في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد النساء.. نساء سورية ضحايا عنف الدولة أو دولة العنف؟

تعاني نساء سورية من قسوة العيش في ظلّ استمرار الأزمة ومن واقع مرّ تتعرض خلاله لكل أنواع الانتهاكات والاضطهاد سواء من السلطة أوالمجتمع الذكوري الذي ينظر إليها بعين النقص والدونية والمحاسبة بدون سبب، وبرغم ذلك تقاوم النساء من أجل تحسين وضعهن وسن تشريعات تناهض العنف وتحاربه، حيث أضحين الأكثر تعنيفا بين نساء العالم، في غياب شبه كامل  للدعم من قبل المجتمع الدولي لمساعدتهن في محاربة الظلم والتهميش والاقصاء، فنساء سورية ليست مشكلتهن في تلك السلة الغذائية بل طموحهن يكمن في العيش ضمن بلد آمن ومستقر  يضمن حقوقهن ويضم لهن العمل والأمل والحياة بكرامة.

 كما لا يمكن التغافل عن مأساة النساء في المخيمات اللواتي  يكابدن  الأمرّين في ظل ظروف حياتية قاسية مع صعوبة  الوصول إلى الغذاء والماء والدواء، فهن ضحية دولة  وصراعات وتمييز مقيت وإقصاء.
 وفي اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد النساء، يجدد المرصد السوري لحقوق الانسان مطالباته المجتمعَ الدولي بتقديم الدعم لنساء سورية وإنقاذهن من دوامة العنف والصراع عبر  التسريع في تنفيذ القرارات الأممية لبسط الاستقرار وإعادة وحدة البلد وسيادته حتى يتمكن الجميع  من العيش بسلام ضمن نظام ديمقراطي يحفظ كرامتهن ، ودستور يراعي الجندر ويؤسس لدولة  تكون النساء فيها قوة فاعلة وصاحبة قرار  ومشاركة بقوة وثبات في كل القرارات.

ويؤكد المرصد أن النساء هن في الواقع ضحايا لعنف الدولة.
وترى الناشطة السورية، نجاة مرشد، في حديث مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، أنّ المرأة السورية سجلت حضورها قبل الثورة في العملية السياسية وتولت مناصب قيادية، لكن هذه المشاركات كانت مقتصرة على وزارات غير سيادية وقرارها كان مسلوبا من قبل السلطة المستبدة ، حيث عاشت التمييز في مشاركتها السياسية، ومع انطلاق الثورة السورية عام2011 قدمت المرأة السورية أروع الأمثلة في التضحيات والعطاء على جميع الأصعدة، وتعرضت لكل الانتهاكات من اعتقال وتعذيب وقتل واغتصاب واختفاء قسري، وكانت مثلها مثل الرجل في العمل في ميادين الثورة داخل سورية وخارجها.

واعتبرت مرشد، أنّ القوانين السورية التشريعية لم تكن منصفة للمرأة في الميراث وحضانة الأطفال والطلاق المنفرد وإعطاء الجنسية لأطفالها وغيرها، نتيجة العادات والتقاليد التي قيّدت المرأة  لتبقى تحت سلطة الرجل وتابعة له، وقد ازداد الأمر  سوءً بغياب الاستقلالية اقتصاديا للنساء، ممّا جعل القوانين الشرعية والاجتماعية لها السلطة الأقوى على المرأة  وبلغ حدّ ممارسة العنف عليها.

وأفادت محدثتنا بأن الحركة النسوية تعمل الآن على التحسيس بأهمية سنّ قوانين دستورية واضحة لا لبس فيها تحارب التمييز، وتقرّ بالمشاركة الحقيقية للمرأة في كل مناحي الحياة، بعد أن أثبتت نجاحها وتميزها وإخلاصها وقدرتها على التوازن بين واجباتها.

 وأضافت نجاة مرشد: ليس سهلا أن يتخلّى المجتمع الذكوري عن السلطة والامتيازات الممنوحة له والمدعومة بالعادات والتقاليد التي تعزز مكانته ويقوى بها، وبرغم ذلك علت أصوات النساء لكسر هذه المسلمات المجتمعية البالية والتمرد عليها، مطالبات بقوانين ودستور حساس للجندر وتغيير قوانين الأحوال الشخصية لضمان حقوقهن بالمساواة .

ولفتت إلى أنّ السوريات أثبتن جدارتهن وقدراتهن على كافة الأصعدة العلمية والسياسية والثقافية والقانونية وغيرها، ومن حقّهن الحضور والمشاركة بقوة في المواقع القيادية والسلطة، مشيرة إلى أنّ الوقت قد حان لإطلاق حملات مناصرة من أجل كسب التأييد والحشد للدفاع عن قضية النساء  بسورية ، وللتعريف ما يطال المرأة من عنف من قبل نظام استبدادي وقوانين مجحفة ومجتمع ظالم .

وتابعت قائلة: “نلتقي بقيادات في أوروبا وأمريكا من نساء ورجال مؤثرين في مجتمعاتهم  للضغط على صناع القرار ، وتطبيق قرار 2254 وإيجاد حل سياسي،  ووقف الاقتتال وإطلاق سراح المعتقلين، والمطالبة بصياغة دستور حساس للجندر”.

وشددت على ضرورة  محاربة  فكرة أنّ المرأة عدوة للرجل عند مطالبتها بحقوقها والمساواة بينهما، لافتة إلى أنّ  العنف ضد المرأة لا يزال يشكل حاجزاً في سبيل تحقيق المساواة والتنمية والسلام وهي مبادئ تتحقق بتشارك الجنسين.

وأردفت: نعمل الآن على تغيير القوانين المخففة لمرتكبي العنف ضد المرأة، ووضع قوانين صارمة ورادعة ومحاسبة مرتكبي القتل بحجة الشرف، (زواج القاصرات ،الضرب…) ونقوم بحملات وفيديوهات وورش عمل توعوية مجتمعية مع شركائنا في الحياة والإنسانية من الرجال، للتصدّي لحملات التحريض من قبل بعض رجال الدين التي تنادي بالحد من عملها واستقلالها وحريتها ومشاركتها في العمل السياسي”.

 من جانبها، أكدت الكاتبة والشاعرة ليندا عبد الباقي، في حديث مع المرصد السوري، أنّ العنف بلغ أوجه تجاه المرأة السورية في العقد الماضي، حيث تعرضت لكل أنواع التعذيب والتعنيف، إلى جانب مأساة موت أبنائها وتهجيرهم ومن بينهم من ابتلعته أمواج البحر ومن بقي على قيد الحياة ظل يعاني من الجوع والبرد والتشرد، بسبب حرب لا ترحم كبيرا أو صغيرا،  وأوضاع معيشية قاسية زادها تعقيدا قانون قيصر وأصبح المجتمع الدولي متغافلا عما يجري ونسي أطفال سورية ونساءها أشلاء كأنه يبارك موتهم  في حين هب الرأي العام بالتعاطف أمام طفل مغربي سقط صدفة في بئر.

ولفتت إلى ما يحدث للنساء السوريات محليا وفي مخيمات الخارج وفي بلدان عديدة ماديا ونفسيا حيث منعت عديد  الدول استقبال السوري الذي اضطر مع أبنائه إلى الهرب  من الإرهاب الداعشي وعمليات القصف والتدمير بعد أن تلاعبت بهم كل الأمواج الدينية والسياسية، حتى بات معظم الأطفال والنساء هياكل متحركة تمور في نار الغلاء وصعوبة المعيشة  وتعمل النساء ثماني عشرة ساعة متواصلة وفي شتى أنواع العمل لتأمين قوت أولادهن لأن معظمهن ترمل في الحرب.. 

المرأة السورية معنّفة أيضا حين فقدت حق التعليم والتوظيف وحين تواجه الغلاء الفاحش وقلة الموارد والأوضاع المعيشية الصعبة”. 

واستدركت قائلة: برغم كل هذه المآسي المتراكمة ظلت المرأة السورية كنبتة الصبار التي تقاوم شظف العيش لأنها في صحراء الهم والغم والتعب والذل والقسوة والحاجة وفي ظل  المجتمع الدولي الذي حكم عليها بكل أنواع العذاب،  وحتى منظمات حقوق الإنسان نسيت حق السوريات في أبسط أنواع العيش، هذا التعنيف الاقتصادي لم يعترض له أحد  ولم يستنكره أحد ولم يجد صوتا مدافعا ومناصرا حتى في  الدول العربية، ويبدو أن”الانسانية العربية والغربية” قد قبلت بأن قانون قيصر لقيصر والموت للسوريات والسوريين”.

ولفتت إلى التعنيف الاجتماعي بسبب “تأخر سن الزواج” والأوضاع الاقتصادية المزرية التي جعلت الشباب العاطلين العمل والفاقدين للأمل يعدلون أيضا عن فكرة الزواج في ظل بطاقة ذكية توزع عليهم الغاز والبنزين بالقطارة في بلد أنهكتها الحرب وأنهكها السارقون والمارقون، فضلا عن  التعنيف النفسي من كل النواحي والاتجاهات: كم من نساء بنيْن بيوتهن بعذاب السنين وبقروض وشردتهن الحرب مع أبنائها؟.

وبخصوص دور المثقفات لتحسين وضع النساء، أوضحت أن الإعلام يلهث خلف السلال الغذائية ويهمش الثقافة بحجة أن الأولوية في ظل الحرب للرغيف أما البناء الفكري والحضاري والثقافي فقد بات على هامش الحياة التي تنطفئ شمعتها تدريجيا وظل المثقف يصرخ ذلاً وإهانة ويعمل بأي مهنة غير إبداعية لتأمين حاجياته اليومية ،ومع هذا لا يزال إصرار  المرأة السورية يتحدى وتنهض  كطائر الفينيق  من تحت الرماد والركام كما نهضت أم شام بكور، وتصنع المعجزات وتقول للعالم أنا زنوبيا كنت وسأكون”.