في بعض أسباب تعثّر الوطنية السورية

35

كانت المناطق التي شملها الحكم العثماني، ومن بينها سورية، تضمّ مجتمعات مركّبة من ديانات وقوميّات ومذاهب متعدّدة. وعلى رغم عدم اعتراف الدولة العثمانيّة رسمياً بالمذاهب الأخرى، لم تحاول السلطة السياسية أو الدينية فرضَ اعتناق «دين الدولة» الرسمي، وهو الإسلام السني وفق المذهب الحنفي.

ومن الأسس التي اعتمدها العثمانيون في الحكم وإدارة شؤون ولايات الإمبراطورية، الإبقاء على نوع من «سلطة تسيير الأمور» للزعماء المحليين في مناطقهم. شمل ذلك بعض الطوائف الإسلامية من غير السنّة، إضافة إلى زعماء الطوائف غير الإسلامية الروحيين، من دون أن يغير ذلك وضعيتهم وأتباعهم كـ «أهل ذمة»، وهي التسمية التي كانت تُطلق على غير المسلمين من رعايا الدولة العثمانية، حيث كان يُنظر إلى هؤلاء كمواطنين من الدرجة الثانية. فلم يكن لهم الحق في الانخراط في الجيش مثلاً، وكانوا يدفعون ضرائب خاصة، وتُفرض على حرياتهم قيود معينة شملت أحياناً ارتفاع أبنية منازلهم أو طراز لباسهم. هذا كله، ساهم في تقوية مختلف العصبيات، وخلق شعوراً لدى كل من تلك الجماعات بتمايز قوامها الاجتماعي.

بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وانهيار السلطنة العثمانية، ولدواعٍ استعمارية كما بهدف تصفية إرث الحركة العربية إبان الحكم العربي بقيادة فيصل بن الحسين (1918 – 1920)، عملت فرنسا خلال فترة انتدابها على سورية، على تقسيم البلاد إلى كيانات مذهبيّة. أنشأت دولة لبنان الكبير بغالبية مسيحية، مارونية بشكل رئيسي، ثمّ دولتين بغالبيّة سنية، عاصمة إحداهما دمشق والثانية حلب، ودولة ثالثة علويّة في مناطق الساحل والجبال الغربية، ورابعة درزيّة جنوبي البلاد، وكياناً خامساً خاصّاً بمنطقة الجزيرة في الشمال الشرقي حيث يسود الطابع القبلي الأوساط العربية عموماً، إلى جانب وجود الأكراد وبعض الأقلّيات المسيحيّة من آشوريّة وأرمنية وغيرها.

لاحقاً، وتحت ضغط الثورة السورية الكبرى (1925 – 1927)، اضطرّ الفرنسيّون إلى الكفّ عن أسلوب الإدارة الاستعمارية المباشرة، وتلبية مطالب الوطنيين بتشكيل حكومة تُجري انتخابات تفضي إلى مجلس تأسيسي يضع دستوراً للبلاد.

غير أنّ حكومة الانتداب، حرصت على التعامل مع السوريين بالنظر إلى انتماءاتهم الدينيّة والمذهبيّة عند تحديد نسب التمثيل في الهيئات النيابيّة. فقسّمت نوّاب المناطق الانتخابية وفقاً للطوائف التي ينتمون إليها. على هذا النحو، حدّدت نواب دمشق وضواحيها، مثلاً، فكانوا: 10 سنّة، 1 روم أرثوذكس، 1 روم كاثوليك، 1 يهودي.

أدى ذلك إلى تنامي اختلاف الشعور بـ «الأنا الجماعية» وتباينها بين جماعة وأخرى، لتجد تعبيراتها ضمن هويّات فرعيّة مغلقة على حساب الهوية الوطنية الجامعة. وسعى الفرنسيون إلى تكريس الأوضاع تلك عبر تشجيع النزعات الانفصالية في أوساط السكّان.

لم تخلُ المجتمعات المحلّية من مجموعات معينة، أو شخصيات ذات نفوذ تتبنّى الدعوات الانفصالية آنذاك. على أنّه خلافاً لحالة لبنان الذي لقي إنشاؤه دعماً من غالبية اللبنانيين، فإنّ بقيّة الدويلات لم يُكتب لها البقاء نظراً الى أنّ معظم أبناء الجماعات الذين ادّعت فرنسا أنّها أنشأت تلك الدويلات لحمايتهم، وقفوا إلى جانب الحركة الوطنيّة في سعيها نحو وحدة سورية، وفي النضال ضدّ الفرنسيين لنيل الاستقلال.

إلى ذلك، ثمة أسباب أيديولوجية وسياسية قلّلت من حظوظ انتشار الوطنية السورية كخيار نهائي لمكوّنات المجتمع السوري. فقد ظهرت قوى ونخب سياسية في مواقع السلطة أو المعارضة، أدت أدواراً مؤثرة في التاريخ السوري المعاصر، كانت في أيديولوجياتها وفي سلوكها ترفض التسليم بالوطن السوري بحدود استقلاله التي انتهى إليها عام 1946، ولا تعترف بالانتماء إليه كهوية نهائية للسوريين كافي.

من الأمثلة البارزة، الحزب السوري القومي الاجتماعي، وعقيدته القومية السورية التي لا ترضى بأقلّ من وحدة «الهلال الخصيب» في دولة تجمع سورية الطبيعية والعراق، وحزب البعث العربي الاشتراكي، بأيديولوجيته القومية العربية الباحثة عن دولة عربية من المحيط إلى الخليج، لا تعترف بانتماء سوى الى العروبة، مروراً بالشيوعيين وأحزابهم وأحلامهم الأممية العابرة للحدود، ثم الإسلام السياسي ممثلاً بالتنظيم المؤسس: جماعة الإخوان المسلمين، الذين لا يعترفون أصلاً بفكرة الوطن، إذ تعلن أدبياتهم أن «لا وطن لمسلم ولا جنسية»، وإنما الانتماء لـ «الأمة الإسلامية» التي ستنشئ دولتها القائمة على تطبيق «الشريعة الإسلامية» و»الحكم بما أنزل الله».

وعلى رغم استقلال سورية موحدة وفشل مشاريع التقسيم الطائفية، لم يُتح للهوية السورية بُعيد الاستقلال أن تتفوّق على الانتماءات الإثنية المختلفة، لأنه كما سعى الاستعمار الخارجي الى تفتيت المجتمعات بغية تسهيل سيطرته عليها، كذلك كانت حالُ الاستبداد. فباستثناء سنوات محدودة ومتفرقة من تجربة النظام الديموقراطي البرلماني، رزحت البلاد خلال الشطر الأعظم من تاريخها – ولا تزال – تحت حكم أنظمة استبداد تسلّطية. ومعلومٌ ألا مواطنة متساوية في ظلّ الاستبداد.

لقد أدت البنية الشموليّة التسلّطيّة التي حكمت سورية، دوراً مهمّاً في إعاقة الاندماج الوطني للسكان في هويّة وطنيّة جامعة. فلم يكن مستغرباً والحال هذه، أن تدفع الحرب الدائرة في البلاد اليوم بالصدوع والانقسامات العمودية في المجتمع إلى السطح. وإنّ الحديث عن احتمال إحياء مشاريع تقسيم سورية إلى دويلات طائفية ومذهبية، خطرٌ قائم. في الحدّ الأدنى، قد تحمل مبادرات الحلول السياسية تسويات تقوم على «المحاصصة الطائفيّة»، وليس أخطر على المستقبل السوري من «تسوية» كهذه، نظراً الى ما تختزنه من مشاريع حروب أهليّة لا يخلو الصراع الحالي من بعض ملامحها.

 

طارق عزيزة

المصدر : الحياة