يلوي الأعناق ويقطع الأرزاق.